ملتقى أبرار الجنة | abrrar  

 
العودة   ملتقى أبرار الجنة | abrrar > الـقـسـم الاســري والاجتماعـي > في حضن الاسرة


في حضن الاسرة ( المراة الحياة الزوجية الاسرة السعيدة )


 

إضافة رد
 
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع



 


ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:21 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون:
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء.
من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة.
يعني هذا اللانمطي، اللاديني، الذي لا يؤمن بشيء، ويفعل كل شيء، هذه الإباحية، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها.
فالوثنية من تؤمن بالوثن، من تعبد صنم، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة، كالوجودية، ونحوها من مذاهب الملاحدة هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن.
ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة]
يعني الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة، وإن كانا على خلاف ذلك، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم.
الحقيقة هناك سبب، أوعلة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة، هذا الإنسان الذي لا دين له.. ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواهي، فيه نظام، فيه ما يجوز، وفيه مالا يجوز، فيه ما هو مباح، وفيه ما هو غير مباح، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء.
يعني اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة]
خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة]
هذه العلة، السبب، الهدف..
﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[سورة البقرة]
فالزوج المشرك، أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به. هذه العلة، فالإنسان الذي لا دين له، لا كتاب سماوي لديه، لا يخاف من الله، لذلك جاء في الحديث القدسي:
(( ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني، وخف نفسك، وخـــف من لا يخافني ))
هذا الذي لا يخاف الله يخيف، ليس عنده رادع، ليس عنده شيء لا يجوز، ليس عنده شيء حرام، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية للرحمة للقيم. دابة فلتانة.
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف]
أما الكتابية شيء آخر، الكتابية تؤمن بالله، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى، تؤمن بشيء لا يجوز، وشيء يجوز فالكتابية شيء، والمشركة شيء آخر، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها.
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب. الحقيقة يوجد آيتين، آية تبيح وآية لا تبيح، وبعضهم جمع بينهما، لأن هناك حالات تبيح، وهناك حالات لا تبيح، يعني إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين، فإذا كان الدين النصارني أقوى من الإسلام في العالم، ولها مركز الصدارة، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين، أو لدين أقوى الأبوين، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين.
شيء عانيته بنفسي، زرت صديقي متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي ***ا سألته عن السبب، قال لي أولاده على دين أمهم، يميلون إلى أمهم.
حتى طالب كان ديانته مسلم، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه، يعني إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الإسلام على دين أمهم. أما إذا كان الإسلام هو الأقوى، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً، لكن المسلمين هناك مراحل يكونوا فيها في مركز الصدارة، وفي مركز القوة في مراحل أخرى ينتابهم الضعف ـ فإذا كان الإسلام هو الأقوى، وهو مركز الصدارة، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً، دينك هو الأقوى.
هناك شيء آخر:
الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج، فلعل هذه المرأة الكتابية، إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً، في هداية زوجته وأهل زوجته. يعني لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ، سبب وجيه، أن يأخذ بيدها، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها، أو إذا كان دينه هو الأقوى.
أما في بعض الحالات لا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشئون تنشئة لا ترضي الأب. وهذا ما يحصل كثيراً.
كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها.
أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً، هناك حكمة بالغة، لأن للرجل القوامة، الرجال قوامون على النساء. مسلمة تخاف من الله، تحب أن تطيع الله عز وجل، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور، لا يمكن هذا، يأمرها أن تختلط مع الرجال يأمرها بما لا يرضي الله، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده، والولاية له، والقوامة عائدة للزوج، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[سورة الممتحنة الآية 10]
هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم أما الزيادة على الأربع. طبعاً ربنا عز وجل قال:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
[سورة النساء]
طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة، مثنى وثلاث زائد ثلاثة صاروا خمسة، ورباع زائد أربعة صاروا تسعة، بعضهم فهم مثنى اثنتين اثنتين أربعة، وثلاث ستة صاروا عشرة، ورباع ثمانية ثمانية عشر.
طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنين، ثلاثة أربعة، ما أحد فعلها إطلاقاً، أريد تسعة قطع، لا أقول أريد اثنتين ثلاث أربع، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب أطلاقاً، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى، ثلاث ثلاث، رباع رباع، إذا أردت التكرار تكرر.
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية، لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة، مثنى أو ثلاث أو رباع، لو استخدمنا أو فهذه للتخير، ولا يجوز الجمع بينهما، إما اثنتين وإما ثلاثة، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاثة، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل هي أوضح شيء، مثنى وثلاث ورباع، فقال الإمام الشافعي: بلغ سنة رسول الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله أن يجمع أكثر من أربعة نسوة، وهناك أدلة أخرى.
النبي الكريم قال لغيلان ابن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن، وفي كتاب أبي داود عن الحارث ابن قيس قال أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال اختر منهن أربع.
إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع، أما في هذه الأيام فالواحد بواحدة ما مخلص، إن شاء الله ينفد بواحدة.
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات. والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة..
(( إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب، أو لذي خلق))
هذا الحديث له معنيان، المعنى الأول: أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير، تنتظر إكرام من إنسان مقطوع عن الله، تنتظر إنسان لا يعرف الله أن ينصفك مستحيل، تنتظر إنسان أن يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل مستحيل، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب.. الناس يستخدمون عبارة أن فلان ابن عائلة يعني ابن أسرة عريقة، يعني يبدوا أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة، لها تقاليد، لها عادات مقتبسة من الدين، فالإنسان يردعه دينه أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب، الدين بحكم العقل دين أما أولاد الأسر الراقية بحكم العادة، ألفوا عادات راقية فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين، وأن هذا الدَيِّن يعرف مهمته في الحياة، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح، وهذا العمل هو بغيته، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود هذا الدين، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية، هذه الأسرة كما قلنا لها تربيتها، لها عاداتها فيها الحياء، فيها الوقار، الصغير يحترم الكبير، الكبير يحنوا على الصغير، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم.
يعني أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع، فقلت لابنه: ألا تغار على سمعة أبيك، قال: نعم، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور، يعني يخاف على سمعته، يخاف على سمعة أبيه، يخاف على اسم أبيه، فهذا ليس بداعي ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة، أما الأول بحكم العقيدة. أو بذي حلم، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة، يعني إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضج جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم، حتى أني أقول كلمة: إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج، ويختلف عنه في البواعث.
مثلاً مدير دائرة مؤمن، ومدير دائرة ذكي، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل، بحكم ورعه بحكم خوفه من الله عز وجل، يعدل بين الموظفين، يتواضع لهم، يبحث في مشكلاتهم، يعين ضعيفهم، يقبل العذر من المقصر لطيف ودود، هذه صفات المؤمن.
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين، لا حباً بالله، ولا خوفاً من عقاب الله، ولا يبتغي بهذا العمل رضاء الله أبداً، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس، ينتزع محبتهم، ينتزع مودتهم وتكون له هذه، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق. هذه المشكلة التي تحير المؤمن. يا أخي الجماعة في أوربا صادقين.. نعم، لا يغشون.. نعم، بضاعتهم درجة أولى صحيح، يصنفونها لك تصنيف صحي، الشحن، المواعيد كلها مضبوطة، لا يوجد عندهم غش، لا يوجد عندهم خداع، نعم، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج، ويختلف عنه في البواعث، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا، فرق كبير.. هذا الذي يعانيه بعض المسلمين. الإنسان الذكي لا يكذب، الذكي لا يخلف وعده، الذكي لا يتكبر..
الآن إذا رجل تكبر، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس، وسخريتهم، لا تحتمل. يأتي إنسان يتواضع، إذا تواضع يثنون عليه، يا أخي ما هذا متواضع نفسه هنية مثلاً، لا يتكبر، عطف علينا، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له: الله يعطيك العافية، شلونك، كيف صحتك، كيف أولادك، لازمك شيء هذا العمل يقوم فيه ذكي، حتى ينتزع إعجابه الآذن يتكلم، يقول لك: ما هذا، متواضع هذا مديرنا الجديد ابن حلال، ما في منه. هو هكذا يريد، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول: يا رب، قرأنا القرآن من أجل رضاك، يقول لهم كذبتم، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل، لما الإنسان يكون ذكي يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين، أما بالنوايا شتان بينهما أين الثرى من الثريا.

التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين، أو لذي حسب، أو لذي خلق ".
طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجل جريح، ورأى جمهرة من الناس حوله وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى، إذا كانت نيته تكثير الزبائن، لأن الناس يثنون عليه فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة، عمله رحيم وهو خال من الرحمة.
أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي، يأتيه شخص له قيمته، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي، ومع هذا الشخص الوجيه، الكبير الحق ليس معه، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير، والحكم انتشر وبلغ الناس، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً، حكمه عادل وهو ليس بعادل. لذلك النوايا دقيقة جداً، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير، هل أبتغي به السمعة والجاه.
(( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[متفق عليه]
(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))
إذاً: إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب، أو لذي حلم ".
هذا أخلاقي، أخلاقه جاءت من ذكائه، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه، هذا متدين، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً.
يعني إذا واحد رأى بأنه اقترب من مدفئة، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه، والله شيء يحير، لازم ما أوبخه يصطفل.. بشكل لا شعوري يصرخ فيه، توبيخ الأب، أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفئة ليس عملاً إرادياً، عمل لا إرادي عفوي.
المعروف بالمؤمن عفوي، غير مقصود، لا يفكر، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً، شخص استجار به يجيره، استغاث به يغيثه، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً، لا يناقش الأمور. أعمل ما أعمل، ماذا يحكوا علي، هذا شيء بالمؤمن غير وارد، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز.. ليس من باب وفاء دين، ليس من باب هذا الحق حق يجب أن نعطيها إياه. لا إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمائة ألف، حساب عشرين ألف سأدفعه قبل بجمعة، إن دفعته قبل بجمعة سيحس هذا البائع الكبير أن أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط، أما أنا متأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع فإذا طلبت منه مائة ألف يعطيني، ولكن بعد أن آخذ هذه المائة ألف أماطله. يقول لك: دخل في قلبي غرقنا، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان، يسمونه تكتيك بالتعريف الحديث مناورة. أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك، مخادعة، مناورة تكتيك. عندك تكتيك واستراتيجية، المؤمن أخلاقه استراتيجية، يعني ثابتة، لا يغير، لا تحت ضرورة، ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط، أخلاقه هي هي، أما الكافر أحياناً يعمل خطة مرحيلة، مثلاً إذا كافر، إذا دفع لهذا التاجر يكسب ثقته فيدفع له.
أحياناً واحد يقول لك أتضع أموالك عندي، يقول له: نعم، أنا أعطي بالمائة ثمانية وأربعين أرباح، شو هذا الحكي، مبلغ مذهل، أين ماكان بالمئة عشرة، أو بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرين إذا كان واحد موفق جداً، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة عندئذ يأخذها ويهرب بها. وهذا شيء يقع باستمرار.
هذا المعنى الأول: أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية، أن هذه الأسرة لها عادات راقية، بحكم العادة، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء.
والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة، وهناك شكاوى كثيرة تصلني، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا، وفعل معي كذا وكذا وكذا، كان الرد بمنتهى الوقاحة بمنتهى اللؤم، طيب كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة، لأن هذا ليس صاحب دين، وليس صاحب نسب رفيع، وليس صاحب ذكاء عالي.. لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروف مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً، وأو رداً سيئاً، أو رداً فيه مقاومة.
فالإنسان لا يُفاجأ. طبعاً يوجد حديث شريف آخر:
(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصاب أهله فإن كان أهله أصاب أهله، وإن لم يكن من أهله فأنت أهله ))
يعني الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم، لا أولادك أولى، أحياناً واحد يقول لك أنا مستجير فيك، فتعطيه من قوت أولادك، تعطيه من حصة أولادك، وتنجده، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم.
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ: لِي اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))
[متفق عليه]
إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. طبعاً الحديث طويل، وهذه أول فقرة منه المكثر: يقول عندي مال لا تأكله النيران، أهلكت مالاً لبداً، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة وبأن أموالهم لا تفنى، وأن أموالهم بازدياد، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة، هم الفقراء، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح، هو الذي يجدي.
((إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))
لذلك قال الله تعالى:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف]
النبي الكريم استثنى، قال:
(( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..))
هنا في الحديث دقة بالغة، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً. لذلك قال العلماء: لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا﴾
[سورة الفجر]
قال ربنا له: كلا.. ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل.
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي..﴾
يعني فات إلى بيته كل وسائل الراحة.
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي.. كلا﴾
ربنا عز وجل قال: كلا.. وكلا أداة ردع، يعني لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق، لا هذا القول صحيح، ولا هذا القول صحيح، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكرام، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة، إنه معالجة، الحرمان معالجة، والعطاء إكرام.
النبي الكريم قال: إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. لماذا سماه النبي خيراً قال: فَنَفَحَ ( نفح يعني أعطى ) فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..
يعني سأله عن يمينه شخص فأعطاه، عن شماله فأعطاه، سأله شخص قرض لثمانية أشهر دفع له، سأله شخص عطاء من دون قرض، فدفع له. يعني اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير.
وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..
قال: هذا الإنسان المكثر هنيئاً له، هذا قد يسبق المقل، الأن المال قوة، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله.
وحبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي.
وفي حديث آخر:
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ))
[أخرجه الترمذي وأبو داود وأبن ماجه وأحمد]
((َإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رضاً بما يطلب.))
من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم، الملائكة تكرم طالب العلم، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير.
هذا المعنى معنى تكريم، يعني الملائكة تكرم طالب العلم، بعضهم توسع في هذا المعنى، فقال الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم، ما الذي جعل أبا حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مر في الحج بشيخ يدرس في الحرم، وقد سمع منه هذا الحديث، من طلب العلم تكفل الله له برزقه. يلهمك إذا كنت تاجر يلهمك الصفقات الرابحة، فترى عملك قليل وربحك كثير. إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى، أخلاقهم عالية، شراؤهم سهل، دفعهم جيد. إذا كنت موظف فتنتزع ثقة رؤساءك، يعطونك إضافات ليست لغيرك. يعني مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه.
أب عادي يكون راغب أن يكون ابنه طبيب، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوق بدراسته، وأيام فحص لا يدع أحد أن يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له: أنا أحضر الخبز، اجلس وادرس، إذا جاءه ضيوف، ويريدون غرض إذا قالوا أوصل فلانة خالتك، الأب ينهى الأم يقول: دعيه يدرس، أنا أوصلها نصف ساعة توصيل يقول: لا دعيه للدراسة.
يعني إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوق يريحه من أعباء البيت، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة، يمكن يبالغ بإكرامه. فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه. معقول إذا اتجه واحد إلى الله يتلبك بحياته، والعكس هو الصحيح. لما الإنسان يتجه إلى غير الله عز وجل، الله يذيقه مرارة الدنيا. الدنيا تغر، وتضر، وتمر..
أوحى ربك إلى الدنيا، أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. تسمع من الناس قصص، يعني ترى رغم ذكائهم، رغم تقديرهم للأمور، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان، تأتيهم مزعجات يتورطون تورطات ما كان لهم بها.
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
[سورة الليل]
تلقى شخصاً تريده بيته بعيداً، الحاجة تجدها فوراً. آلة منتجة تعطلت، تحضر خبير فيخربها، يكسر قطعة فيها، بدلاً من أن يصلحها. إذا كنت موفقاً تحضر شخص يلهمه الله إلى الحق، يقول لك العطل من هنا، هي شغلة غيبانية، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخص بدلاً أن يعطلها خسمة أيام يصلحها في ساعة، إن كان في التجارة، أو في الصناعة، أو في الزراعة.
تأتي ساعة وأنت آخذ احتياط، دخنت مثلاً، كسبت المحصول غيرك نام ما استيقظ على الجرس، في أجراس تنبه إذا كان في ساعة ما فاق على الجرس، راح المحصول كله، فالإنسان يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه. ليس معنى أن يمد يده إلى الناس، لا ليست واردة، معنى يتكفل له برزقه يلهمه بأعمال مريحة، ودخلها معقول، أحسن ما يعمل ببلاش.
انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل، يقول لك: آه، يخرج منه آهة محروقة حرق، يقول: اشتغلنا ثلاث سنوات ببلاش، يدخل بمشروع، يدفع، يسهر يركض، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات شغل.
لا يرد الله عز وجل، انظر إلى الدنيا ما أصعبها. الخسارة مؤلمة جداً.
واحد يتعب، يتغلب، يجيب بضاعة،يبعثها، يشحنا، يبيعها يلم ثمنها، يشتغل فيها سنتين، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة، هذا شاغل ببلاش معناها. فالله عز وجل قادر يشغل الإنسان ببلاش طول عمره، يقول لك التجار كلمة مضحكة: مثل مطحنة الجن، خرير وعجيج على الفاضي، يشغله، يشغله، بالآخر ما في محصول، ما في خلاصة، ما في نتيجة، أما المؤمن موفق.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل]
((َإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رضاً بما يطلب..))
يعني أول شيء تعينه على أمر معاشه، أنا أدعو هذا الدعاء: اللهم أصلح لنا ديننا، الذي هو عصمة أمرنا.
الإنسان ينضبط بالدين، يعرف الحرام من الحلال، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز، عنده منظومة قيم ينضبط فيها..
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا..
أيضاً الدنيا إذا واحد بحاجة إلى المال، ما عنده قوام الحياة شيء صعب.
واصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
فالملائكة تعينه على حوائجه، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه، الملائكة تكرمه..
انظروا إلى الحياة الدنيا، انظروا إلى عمارة ترتفع، نشاط، اليوم جبل اسمنت ثاني يوم جاء الاسمنت، ثالث يوم جاء نجار الباطون ترى الذي يبني العمار كتلة انتباه، كتلة يقظة، لا زم نرش الإسمنت وإلا يصير مثل الغريبة بسرعة، نشاط البناء، نشاط التجارة نشاط الصناعة، نشاط العلم، دراسات في الجامعة، يعني في نشاطات عديدة، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي، ما في نشاط عند الله أكثر قدسية منه، يعني تذهب تزور أقرباءك تحصل مبلغ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة، تشتري بيت، تبيع بيت تبدل سيارتك، تعمل نزهة، هذه نشاطات مشروعة، مباحات، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم، أن تعرف الله عز وجل، خُلقت من أجل أن تعرفه، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[أخرجه أحمد]
حقيقة كبيرة جداً واحد يظن أن هذا مات، لذلك النبي الكريم قال:
(( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))
إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به، يعني أي عمل فيه إهانة، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل، إهانة له. حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين.
قال: يا أمية بن خلف، يا هشام بن عيينة، يافلان، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس.. الحديث طويل، الصحابة تعجبوا، قالوا: يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا، هؤلاء جيف، قال: ما أنتم باسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني. يسمعون مثلكم. فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى، من زعبر زعبرة، من ما بكى من فرح، من أهانه، بحثوا عن جزدانه، تحت المخدة في مصاري، دفشوا حتى يروا تحت المخدة في مصاري، يرى كل ذلك، ويسمع ما يقولون، فالنبي الكريم يقول:
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
(( إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا))
[أخرجه أحمد]
أما هذا الشعور الذي لا يوصف، هو اشترى البيت، هو فرش البيت على ذوقه قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى، جاءه تاجر، قال له: أريد غرفة نوم جوز، قال له: والله جوز ما في، عندنا زان.. قال: أريدها جوز، قال: طيب اشتري لي خشب جوز، اشـتروا خشب جوز، قال: هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة، يكون أبيض بعد تخمير سنة يصير أسود، أخذنا له خشب الجوز، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهر، قال ما مر بحياته كهذا الزبون، زار الخشبات وقت التخمير مرتين ثلاثة، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم، قال لي: عقدة بالخشب بالرجل من الداخل، لا ما بصير بدلي إياها، يعني كل جمعتين ثلاثة له زيارة، يتفقد غرفة النوم الخزانة، كيف جاية الباب، كيف جاية اللون يعني أربعين خمسين زيادة على غرفة، البخ المسكات المرايا. هذا معه وسواس. وبعد ذلك، قال له: اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة، ورتبوها ودوكروها، قال له: أما تريدون أخذ الغرفة، حاجزة محل عندنا، قال له بكرة إن شاء الله خبر بكرة قال لهم بعد بكرة، خبر بعد بكرة رفع السماعة سمع ضجيج، ثم جاء إلى التلفون قال لها: اختي الغرفة، قالت: ما نريد الغرفة مات صاحبها. غضبت. سبحان الله.
قصة وقعت مع أخ كريم معه من يومين، عنده محل ضخم لبيع المفروشات قال له: سنة تخمير خشب الجوز، وسنة ونصف سمعة أكلت، أما وسوسته عجيبة، ما رضيان بعقدة بوسط الخشب من الداخل، من ناح المفرش، ما بسير، بركدن واحد انبطح وفات لجوا ولقى في عقدة، شلون بدو ينام، يوم خلصت كان ميت.
الإنسان يسعى لدار الآخرة.
(( إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
(( إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا))
هو عمر هذا البيت، هو فرش هذا البيت، هو رتب هذا البيت دفنوه بنفس اليوم أسرع، قال لي شخص: شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء، مع أنه مكروه، ما الدليل، في مشكلة في البيت معناها، ما بدن إياه، هو اشترى البيت، يبس لثاني يوم، جيوبا الكفن بعد العشاء طالعوا..
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه، يعلق آماله بولده.. قال رجل لشاب أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً: رايح اسكر على روح أبي.
أبوه خلف له مال كثير ومات، فهذا الابن حيشرب خمر على روح والده.
قال: يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنع به، قال: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، قال له: عبدي أما علمت أني أنا الرزقا ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يعني جعلتهم فقراء، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم، والثاني قال له: ماذا صنعت في المال ؟ قال له: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين. فقال: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك، فقط. الله عز وجل يرزقهم، ويعافيهم ويهديهم، ويجعلهم قرة عين، ويجعلهم خلفاء لك ويجعلهم أعمالاً صالحة مستمرة.
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ))
[أخرجه الترمذي ومسلم والنسائي]
الحديث الأخير: (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
يعني أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله، هناك أشياء غالية كثيراً، معناها عليها طلب كثير، وقد تكون تغضب الله عز وجل، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد، قال له واحد: والله درنا لبنان كلها، ما في ولا جهاز كله مباع إلى سوريا.
(( إن الناس لا يرفعون شيئاًإلا وضعه الله تعالى ))
قرأت مقالة لكاتب أنه يحجز برأس السنة ما في، هنا ما في، كل الأماكن ما في محلات، معناها عليها طلب كثير الفنادق، سهرة بالفندق الفلاني، والفلاني، والفلاني عشاء، مع شغلات لا يعلمها إلا الله، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة، ما في محلات، واضطر يعملها بالبيت، جاب رفاقه وعملها بالبيت.
قال:
(( إن الناس لا يرفعون شيئاًإلا وضعه الله تعالى ))
يعني أنت تعلق بالذي رفعه الله، الله رفع قراءة القرآن، رفع فهم القرآن، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل، رفع أن تكون محسناً، رفع أن تكون محباً الله ورسوله، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل ما عنده من متاع. يعني يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته، وأجهزته فقط. لكن المؤمن يتسمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه.
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
معناها الحديث القرآته قبل الأخير، وليس الأخير.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن الولد مبخلة، مجبنة، مجهلة، محزنة ))
يعني هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاد يجب أن يعتدل، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل. أما معنى مبخلة يعني قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل، فكأن النبي لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا، لأن الله عز وجل قال:
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة الآية 272]
فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح بالخير، بالإنفاق، بالمال الخوف على الأولاد من بعده. مبخلة، يعني إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم.
وسيدنا الصديق أعطى كل ماله، ***ا قال له النبي الكريم: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: الله ورسوله.
ممكن أتصور إنسان ينفق ماله ثم يفقره الله، هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات، إذا في بالأرض مليون مستحيل، من المليون بعد الواحد مستحيل أنه واحد ينفق ماله ثم يفقره الله.
أنفقن أنفق عليك
أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً.
لا يمكن، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان.
جعله بخيلاً، الابن جعل أباه بخيلاً، هذا معنى مبخلة.
مجبنة: يعني الإنسان إيام يقف موقاف مشرفة، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يزعل بيت الإحمى، يقف موقف لا يليق به، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق، هذا العمل لا يجوز، يعني شخص دين يصلي يعمل عرس مختلط بفندق، مشكلة هذه، هيك طلبوا بيت العروس، طلبوا عرس مختلط بالذات، يعني رجال ونساء، المرأة بأبهى زينة، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم، فلان وزوجته، هذه زوجته، هذه زوجة فلان، جاؤوا بأحدث طرز كلها فتنة، ورجال ونساء. دين وتصلي وتعمل عرس مختلط بفندق. يعني جبن أن يرفض بسبب الابن، يعني الأولاد مبخلة مجبنة، مالها علاقة بالجبنة لا تحسبوها جبنة. مجبنة مجهلة..
يعني الإنسان أيام يسافر في طلب العلم، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً هذه على موضوع الفقر. فسرها الفقهاء.
لها تفسير آخر: إذا الواحد جالس مع أولاده، وحان درس العلم جاية بنته والله هي وزوجه، بابا نحن اليوم اجينا لعندك صرنا شهر ما شفناكم، بلا هذا الدرس، لا يا بنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك، أنا بغيب ساعة وبرجع، أيام بتعاتبه، كل شيء لحاله، مكانتك محفوظة أما هذا مجلس العلم لابد منه. فأيام الإنسان من أجل أولاده يجهل يعني بصير جاهل هي معنى مجهلة.
أما محزنة: واحد قبل الزواج، أو قبل ما يجي أولاد، بتهمه صحته، بعد ما أجاه أولاد، وابنه سخن واحد وأربعين، يا ترى التهاب سحايا، يا ترى التهاب أمعاء، لا ينام الليل الأب، طبعاً صار يجي متاعب، ومشاغل، وأسباب للحزن عن طريق.. الحديث لا في نهي ولا في أمر، الحديث في تقرير، يعني من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل، وعلى الجهل، وعلى الحزن، فخذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً.
يكون واحد الله مو عاطي الله، يشوف هيكي ولد لابس بقلك دابت نفسي علي هيك ابن، مو عرفان شو في عندو شو في لها مضاعفات شوف الأب نفسه الذي عنده أولاد يقول لك والله شي بحير. سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى، لا انعطا.. قال ممرضة، مولدة فاتت لبيت، جابوا بنت، هالبكه، سحوا وبكيوا، جابوا بنت وتأثروا هيكه وكشوا فيها. من غرائب الصدف، بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر، البيت الآخر يعني في قرابة أجاهم صبي بكيوا كلياتهم، سبع صبيان عوفوها حياتها الأم، مشتهية بنت واحدة، اجا التاني قال أيه والله حيرتونا إن جبنا بنات ما من خلص، صبيان ما من خلص، فهذا الحديث يعني في تقرير، تقرير لحقيقة فالي عندو بنات الحمد لله، والي عنده بنات وذكور الحمد لله، والي ما عندو الله فرغوا لطاعته، الحمد لله.
والله في دعاء يعني هذا الدعاء من أدق الأدعية، يقول عليه الصلاة والسلام:
((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))
والحمد لله رب العالمين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي






 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:41 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الدرس:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حضانة الطفل في الإسلام:

أيها الأخوة الكرام، قبل أن نتحدث عن الحضانة، هناك موضوع يتصل بها، وهو: الرحمة المودعة في قلوب الآباء والأمهات تجاه أولادهم:

الله سبحانه وتعالى سخر الآباء والأمهات لتربية الأولاد، لولا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطفل محبباً إلى والديه في حركاته وسكناته، وفي كلامه، وانفعالاته،وفي كل تصرفاته، لما ربّت أم ابناً.

يعني مما يقال ـ لا على سبيل قصة واقعية ولكن على سبيل قصة رمزية ـ أن أماً كانت تقبل ابنها وهي تخبز الخبز في التنور، فعجب أحد الصالحين لهذه الرحمة، تضع الرغيف في التنور وتقبل ابنها، فوقع في قلب هذا الإنسان الصالح أن: " يا عبدي، هذه رحمتي لو نزعتها منها، لألقته في التنور "، فإذا رأيت أماً ترعى ابنها، أو رأيت أباً يكدح ويشقى من أجل أولاده، فهذه رحمة الله بهذا المولود، آية في القرآن عن سيدنا موسى ولكنها تصلح لكل أطفال العالم، وهي قوله تعالى:
﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾
( سورة طه، آية39 )

يعني: لولا هذه المحبة التي ألقيتها عليك لما رباك أحد

فلو تصورنا أن الله سبحانه وتعالى نزع الرحمة من قلب الأب والأم، لهلك الناس وانقرض النوع البشري، ولكن هذه رحمة أودعها الله في نفس كل إنسان، كافراً كان أو مؤمناً، فالمرأة الكافرة، ألا تربي ابنها، إنها تربي ابنها وتعطف عليه، وكذلك البهائم، هذه التربية التي بموجبها يرقى النوع البشري ويسعد الأبناء برعاية الآباء هي مظهر من مظاهر رحمة الله عز وجل.

مما يتصل بهذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء، آية1 )

أرأيتم كيف يسأل الابن أباه بإلحاح ؟، هل يستطيع الطفل الصغير أن يمسك رجلاً في الطريق ويقول له أعطني ثمن معطف في الشتاء ؟ لا يستطيع، لكنه يأتي إلى أبيه ويطلب منه هذا الطلب ويلحّ عليه، ويغضب ويزمجر، وأخيراً يستجيب الأب له، ويحرم نفسه الحاجات الأساسية ليوفرها لأبنائه..
ما الذي جعل هذا الأب يستجيب لهذا الابن ؟ الله تعالى.

من الذي جعل هذا الابن يلح في الطلب على الأب ؟ الله تعالى.

إذاً، إذا رأيت أباً يعطف على ابنه، إذا رأيت أماً تحدب على أولادها، إذا رأيت ابناً يعرف مكانته عند أبيه وأمه ويحمّـلهما ما لا يطيقان، فهذا من رحمة الله عز وجل، لكن الشرع الشريف ضمن مصالح الصغير في حالة فقد أبيه، أو في حالة فقد أمه، أو في حالة الوفاة، أو في حالة الطلاق، هذا هو موضوع درسنا اليوم، أما الوضع الطبيعي فمعجزة.

مرةً خطر في بالي أنه، مهما بُذِلتِ العناية من جهات أخرى غير الأم، لا تغني عن الأم، مهما كان البناء فخماً.. حدائق، مطاعم فخمة، قاعات مطالعة، رعاية توجيه، مدرسون متفرغون، إذا فقد الابن أمه لا شيء يعوضه عن أمه، يعني لو أن الإمكانات كلها وضعت من أجل أن نعوض هذا الابن عن أمه لا نستطيع.

أنشئت قرى للأطفال، فيها مربيات يتقاضين رواتب شهرية ضخمة، يطبخن لهم، يعني كأن المربية أم، ولكن الأم الحقيقية لا شيء يعدلها، وكذلك الأب، لذلك هذا الموضوع أحد موضوعات التفكر، يعني إذا رجل أحب أن يتـفكر في رحمة الله عز وجل، فلينظر إلى هذه الرحمة الابتدائية التي وضعت في قلب الأم والأب من دون جهد.

المؤمن رحيم.. على من رحيم ؟ رحمة المؤمن على أولاده شيء بديهي، ولكن الشرع الحنيف حينما تحدث عن رحمة المؤمن قال: ولكنها رحمة عامة.

أن تكون الرحمة خاصة، هذا شيء بديهي مفروغ منه، ولا يستطيع الأب أن يدلَّ به على الله، لأن الله أودعه فيه، مثال ذلك، عندما الطالب يستخدم آلة حاسبة في الامتحان، يضع رقماً كبيراً ويضغط على الجذر التربيعي، فخلال ثانية يأخذ الجواب، هل يعد هذا ذكاءً من الطالب ؟ لا، هذا ذكاء ممن وضع هذه الآلة، أما لو أردنا أن نستخرج الجذر التربيعي فنحتاج إلى عشر دقائق !.

فالإنسان عندما يرى نفسه يعطف على ابنه، فهذا شيء وضعه الله في قلبه، لأنه أب، ولأنها أم فقط، فالوضع الطبيعي أيضاً يحتاج إلى تفكر، لذلك يقال: حسبكم الكون معجزة.

يعني الحياة من دون طلاق، من دون فراق، من دون شقاق، من دون موت وهذه الأسرة في وضعها الطبيعي: الأب يعمل ليلاً نهاراً، والأم همها كله أن ترعى أولادها، وأن يكون لأولادها مستقبل إن كن بنات أو شباب، هذا الموضوع يدل على رحمة الله عز وجل، ولكن الشرع كما قلت قبل قليل ضمن للطفل الصغير مصالحه في حالات استثنائية كالموت والطلاق. تعريف الحضانة، وحكم الأولاد الكبار:

عرّفها الفقهاء بأنها: ( القيام بحفظ الصغير، أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، وتعهده بما يصلحه، ووقايته مما يؤذيه ويضره، وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها )

التعريف دقيق، لكن شيء في التعريف يلفت النظر وهو ( الصغير أو الصغيرة )، فما حكم الكبير أو الكبيرة ؟

الكبير، له الحرية أن يستقل ويعيش وحده، أو أن يعيش مع أمه،أو مع أبيه.

لكن الكبيرة، لا تستطيع أن تستقل عن أبيها أو أمها، درءاً لفساد سمعتها، يعني لا يجوز لفتاة ولو بلغت العشرين أن تسكن وحدها، لما قد يحدث من فساد أخلاقها، أو لما قد يُتوهَّم من فساد أخلاقها، قد لا يحدث الفساد، ولكن الناس قد يتوهمون الفساد، فدرءاً للفساد أو لتوهّمِ الفساد، لا ينبغي للكبيرة أن تسكن وحدها، هذا تعليق جانبي.

البالغ الراشد لا حضانة عليه، ومن بلغ سن الرشد لا يقال له يتيم، ولا يتم بعد حلم، فإن كان ذكراً، فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، ويستحب أن لا يبتعد عنهما، ولا يقطع بره عنهما، إذاً، إن كان ذكراً يستطيع أن ينفرد بنفسه، لكنه لا يستحب أن يستغني عن أحد أبويه، وإن كانت فتاةً، لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنه لا يؤمَن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها، فإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك، إذاً: هذا تعليق جانبي على حكم الكبير والكبيرة. حق الصغار في الحضانة، وتقديم الأم للقيام بهذا الواجب:

أما الصغير والصغيرة فالتعريف يقول:
( قيام بحفظ الصغير أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، ووقايته مما يؤذيه ويضره وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها ).

فالحضانة بالنسبة للصغير أو الصغيرة واجبة، لأن الإهمال فيها يعرض الطفل للهلاك، والحضانة حق طبيعي للصغير، لاحتياجه لمن يرعاه ويحفظه، ويقوم على شؤونه ويقوم على تربيته، ولأمه الحق في احتضانه:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله : " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك

وإذا كانت الحضانة حقاً للصغير، فإن الأم تجبر عليها إذا تعينت، بأن يحتاج الطفل إليها ولا يوجد غيرها، فتجبر على الحضانة، وهو في سن محتاج فيه إلى أمه، عندئذ يجبر القاضي الأم على حضانة ابنها، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب، فإن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الأم فإن حقها بالحضانة يسقط، يوجد ناحية مهمة، لم نقل واجب الأم بالحضانة يسقط، بل حقها في الحضانة يسقط، إذا وجد البديل وإذا امتنعت هي لا يسقط عنها الواجب، وإنما يسقط حقها، لأن حقها في تربية وليدها شيء طبيعي وهو الأساس.

يقال: إن أسمى لون من ألوان التربية، هو تربية الطفل في أحضان والديه طبعاً، هذه الحقيقة أصبحت بديهية في العالم، هناك تجارب أجريت على أطفال ووضعوا في ظروف دقيقة جداً، يعني العناية إلى أقصى الحدود، العناية بالجسم، والنفس، والطعام، والألعاب، والتدريس، لكن هذا الطفل الذي نشأ بعيداً عن أمه يصاب بأمراض نفسية، أو معرض للإصابة بأمراض نفسية، أضعاف ما يتعرض الذي نشأ في حضن أمه، لأن الذي ثبت أن القيم والمشاعر النبيلة التي يستقيها الطفل من أمه لن تستطيع امرأة أخرى أن تقدمها للابن، لذلك عندما ترى نصف شعب من الشعوب لقطاء ويحيا في مصحّات، وفي دور رعاية، فاعلم تماماً أن هذا الشعب سيكون شريراً، يعني يتلذذ بإيقاع الأذى للشعوب الأخرى، في بعض الإحصاءات يوجد شعوب أوربية نصفها لقطاء، يعني الإنسان الذي نشأ في رعاية أمه قلما يحتمل أن يوقع الأذى بالآخرين، لأنه استقى من أمه العطف والحنان، أما الذي نشأ بعيداً عن العطف والحنان مستعد أن يفعل كل شيء، لأنه ليس عنده قيم شربها مع حليب أمه.

إن لكل من الحاضنة والمحضون حقاً بالحضانة، إلا أن حق المحضون أقوى، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير في الحضانة، فأسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه، ويلبي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة، فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل فالأم أحق به من الأب، ما لم يكن بالأم مانع يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وسبب تقديم الأم أن لها ولاية الحضانة والرضاع، لأنها أعرف بالتربية وأقدر عليها، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، لذا قدمت الأم رعايةً لمصلحة الطفل.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله : " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
سبق تخريجه

يعني إذا تزوجتِ، فهو أحق به، وأنتِ أحق به ما لم تنكحي.

في بعض الروايات أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال: " الأم أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وأخير، وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ". ترتيب أصحاب حق الحضانة:

إذا كانت الحضانة للأم ابتداءً، فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم تقدم على قرابة الأب، وأن الترتيب في أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو:

( الأم ) فإذا وجد مانع يمنع تقديمها، انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأم ) وإن علت، فإن وجد مانع انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأب )، ثم إلى: ( الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( الأخت لأم )، ثم إلى: ( الأخت لأب ) ثم إلى: ( بنت الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأم )، ثم إلى: ( الخالة الشقيقة )، ثم إلى: ( الخالة لأم )، ثم إلى: ( الخالة لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخ الشقيق )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأم )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأب )، ثم إلى: ( العمة الشقيقة )، ثم إلى: ( العمة لأم )، ثم إلى: ( العمة لأب )، ثم إلى: ( خالة الأم )، ثم إلى: ( خالة الأب )، ثم إلى: ( عمة الأم )، ثم إلى: ( عمة الأب )، بتقديم الشقيقة في كل منهن. يعني طفل من دون رعاية لا يجوز، لا يعدم طفل أن يكون له أحد هؤلاء، لابد من امرأة ترعى حق هذا الطفل، فإن لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم، أو وجدت وليست أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، من الرجال على حسب الترتيب في الإرث.

فينتقل حق الحضانة إلى ( الأب ) ثم ( أب الأب )، وإن علا ثم إلى ( الأخ الشقيق ) ثم إلى ( الأخ لأب )، ثم إلى ( ابن الأخ الشقيق )، ثم ( ابن الأخ لأب )، ثم ( العم الشقيق )، ثم ( العم لأب )، ثم ( عم أبيه الشقيق )، ثم ( عم أبيه لأب )، فإن لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلاً للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة، فيكون ( للجد لأم ) ثم ( للأخ لأم ) ثم (لابن الأخ لأم )، ثم ( للعم لأم ) ثم ( للخال الشقيق )، ثم ( الخال لأب )، ثم ( الخال لأم )، فإن لم يكن للصغير قريب وهذه حالات شبه نادرة، فلو فرضنا أنه يوجد حالة ليس له أحد، فللقاضي أن يعين حاضنةً تقوم بتربيته، وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو لأن حضانة الطفل أمر لابد منه وأولى الناس به قرابته، وبعض القرابة أولى من بعض، فيقدم الأولياء، لكون ولاية النظر في المصالح إليهم ابتداءً، فإذا لم يكونوا موجودين، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة، انتقلت إلى الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن ثمة قريب فإن الحاكم مسؤول عن تأمين من يصلح للحضانة.

إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن شروط الحضانة، وقد كان موضوع اليوم ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، والأم أحق بالولد من أبيه، والحضانة حق مشترك، حق للابن وحق للأم، وقد يسقط حق الأم في بعض الحالات، وتعريف الحضانة.

أحاديث في البر والإثم:

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، ثلاثة أحاديث، أراها مهمةً في أكثر ما أسأل عنه من موضوعات، كلها تبدأ بكلمة ( البر )، وبالمناسبة، كلمة ( البر) مثلثة، البِر( بكسر الباء ) هو العمل الصالح، والبَر ( بفتح الباء ) اليابسة، والبُر ( بضم الباء ) هو القمح. 1- البر ما سكنت إليه النفس:
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال:

(( قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وما يحرم علي قال: فصعد النبي وصوب في البصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
حديث رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والإمام أحمد

فالمشكلة ليست في إيجاد فتوى، أي شيء تريده هناك من يفتيك بفعله، الفتوى أصبحت مصلحة، أحياناً، يفعل الإنسان معصية ويقول: الشيخ بالأزهر يفتي هذه الفتوى، يعني هل شيخ الأزهر يحميك من عذاب الله ؟، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: [ وإن أفتاك المفتون ]

الورع: أن يدع الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس، هذه صفات الشخص الورع لا يتجاوز الحدود، فمن تجاوز الحدود فهو من الحضرة مطرود، ركعتان من عبد ورع خير من ألف ركعة من مخلّط، أنا ألاحظ عندما تسأل عن شيء فأنت قلق منه، لأنك سألت عنه.. لمجرد السؤال، تبين أنك قلق.

مثلاً، لو إنسان دخل إلى بيته ظهراً، وتناول طعامه، ثم صلى الظهر واستلقى في الفراش، هل يحتاج هذا الإنسان أن يسأل أحد العلماء عما فعل ؟ لم يفعل شيئاً مريباً، هو مطمئن، إذا كانت الأمور واضحة لك بهذه الدرجة، فأغلب الظن أنك لن تسأل أحداً عنها، لكن لمجرد أنك شككت أو شعرت بالقلق، أو شعرت أنك لست على ما يرام، أو كأن هذا الأمر لا يرضي الله عز وجل، فإنك تسأل العلماء، فأرقى فتوى، أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.

إذا سمعت جواباً مع دليل من كتاب الله، فكن مطمئناً، مثلاً، هل يجوز أن آخذ الدية من رجل قتل ابني خطأً ؟ كثيراً ما سئلتُ هذا السؤال، طبعاً يجوز، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 92 )

سبحان الله، أحياناً، أرى أشخاصاً في الموقف المباح يتصنعون الورع، وفي الأشياء التي لاشك في حرمتها يفعلونها وهم ساكتون، إذا سألت هذا السؤال ويوجد مستند في كتاب الله أو في حديث رسول الله، افعله ولا تثريب عليك، لكن عندما يكون المستند ضعيفاً، يعني يوجد علاقة مركبة بين حالتك والنص، في مثل هذه الحالات هناك من يفتي، مثلاً،هل يجوز أن أرى امرأة أخي ؟ الجواب: لا، لكن هناك من يفتي، كيف ؟ فتوى مقرونة بحيلة، تحتاج إلى أن تأخذ بنت صغيرة من الحي، وتدفعها إلى زوجة أخيك لترضعها، ثم تعقد كتابك عليها، فتصبح امرأة أخيك حماتك، وتطلق البنت الصغيرة، وتصبح زوجة أخيك حماتك على التأبيد، هذه ليست فتوى، بل هذا هو الضلال بعينه، لماذا منع هذا ؟ لكي لا يقع فساد، عن طريق حيلة شرعية تصل إلى ما تريد، ليس هذا من الدين في شيء، هذا الشيء فعله اليهود وذمهم الله به أيما ذم.

(( البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ))
هل ترتاح إذا أضفت إلى الحليب ماءً، في الغرفة الخلفية ؟ هل تشعر براحة ؟ هل تشعر بعزة ؟ ألا تخجل من هذا العمل ؟ طبعاً، العمل المنحرف معه اضطراب، لو فرضنا إنسان فاجأك وأنت تفعل هذا، فإنك تضطرب.

(( والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون ))
ما أكثر ما يقال في بعض المخالفات ( سمها سماح )، مثال: رجل باع شيئاً بالتقسيط، وسعره ثابت، فالذي اشترى منه هذا الشيء قال له: " هذا الثمن كاملاً واحسم لي الآن ستة بالمائة "، هذا الحسم ربا، يقول: " أخي احسبها سماح "، هل هي على كتابتها في الدفتر أم على الواقع ؟ الواقع أن الحسم بسبب الدفع النقدي، إذاً: سمها سماح، سمها ما شئت، هي ربا.

إذا إنسان يملك ( طنبر) وضع له نمرة سيارة، هل يصبح سيارة ؟ يبقى كما هو، إذا سميت شيئاً قبيحاً باسم حسن هل تتبدل طبيعته ؟ الربا، إذا سميته سماح، يبقى ربا، لذلك [ وإن أفتاك المفتون ]، أنت قل سعر واحد فقط، إذا رأيت الزبون يظهر لك من شكله، إما دين أو نقدي، فأعطه سعر واحد، في الحالين، مثال: بيع السيارات بالتقسيط، ثمنها مائة ألف، يبيعها بمائة وثلاثين مقابل تقسيطها إلى مدة سنة، هذا الثمن ازداد بازدياد الأجل ؟ واضحة كالشمس.

شعور الإنسان بذنبه أقوى من قناعاته كلها، لو أقنعته سيبقى شعوره أقوى، وعندما يتخيل الإنسان أن خيراً ما في المعصية، يكون أحمقاً، المعصية كلها شر، الذي تجمعه في سنتين تدفعه بيوم أو بساعة، الذي جمع بالحرام يذهب، أهون من إهلاك المال على الله لا يوجد قد يهلك بمصادرة أحياناً، بحريق، بخسارة، النبي الكريم كان إذا دخل السوق يقول:
(( اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة ))

من حديث ضعيف، أخرجه الحاكم في مستدركه عن بريدة بن الحصيب يمكن للإنسان أن يحصِّـل من أمور غير مشروعة أموالاً طائلةً، ولكن يدفعها بثانية واحدة، قد يدفع كل ما يملك من أجل كلية، إذا توقفت كليته يدفع ست مائة ألف، واحتمال نجاح العملية بالمائة ثلاثين فقط، وتصفية الكلية تكون أقل من الطبيعية، وتحتاج إلى كورتزون وأغلب الظن أنها تبقى سنة ونصف لا أكثر، قد يدفع كل ما يملكه مقابل خلل في القلب، فعندما يغامر الإنسان بمال حرام، الله عز وجل يقف له بالمرصاد، فلذلك:
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
سبق تخريجه

موضوع الربا، قلت لكم عنه، يأتي زبون يقول للبائع: أريد صندوق الشاي هذا، ثمنه ألف ليرة، يقول له: اشتريته، يسجله عليه، من فلان صندوق شاي ألف ليرة، الصندوق هو هو، مازال في مكانه، يقول له البائع: أتبيعه، يقول له: نعم، بكم ؟ يقول: بثمانمائة، هذا ثمنه نقدي ثمانمائة، أنا بعت واشتريت، هذا ربا، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 275 )

هذه عملية قرض بالفائدة واضحة كالشمس، مهما غلفتها بغلاف شرعي..
في العصور العباسية، كانت دور البغاء يقف على بابها شخص له زيّ ديني، يعقد عقداً، وعندما يخرج الشخص من الدار يطلّق !.. المعاصي كلها يمكن أن تعمل لها غلاف شرعي، هذه معصية.

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: قال:
(( أقَمتُ مَع رسولِ اللَّهِ بِالمدينةِ سَنة، مَا يَمْنَعُني مِنَ الْهِجرَةِ إِلا المَسألَةُ، كان أَحدُنَا إذا هَاجَر لَمْ يسأل رسول الله
حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي

كل شيء تخجل منه إذا اطلع عليه الناس فهذا من الإثم. 3- البر لا يبلى:

الحديث الثالث والأخير، كما ورد في الأثر:
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
البر لا يبلى: يعني أن العمل الطيب لا يمكن إلا أن يقدره الناس، في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل عصر، وفي كل مصر.

لي قريب أحب أن يسافر إلى حلب، قال لي: " أقف في موقف السيارات ويوجد ازدحام شديد "، فإذا برجل يشير له بيده، أن تفضل، " فاتجهت نحوه، فرأيت إنساناً في غاية الأناقة والتهذيب، فقال له: أنا ذاهب إلى حلب بسيارتي، وأريد راكباً يرافقني، قال: فركبت سيارة فخمة جداً، وفي الطريق تحدث له وقال: " أنه إنسان مهندس كان مسافراً من محافظة إلى محافظة أخرى، فشاهد حادث سير في الطريق، ورأى في الطريق إنساناً ملقىً وغارقاً في بحر من الدماء، فهذا المهندس، بدافع إنساني، حمل هذا الإنسان الجريح بسيارته، ولم يأخذ بعين الاعتبار أنه قد يوضع في السجن، لأنهم سيظنون أنه هو المتسبب بالحادث، حمله وأسعفه، وانتهى الأمر، وبعد عدة سنوات، هذا المهندس يقرأ عن مناقصة في بعض المحافظات، فسافر حتى يأخذ دفتر الشروط، فيبدو أنه سأل عن المدير العام، فدخل عليه، فإذا بهذا المدير يترك طاولته ويركض إليه يعتنقه ويقبله، وهو لا يعرفه، فقال له المدير: ما عرفتني، قال: لا والله، قال له: أنت الذي أنقذتني في الطريق، يومها لم ينتبه إلى وجهه أنقذه وانتهى الأمر،فكان هذا الرجل هو المدير العام، فقدم له مساعدات، ورست عليه المناقصة وكان سبب غناه.

سبحان الله، البر لا يفنى، إذا فعلت خيراً، فلا يمكن أن يضيع الخير، أحياناً تخدم أخاً لوجه الله تعالى، تمضي ثلاثون سنة، وتكون في موقف في منتهى الصعوبة، تجده أمامك يقدم لك مساعدة،[ البر لا يبلى ]، لا أحد يزهد بالمعروف.

يوجد ناحية مهمة: إذا أنت قلت: يجب أن أفعل خيراً، لعل هؤلاء أحتاج إليهم في المستقبل، فهذا خير مشبوه، ومعه إشراك بالله عز وجل، أنت افعل خيراً من دون أن تنتظر رده من أحد، لكن تأكد أنك إذا فعلت خيراً لابد أن تجد الخير في أصعب ظرف تعيشه فالله عز وجل يسوقه لك ويقدم لك خدمات لا يمكن أن تحلم بها.

قال له: كل هذا الغنى من هذا المشروع، وهذا المشروع سببه هذا الموظف، وهذا الموظف سببه أنني أنقذته من حادث، لكن أرقى أنواع الخير ما لا يكون مشوباً بنية أرضية، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان، آية 9 )

(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
معنى الديان لا يموت: أي عندما تفعل خيراً، كأنك أقرضت الله عز وجل، وصاحب الدين لا يموت، وصاحب الدين يعطيك دينك أضعافاً مضاعفة، أول شيء: الديان من تدين له العباد كلها، لذلك عندما تفعل خيراً مع الله عز وجل لا تعلق أهمية على رد الفعل، الناس عرفوا أو ما عرفوا، ثلاث أحاديث تبدأ بكلمة البر.

(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
(( " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
سيدنا سلمان الفارسي، الباحث عن الحق:

والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا سلمان الفارسي، يقول سيدنا سلمان رضي الله عنه: كنت فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها جيان، وكان أبي دهقان القرية، يعني رجل دين في القرية، وأغنى أهلها غنىً وأعلاهم منزلةً، وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت، ثم مازال حبه لي يزداد ويشتد على الأيام، حتى حبسني في البيت خشيةً عليّ، كما تحبس الفتيات، وقد اجتهدت بالمجوسية، حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها من دون الله، وأنيط إليّ أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة في ليل أو نهار، وكان لأبي ضيعةً عظيمةً تدرّ علينا غلة كبيرة.

وكان أبي يقوم عليها ويجني غلتها، وفي ذات مرةٍ، شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني إني قد شغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها وتولى اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا.

وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، فلفت ذلك انتباهي، لم أكن أعرف شيئاً من أمر النصارى، أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان، لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا، ***ا سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ماذا يصنعون، ***ا تأملتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في دينهم، وقلت: والله هذا خير من الذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى الضيعة، ثم إني سألتهم أين هو أصلُ هذا الدين ؟ قالوا: في بلاد الشام، ولما أقبل الليل عدت إلى بيتي فتلقاني أبي يسألني عما صنعت، فقلت يا أبتِ، إني مررت بأناس يصلون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، وبقيت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، لو كان استجاب هذا الابن لم يكن الآن هو سيدنا سلمان، إذاً ليس دائماً الأب على حق.

قلت: كلا والله إن دينهم لخير من ديننا، فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني، فحبسني في البيت، ووضع قيداً في رجلي، ولما أتيحت لي الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم: إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني، فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته وخرجت معهم متخفياً حتى بلغنا بلاد الشام.

***ا نزلنا فيها قلت: من هو أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة في الكنيسة الفلانية، فجئته وقلت: إني قد رغبت بالنصرانية، وأحببت أن ألزمك، وأن أخدمك وأتعلم منك وأصلي معك، فقال: ادخل، ودخلت عنده وجعلت أخدمه، ثم مالبثت أن علمت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلل من الذهب، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمع النصارى لدفنه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: من أين عرفت ذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: نعم دلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلل مملوءة ذهباً وفضةً، ***ا رأوها قالوا: والله لن ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة.


ثم إنه لم يمضِ وقت قليل حتى نصَّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه بالآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً نهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، ***ا حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إلى من توصي بي، ومع من تنصحني أن أكون من بعدك، فقال: أي بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلاً بالموصل هو فلان، لم يحرف، ولم يبدل فالحق به، ***ا مات صاحبي لحقت بالرجل بالموصل، ***ا قدمت عليه، قصصت عليه خبري، وقلت له: إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسك بما كان عله من الحق، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، ***ا حضرته الوفاة قلت له: يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي ؟ ومن تأمرني باللحاق به، فقال: أي بني والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين فالحق به.

***ا غيب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني بي صاحبي، فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، ***ا حضرته الوفاة، قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت فإلى من توصي بي، فقال: أي بني، والله إني ما أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعمورية، هو فلان فالحق به، فلحقت به وأخبرته خبري فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل كان والله على هدي أصحابه، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة، غنيمة: أي غنمة صغيرة، ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه، ***ا حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم، ***ن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل ؟ فقال: يا بني، والله لا أعلم أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكاً بما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب، نبي يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى، فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، ثم وافاه الأجل، فلبثت بعده بعمورية زمناً، إلى أن مرَّ بنا نفر من تجار العرب، فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي، فقالوا: نعم نحملك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم حتى إذا بلغنا وادي القرى، على طريق المدينة غدروا بي، وباعوني لرجل من اليهود، فالتحقت بخدمته ـ طبعاً هذا في الجاهلية ـ ثم ما لبث أن زاره ابن عم له من بني قريظة، فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب، فرأيت المدينة بالوصف الذي نعتها، فرأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي، وعرفت المدينة بالوصوف التي نعتها به، فأقمت بها معه، وكان النبي حينئذ يدعو قومه في مكة، لكني لا أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه علي الرق، ثم ما لبث أن هاجر النبي صلوات الله عليه إلى يثرب، فوالله إني لفي رأس نخلةٍ لسيدي أعمل بها بعض العمل، وسيدي جالس تحتها، إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني قيلة، يعني الأوس والخزرج، والله إنهما الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي، فما إن سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى، واضطربت اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي، وبادرت بالنزول عن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول ؟ أعد علي الخبر، فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، وقال لي: ما لك ولهذا، عد إلى ماكنت عليه من عملك، ولما كان المساء، أخذت شيئاً من تمر كنت جمعته وتوجهت به إلى حيث ينزل النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت عليه وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " كلوا " وأمسك يده *** يأكل، فقلت في نفسي: فهذه واحدة، ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر، ***ا تحول النبي من قباء إلى المدينة جئته، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل منها وأمر أصحابه أن يأكلوا، فقلت في نفسي: هذه الثانية، ***ا رآني النبي أنظر إليه وعرفته، انكببت عليه أقبله وأبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: " ما خبرك "، فقصصت عليه قصتي فأعجب بها، وسره أن يسمعها أصحابه مني، فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشد العجب، وسروا بها أعظم السرور.

فسلام على سلمان الفارسي يوم قام يبحث عن الحق في كل مكان، هذا هو الحق، تحملَ المشاق، وصار عبداً من أجل المشاق، باع نفسه وكل شيء يملكه، البقرات والغنيمة، وقدمها إلى من ينقله إلى أرض العرب، الحق ثمين، ألا سلعة الله غالية. وما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له: قد جهلتنا

فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب ما قتل الفتى يوم هجرنا
لذلك بهذا الثمن الباهظ الذي دفعه، صار سيدنا سلمان الفارسي، بالإسلام لا يوجد تمييز عنصري، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات، آية 13 )

سلام على سلمان الفارسي يوم عرف الحق فآمن به أوثق الإيمان، وسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حياً.

والحمد لله رب العالمين
2- البر حسن الخلق: عَن شَيءٍ، قال: فَسَألتُهُ عن البِرِّ وَالإثْمِ ؟ فقال رسولُ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم: " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))


التعديل الأخير تم بواسطة ابو الخطاب ; 07-05-2012 الساعة 01:45 AM.


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 3  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:43 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، تحدثنا في درس سابق عن معنى الحضانة، وعن أن الحضانة حق مشترك، وعن أن الأم أحق من الأب في الحضانة، وعن ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، وأكدت لكم أنه لابد من أن يكون لهذا الطفل رجل أو امرأة مسؤول عنه.
واليوم نتحدث عن شروط الحضانة، يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شؤونه الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق الكفاءة والقدرة، بتوافر ـ نقول بتوافر ولا نقول بتوفر، فهذا خطأ شائع ـ بتوافر شروط معينة وهذه الشروط:
أولاً - العقل:
فلا حضانة لمعتوه، فالمعتوه قد يقتل الطفل، ولا لمجنون، وكلاهما لا يستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له تدبير غيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ثانياً - البلوغ:
لأن الصغير ولو كان مميزاً في حاجةٍ إلى من يتولى أمره، ويحضنه فلا يتولى هو أمر غيره، الصغير لا يعقل أن يكون حاضناً لصغير مثله.
ثالثاً - القدرة على التربية:
فلا حضانة لكفيفةٍ، والكفيفة ـ هي فاقدة البصر ـ لا تستطيع أن تحضن طفلاً، لأنها لا تستطيع أن ترى الخطر المحدق به أحياناً، ولا ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضاً معدياً، أو مرضاً يعجزها عن القيام بشؤونه، ولا لمتقدمةٍ بالسن تقدماً يحوجها إلى رعاية غيرها لها، ولا لمهملةٍ شؤون بيتها، كثيرة المغادرة له، يوجد بعض النساء تهمل شؤون بيتها، البيت غير نظيف، فيه فوضى، تقول: الأطفال لا يوجد عندهم أحذية، ويكون في الخزانة اثنان حالتهما جيدة، فلا تعرف ماذا يوجد عندها، تقول:لا يوجد عندنا سكر، ويكون السكر في المطبخ موجوداً، هذه امرأة متسيبة، فوضوية، مهملة، وغالباً تكون المهملة كثيرة المغادرة لبيتها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب، آية 33 )
فالقرار في البيت ـ أي البقاء فيه ـ أمر إلهي، على النساء أن يتقيدن به، إذاً: ولا حضانة لمهملةٍ لشؤون بيتها، أحياناً، يوجد أدوية سامة، إن كانت في متناول الأطفال تؤذيهم، فالمرأة المهملة لا تبالي كثيراً بهذا الموضوع، لو أن الطفل يحتاج إلى معالجة وإعطاء الأدوية في مواعيدها ومواقيتها، وكمياتها الدقيقة، هذا يحتاج إلى امرأة منتظمة، دقيقة، الطبخ كذلك، المؤنة كذلك، فالتي تهمل شؤون بيتها، وكثيراً ما تغادره، هذه لا تصلح لأن تكون حاضنةً لصغير، بحيث يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل والضرر عليه، أو اجتماعه مع مريضٍ مرضاً معدياً، أو مع من يبغض الطفل، فلا يجوز أن تكون الحاضنة مع من يبغض هذا الطفل، ولو كان قريباً له حيث لا تتوافر الرعاية الكافية له، ولا الجو الصالح، هذا كله تحت عنوان القدرة على تربية الطفل.
رابعاً – الأمانة والخلق:
لأن الفاسقةَ غير مأمونة على الصغير، ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، فمثلاً إذا كلفناها أن تغلي الحليب وتبرده من أجل إرضاع الصغير، تفتح صنبور الماء الساخن، غير الصالح للشرب، وتستخدم ماءً مشوباً، وترضعه للصغير، لذلك تعاقب هذه الحاضنة عقاباً شديداً على هذا العمل، لأنها فاسقة، والفاسقة لا تخاف من الله عز وجل، لا يهمها أن الطفل إذا شرب هذا الحليب مع الماء السيئ فسيؤذي صحته، هذه نصيحة عامة، إياك أن تتعامل مع فاسق أو تارك صلاة، قد ترى هذا تشديداً، لا، هذا منتهى الاحتياط، لأن تارك الصلاة لا يخاف من الله، يفعل كل ما يحلو له.
مناقشة العلماء لهذا الشرط:
لكن هذا الشرط ناقشه بعض العلماء، مناقشةً دقيقة، وسأقرأ على مسامعكم هذه المناقشة:
قال: " الصواب أن لا تشترط العدالة ـ وهي الأمانة والخلق ـ في الحاضنة قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتدَّ العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم "
فكيف التوفيق بين هذين الرأيين ؟
الرأي الأول: أن على الحاضنة أن تكون ذات عقل راجح، وبالغةٍ، وذات قدرةً على التربية، وأن تكون أمينةً، أو ذات خلق رفيع، هذا كله صحيح، نحن أمام خيار إذا كان أمامنا عدة حاضنات، فنختار الأعقل، نختار الأكبر سناً، نختار الأكثر قدرةً، أما إذا كنا أمام حاضنة واحدة، لا غير، هي أمه، فهل يعقل أن نطبق على هذه الأم هذه الشروط ؟ مستحيل، أطفال العالم كلهم تربيهم أمهاتهم، وقد لا تتوافر هذه الشروط في أمهاتهم، فهذا الاعتراض وجيه، ولكن له وجهة نظر من زاوية واحدة، أنك إذا كنت أمام عدة حاضنات اختر هذه الشروط، أما إذا كنت أمام امرأة واحدة ليس لها بديل، إذاً، في مثل هذه الحالة لا تشترط هذه الشروط في الحاضنة.
ثم متى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما ؟ متى انتزع الطفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقهما ؟ ما سمعنا بهذا، لأن الله عز وجل أعطى الأم والأب حداً أدنى من الرحمة ولو كانا فاسقين، ولو كانا كافرين، أو مشركين، يوجد جزء من الرحمة لا أجر لهما عليه، لأن الله عز وجل وضعه في قلبيهما ابتداءً، هذه رحمة خاصة، لكن الرحمة التي تؤجر عليها ـ أيها الأخ الكريم ـ هي رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً، لذلك قال لي شخص: صاحب العمل يرهق العامل بما هو فوق طاقته، فأحضر مرةً ابنه، وخاف عليه من النسيم، هنا انكشف الذي في قلب صاحب العمل، الرحمة تجاه ابنه فقط، الله سبحانه وتعالى وضعها في قلبه، لكنه كشف حينما قسى على الغريب قسوة بالغة، إذاً: ليس في قلبه رحمة عامة، في قلبه رحمة خاصة، وهذه الرحمة الخاصة قد وضعها الله عز وجل في قلب كل أم وأب، من أجل أن ينشأ الأطفال في رعايةٍ حسنة، لكن في حالات نادرة جداً نجد خلاف ذلك:
حالات نادرة لفقدان الرحمة من قلب الوالدين:
لي صديق طبيب، كان يحضّر ( بورد ) في شيكاغو، وكلمة ( بورد ) تعني هيئة تمتحن الطبيب خلال سنتين من ممارسة الطب، وتمنحه هذه الشهادة، ففي كل ولاية يوجد ( بورد )، هذا الصديق الطبيب بعث برسالة إلى خال له، اطلعت عليها، يقول: يا خالي في ليلة الأحد جاءنا إلى المستشفى خمس عشرة حالة، إحداها: إصابة بآلة حادة لأطفال دون السنتين، وأخرى: طفل، عمره سنة ونصف، ضرب بسكين من قبل والديه، أو أحد والديه ليلة الأحد.. يظهر أنه يوجد انحراف، الطفل بكى فترة من الزمن *** يتحمله أبوه فطعنه، هذه قصة سمعتها من عشر سنوات في أمريكا، ثم إن أخاً كريماً زار أمريكا قبل ستة أشهر، وحضر قبل شهر، ***ا ذهبت لتهنئته بسلامة العودة، سألته عن هذه الظاهرة، وفوجئت أن قانوناً صدر في أمريكا يدعو الجيران إلى مراقبة بعضهم بعضاً، فإذا أخبر جار عن جاره أنه ضرب ابنه الصغير، فلهذا الجار مكافأة كبيرة، حسب القانون الجديد.
يوجد درجة من الفسق والفجور تفقد الإنسان هذا الحد الذي وضعه الله في قلب كل أب وأم، اطلعت مرةً في الصحف على خبر.. امرأة فرنسية أغلقت بيتها وفيه ولدان من أولادها وغادرته، وغابت عن البيت أسبوعين كاملين حتى تأكدت من موتهما، طفلان صغيران عمرهما سنة ونصف وسنتان، انتقاماً من زوجها الذي طلقها، هذا الحد الذي وضعه الله في قلب المرأة أو قلب الأب من الرحمة، والذي سماه النبي ، رحمة خاصة يبدو أن الفجور والكفر يبلغان حداً يبطل تأثير هذا الحد الأدنى من الرحمة، هذا هو المجتمع العصري، مجتمع العلم، لذلك، إذا حقق هذا المجتمع تقدماً علمياً، أو تكنولوجياً كما يقولون، فقد حقق تخلفاً اجتماعياً وأخلاقياً منقطع النظير، دائماً الصحة النفسية تحتاج إلى تكامل، أحياناً ينمو العقل على حساب القيم، فهذا إنسان مرفوض، قال أحد الأدباء: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، لا رحمة في قلبها، فمن أجل حفاظها على معيشة أبنائها تبيع شعوباً بأكملها، فمثلاً: ما تأكله الكلاب في أمريكا من اللحوم، أكثر مما يأكله الشعب الهندي من اللحوم، الشعب الهندي سبع مائة وخمسين مليون نفس، هكذا ذكر لي، وبالمناسبة، الشعب الهندوسي يعيش في عقيدةٍ فاسدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، البقر يدفن هناك دفناً، أما الإنسان فيحرق، وفي بعض الديانات الهندية يجب أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها وهي حية، يموت زوجها فيحرق، فيجب أن تلقي نفسها في النار معه، وفاءً له، وأما الأولاد فيتركون للطريق، هكذا هذه الديانات.. بقرة تدخل إلى محل تجاري يبيع الفاكهة، وتأكل ما لذ وطاب، وأبناء الشعب محرومون من هذه الفاكهة، وصاحب المحل مغتبط أشد الاغتباط بهذا الحظ، وروث البقر يوضع على الأثاث الفاخر في البيوت تقديساً له، وقد يعطر الإنسان ببول هذا البقر، سبحان الله، الحمد لله على دين الإسلام.

نتيجة التوفيق بين الآراء المختلفة:
الخلاصة: ليس من الصواب أن تشترط على الحاضنة هذه الشروط، ولكن في بعض الحالات التي يكون لك خيار، فلك أن تختار هذه أو تلك بحسب العقل والبلوغ والكفاءة والقدرة على التربية، والأمانة، والخلق، والعادة شاهدة أن الرجل لو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، سبحان الله، هذه من المفارقات، ترى رجلاً له جاهلية كبيرة، له ليالي حمراء، حينما يريد الزواج يبحث عن الشريفة، ولا ترضيه إلا الشريفة، أحياناً يكون للرجل انحرافات خطيرة، ثم يريد أن يكون ابنه أخلاقياً، والذي أعجب منه أحياناً، أن أشخاصاً أعرفهم حريصين على تربية أبنائهم تربيةً دينية، وهم ـ سبحان الله ـ لا يصلّون، ولا يتورعون عن المعصية، لماذا هذا الحرص الشديد على أن يكون أبناؤكم أولي تربيةٍ دينية ؟ هذه من المفارقات، لذلك، التربية من القدوة هي أرقى أنواع التربية، لو كان الأب مستقيماً، وكان أخلاقياً، وكان الأب في بيته متديناً، ولو لم ينطق بكلمة واحدة، لكان عمله خير درس لأولاده، لذلك الإمام الغزالي قال: " الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم "، ولذلك قيل: " لغة العمل أبلغ من لغة القول ". خامساً - الإسلام:
فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لأنه يوجد حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، يوجد حق وباطل، الحاضنة الكافرة لا تعرف هذا من ذاك، لأن الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولايةً للكافر على المؤمن، طبعاً هذا نوع من مفهوم الآية، أما الآية فمطلقة، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء، آية 141 )
هنا، إذا كنت مؤمناً بأن هذا كلام الله، وأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن هذا الكلام قطعي الثبوت وقطعي التطبيق، إذا كنت كذلك يجب أن تؤمن بهذه الآية، وأنه لا يمكن أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، فإذا كان عليه سبيل، نقول: الآية صحيحة، ولكن هذا المؤمن يحتاج إلى معالجة، لم يكمل إيمان هذا المؤمن، لو كمل إيمان هذا المؤمن لما كان للكافر سبيل عليه، هذا الكلام ينطبق على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وفي الأثر: [ إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني ].
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام، آية 129)
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
( سورة النور، آية 55 )
ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بهذا، بثلاثة أمور، على أن يلتزموا شرطاً واحداً، وهو: ( يعبدونني، لا يشركون بي شيئاً )، فإذا أخلَّ الناس بما عليهم من شرط واحد، كان الله عز وجل في حل من هذا الوعد بهذه الأمور الثلاثة.
إذاً: فالحضانة كولاية الزواج والمال، ولأنه يخشى على دين الطفل من الحاضنة، لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل.
الحقيقة، أخطر سن ـ هذا كلام دقيق جداً ـ أخطر سن في حياة الإنسان، من واحد إلى ستة، قبل المرحلة الإبتدائية، لأن جميع العادات والتقاليد والمعتقدات تنغرس في الصغير عن طريق المربية، أو المعلمة، أو الحاضنة، لذلك، في بعض الدول، كبار المعلمين يشرفون على تنشئة الأطفال في هذا السن الخطير، عندما يسلم الإنسان ابنه إلى حاضنة غير مسلمة، أو إلى مدرّسة غير مسلمة، فسوف يزرع في أعماق أعماقه عادات وتقاليد يصعب محوها حتى الموت، لأن الذي يتلقاه الإنسان في صغره يصعب تغييره ومحوه، فالطفل صفحة بيضاء.

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
هذا الذي يحدث.. لاحظ، إذا علم ابنك بقضية، فإنه يطبقها بحذافيرها عن قناعة، ويصعب أن تمحوها منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي :
(( ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجون الإبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
لماذا لم يقل النبي الكريم ( أو يسلمانه ) ؟
ابن النصراني نصراني، وابن اليهودي يهودي، وابن المجوسي مجوسي، أو ليس ابن المسلم مسلماً ؟، بعضهم استنبط أن النبي عليه الصلاة والسلام أغفل ذكر ( أو يسلمانه ) لأن الإسلام الحقيقي لا يكون بالتقليد، لا يسمى المسلم مسلماً إذا قلد أبويه، الإسلام استسلام لله عن قناعة وتفكير، من الممكن أن يطبق عادات، ولكن لا يسمى مسلماً.
الأحناف وبعض العلماء، ذهبوا إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد، لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل وخدمته، رضاعة وتنظيف، فالأحناف أقروا أن يكون للطفل المسلم حاضنة كافرة، وحينما ارتأى الأحناف ذلك اشترطوا أن لا تكون مرتدةً، أي ليست مسلمة مرتدة، أن تكون من الأساس كافرة، لأن المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة.
سادساً – عدم زواج الأم الحاضنة:
من الشروط الأخيرة للحاضنة، أن لا تكون متزوجة فإذا تزوجت سقط حقها بالحضانة لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله : " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
يعني إذا تزوجتِ سقط حقك به، إلا أن هناك استثناءين، هذه القاعدة لمتزوجة بأجنبي، فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، أحياناً الأخ يتزوج امرأة أخيه، ويأخذ الأولاد، فتبقى الحضانة لزوجته على أولادها، لأن العم صاحب حق في الحضانة، وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه، فيكون بينهما التعاون على كفالته، بخلاف الأجنبي فإنها إن تزوجته، فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به، فلا يجد الجو الرحيم، ولا الظرف الطبيعي، ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.
سابعاً - الحرية:
آخر شيء الحرية، إذ أن المملوك مشغول بحق سيده، فلا يتفرغ لحضانة الطفل. إذاً: صارت شروط الحضانة، سبعة:
العقل، والبلوغ، والقدرة على التربية، والأمانة والخلق، والإسلام، وأن لا تكون الحاضنة متزوجةً، والحرية، هذه الشروط، وذكرت لكم بعض من عارضها، ووجهة نظره بالمعارضة، ثم وفقت بين الرأيين الذين قد يبدوان متناقضين، ثم نتابع الموضوع في درس آخر عن أجرة الحضانة، والتبرع بالحضانة، وانتهاء الحضانة، إن شاء الله.

شرح بعض الآثار:
وهي ثلاثة آثار: 1 – قوم سوء:
( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان )
يعني إذا أصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، إذا أصبحت الأمانة خيانة والخيانة أمانة، إذا عقَّ الرجل أباه وبرَّ صديقه، إذا ركبت ذوات الفروج السروج، إذا ولدت الأمة ربتها، أحياناً تلد المرأة بنتاً وتعلمها، فإذا بها ترى لأمها عقلية قديمة.. تحتقر أمها.
النبي الكريم وصف لنا من أوصاف الساعة الشيء الكثير، في مثل هذه الأحوال:
(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير ( لكم ) من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة
من علامات قيام الساعة: أن ينتزع الحياء من وجوه النساء، تصير المرأة وقحة، أنت تغض بصرك عنها وهي تنظر إليك بحدة نظر، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
جاء في بعض الآثار: ( العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ).
يعني حينما تنقلب الأمور، وتنعكس المقاييس ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والأمانة خيانةً والخيانة أمانةً، عندئذ، نفهم قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة المائدة، آية 105 )
عن أبي أمية الشعباني، رحمه الله، قال:
(( سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، رضي الله عنه، قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [ المائدة: 105 ] ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله ، فقال: " ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعاً، وهوىً مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم "، وزاد أبو داود في حديثه: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال: " بل أجرُ خَمْسينَ رجلاً منكم " ))
حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي
هذه من أشراطها الصغرى.
2 – ذم المحتكر:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( بِئسَ العبدُ الْمُحْتَكِرُ، إن أرخَصَ الله الأسْعارَ حَزِنَ، وإنْ أغْلاها فَرِحَ ))
من حديث أخرجه الطبراني، وفي سنده رجل متروك
مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، إذا هطلت الأمطار، والخيرات ظهرت، وقد احتكر الجبن مثلاً، ويطمع أن يبيع كيلو الجبن بخمسة وثلاثين، ينزعج جداً بهذه الأمطار، هذا العبد المحتكر، مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، أما المؤمن فيحب الخير للناس جميعاً، لا يمنع بيع بضاعة لكي يرتفع ثمنها، دائماً البضاعة معروضة للبيع، سمعت بفيضانات في بعض المدن السورية، أخرجت بضائع فاسدة من السمن والجبن، تكفي حاجة الناس إلى أشهر طويلة، كله خرج فاسداً، فالنبي الكريم قال:
(( بئس العبد المحتكر، إن أرخص الله الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح ))
سبق تخريجه
علامة المؤمن أنه يتعاطف مع الناس، ويرى مصلحته في مصلحتهم، ومن لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، يجب أن تفرح فرحاً حقيقياً بنزول الأمطار، ورخص الأسعار، وتوافر الحاجات، لكن يوجد أشخاص يقولون: " ليكن من بعدي الطوفان "، أنا ممكن في هذه البضاعة أن أحقق أموالاً طائلة، وليس علي إن عاش الناس بمجاعة أو بضيق.
3 – صفات مذمومة:
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: سمعت رسولَ الله يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
تخيل واختال: تخيل نفسه إنساناً عظيماً، وهو عند الله ليس عظيماً، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم كان يدعو ويقول:
(( اللهم اجعلني شكوراً، واجعلني صبوراً، واجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً ))
حديث أخرجه البزار عن بريدة بن الحصيب، وفيه رجل ضعيف
انظر إلى هذا الأدب العالي، أن يكون في عين نفسه صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً، الكافر بالعكس، هو في عين الناس صغير جداً، لكنه في عين نفسه كبير، معه مرض تضخم الذات، يكاد يخرج من جلده من شدة الكبر، والناس لا يعبؤون به، وإن احترموه يحترموه احتراماً ظاهراً، اتقاءً لشره.
تخيل: يعني توهم أنه إنسان عظيم.
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة الانفطار، آية 6 )
يعني عندما الإنسان يغتر بنفسه، كأنه أعطى لنفسه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي سمعت بشخص متخصص ببرامج إذاعية، يقابل فيها أدباء كبار، أو علماء، أو أصحاب شأن، لكنه في هذه المقابلات يحرجهم دائماً، ويضغط عليهم، يظن هذا الأديب أو هذا العالم أنه عندما يجرون معه مقابلة، سوف يزداد حجمه ويشتهر أكثر، فتنتهي المقابلة ويكون منزعجاً كثيراً، فهذا الشخص المتخصص بإجراء هذه المقابلات، ماذا يفعل ؟ قبل أشهر كثيرة يقرأ الإنتاج العلمي أو الأدبي للشخص الذي سيقابله، ويوجه له أسئلة محرجة جداً، يكشف بها تناقضات كثيرة في الكتاب، ***ا يدعى الأديب مثلاً إلى إجراء هذه المقابلة، يظن أنه سوف يكسب منها كسب كبير، ويفرح أنه سيتكلم عن إنجازاته العلمية، وأعماله الأدبية، وتاريخه الأدبي، وعن مؤلفاته، فيطرح عليه المذيع سؤالاً دقيقاً، فيجيب إجابةً غير صحيحة، ويكون نقاد نقدوه نقداً لاذعاً، فيذكره بنقد النقاد، فيخرج أمام الناس بشكل متناقض، ***ا سألوا هذا الشخص: أنت لماذا تحرج الناس ؟ لماذا تضغط عليهم في هذه المقابلات ؟ قال كلمةً أعجبتني، قال: أحب أن أعيدهم إلى حجمهم الحقيقي.
كل إنسان له حجم حقيقي، عندما الإنسان يظن نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فهذا هو الغرور، في الإنسان نقطة الدم التي لا يزيد حجمها عن رأس دبوس، إذا تجمدت في أي مكان من الدماغ، أدت إلى شلل، عمى، فقدان ذاكرة، فالمتكبر أحمق، نراه في الناس ليس بحجمه الحقيقي، فالنبي الكريم يقول:

(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ))
أي دائماً، حسب حجم الجهل يكون الكبر، كلما كبر الجهل يحصل مع الجهل الكبير كبر كبير، وكلما وجد العلم وجد التواضع، لذلك.. العلماء الحقيقيون متواضعون في كل فروع المعرفة، أما المتعالمون:
قل لمن يدعي في العلم فلسفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
هؤلاء متكبرون.
(( بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ))
النبي الكريم، ، مرَّ على شخص يضرب غلاماً له، فقال له عليه الصلاة و السلام:
(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))
من حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري
عندما الإنسان يتجبر بحكم مكانته، أو بحكم قوته، مثلاً: له رتبة في الجيش، وتحته عريف، أو مجند، وهو مساعد مثلاً، عليه أن لا ينسى أنه يوجد رتب أعلى منه، والله فوق الجميع، صاحب المال يجب أن لا ينسى أن الله هو أغنى الأغنياء، والذي وهبه هذا المال قادر على أن يسلبه منه في ثانية.
(( بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى ))
سيدنا عمر يقول: عجبت لثلاث، لغافل وليس بمغفول عنه، ومؤمن والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه وما يدري أساخط عنه الله أم راضٍ. (( بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ))
كيف كان نقطة ماء خرج من عورة ودخل في عورة، فخرجت من عورة ـ أيها الإنسان ـ وهذا الماء مهين تستحي به.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يعني يدخل الدين بالدنيا، أهدافه دنيوية عن طريق الدين، يريد مكاسب دنيوية من طريق الدين، أنا أقول لمثل هؤلاء: دع الدين في نقائه وصفائه، ولا تمرغه في الوحل، بوحل الدنيا، وعندما تصاب مصالحه في الدنيا يقول لك: " أهكذا الدين "، يجعلها قضية دينية، إذا استطاع أن يأخذ حكم في المحكمة، لا يرضى إلا بحكم المحكمة، وعندما ييأس من المحكمة يأتي إلى رجال الدين، هذا يختل الدنيا بالدين.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يأتي بآيات، ويقول لك: الله عز وجل قال: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) معنى هذا أنه لا يوجد نهي عن الضعف اليسير، التحريم للأضعاف المضاعفة !!
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة البقرة، آية 278 )
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 279 )
يوجد آيات كثيرة واضحة، هذا يختل الدين بالشبهات، لماذا لا تصلي ؟ يقول لك:
قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الحج، آية 41 )
حين يمكنه الله في الأرض يصلي، هكذا يقول.
أنت كنت تصلي، ***اذا توقفت عن الصلاة ؟ يقول لك: قال تعالى:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر، آية 99)
وإذا أتاك اليقين لا يوجد عبادة ؟!، يختل الدين بالشبهات، يختل الدين بالدنيا، أو الدين بالشبهات.
(( بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ))
يقول: السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها، يأكل مالاً حراماً ويتصدق بعشرة، ويخرج لا له ولا عليه، يقول لك: هذه العشرة ضرب عشرة.. الناتج تعادل.
(( بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ))
(( بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
فالحديث بأكمله:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
قصة ترك الإمام الغزالي للجاه والمال:
والآن إلى قصة من قصص العلماء العاملين، اليوم مع الإمام الغزالي رضي الله عنه:
له كتاب عنوانه ( المنقذ من الضلال )، في هذا الكتاب تحدث عن تاريخ حياته، وهذه القصة غريبة جداً، وهي مختارة من تاريخ حياته.
قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:
" ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين وإلى الآن وأنا أنوف على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوضاً الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مغلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص كل عقيدة، لا أجد باطنياً إلا وأحب أن أتطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأحب أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد بالاطلاع على غاية كلامه، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لسبب جرأته في تعطيله وزندقته ".
يعني عنده حب إطلاع منقطع النظير، لم يترك أهل الظاهر إلا واتبع أسرارهم، ولا أهل الباطن، ولا الصوفيين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الزنادقة، ولا المعطلة، ما ترك فئة ـ ليس من شره ـ بل من إطلاعه.
" وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وضعتا في جبلتي، حتى انحلت عني رابغة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة عن قرب عهدٍ بسن الصبا ".
لم يعد مقلداً، وهذا شيء حسن ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ لو أن سيدنا سلمان الفارسي قلد والده، لم يكن سيدنا سلمان الفارسي، لكان بقي مجوسياً، الإنسان يجب أن يفكر، قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الزخرف، آية 22 )
هنا الغزالي يصل إلى أنه حطم كل التقاليد، لم يعد مقلداً وصار متحرراً، وهذه كلمة راقية جداً، فلان حر، يتبنى أمره بعد مناقشة ولا يقبله على عواهنه.
ثم يذكر لنا كيف أخذ يجد في طلب حقيقة العلم، وكيف التمس ذلك أولاً عن طريق العلم اليقيني، *** ير أمام طالب الحق إلا فرق أربع، هي أهل الكلام، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية، وأن الحق لا يعدو عن هذه الأصناف، فإن شذ عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع بالرجوع إلى التقليد بعد مفارقته.
قال: " فابتدرت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هذه الفرق ".
وبعد أن جرب الثلاثة الأولى، علماء الكلام والباطنية والفلاسفة، وخاض بابها غير هياب من العواقب يقول: " خبرناها فنفدنا اليد منها " ـ خرجت اليد فارغة ـ فلا خير فيها عنده لطالب الحقيقة، الساعي إلى معرفة كنه الأمور، ولما فرغ منها أقبل على طريق الصوفية، فوجد فيها ضالته المنشودة، وكان إذ ذاك يدرّس في بغداد، وهاهو يصف حاله إذ صمم على الإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل الدنيوية، الإمام الغزالي وصل إلى أعلى منصب ديني في العراق، والعراق كانت أم الدول، وبغداد عاصمتها.
قال: " ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق ـ العلاقات الاجتماعية ـ وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة ".
متبحر في علوم هامة جداً، لكنه وجدها غير مهمة، ثانوية، ولا تنفعه في طريق الآخرة، الإمام الجنيد كان أعظم العلماء، عندما توفي رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا جنيد، ما فعل الله بك ؟ وقد ترك مؤلفات، وكان له دروس.. قال له: " يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم تنفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل "، فالإمام الغزالي شعر أن هذه العلوم غير مفيدة، وغير نافعة.
قال: " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هارٍ، وإني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بإتلاف الأحوال "
يعني كان في قمة مجده الديني، شعر أنه على شفا جرف هارٍ، لأنه فحص النية، فوجد قصده الصيت والسمعة.
" *** أزل أتفكر فيه مدةً، وأنا بعد في مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال، لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرةً، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملةً فيعكرها عشيةً "
هو صباحاً متحمس لطلب الآخرة، ومساءً وهو في قمة المجد، تفتر همته.
" فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، *** يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟ فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار من بغداد، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ألفت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فما أزال أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ".ربنا أعانه قليلاً.
" إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب الناس، وكان لا ينطلق لساني بكلمة، ولا أستطيع، ثم أورثت هذه العقدة باللسان "
صار معه حبسة في لسانه، لا يستطيع أن يتكلم.
" ثم أورثت هذه العقدة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم فكان لا تنساغ إليّ شربة، ولا تنهضم لقمة "
وصار معه آلام في معدته وأوجاع.
" وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت العزم إلى الخروج إلى مكة وأنا أورث نفسي سفر الشام " قال للناس سوف أذهب إلى مكة وهو إلى الشام.
" حذراً أن يطلع الخليفة "
لأن الخليفة هو الذي عينه، وكان هناك مدرسة راقية اسمها المستنصرية، وهو كان رئيسها، مثل شيخ الأزهر اليوم.
" حذراً أن يطلع الخليفة، وجملة الأصحاب على مقامي في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، وعزمي أن لا أعاودها أبداً ".
" ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستثمار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي "
بعضهم ظن أنه أخرج إخراجاً من بغداد، إذا كان الإنسان بعيد، هكذا يظن، وإن كان قريباً فهو:
" يشاهد إلحاحهم بالتعلق بي، والانكباب علي، والإعراض عنهم مع الالتفاف إلى أمرهم، ويقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب، إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم ".
يوجد امرأة بلغها عن أحداث لبنان وحربه الأهلية، فقالت: ( أصابتها عين )، هذا تفسير نسائي لأحداث لبنان، وهذا أيضاً، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام.
" ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين، ثم دخلت الشام وأقمت فيها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة، والمجاهدة اشتغالاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق "
قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
( سورة الشمس، آية 9 )
" وتصفية القلب بذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدةً في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد الأموي طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها على بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله ، بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه فسرت إلى الحجاز "
هو في قمة مجده، مدير المستنصرية، أعلى رتبة دينية في بغداد، فحص نفسه فوجد النية ليست جيدة كثيراً، النية للشهرة، وحب الجاه، وجد علومه غير نافعة جداً، ترك كل شيء، واتجه إلى الخلوة، وذكر الله عز وجل، وأنا أنصح لكم دائماً، لا بد لك من خلوة مع الله، لا نكلفك أن تترك مناصبك كلها، وتترك تجارتك وتذهب لغير بلد، لا، ابق في بلدك، ولكن اعمل خلوة كل يوم مع الله عز وجل.. ذكر، اذكر الله، اقرأ القرآن، تفكر في آياته، سيدنا رسول الله، كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، ماذا كان يعمل ؟ كان يختلي بربه، ورد في الأثر:
" يا موسى أتحب أن أجلس معك ؟ قال: كيف ذلك يا رب و أنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني و حيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ".
" ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضاً "
الحرص على الخلوة و تصفية القلب للذكر
" وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش علي صفو الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة "
طبعاً، ترك زوجته وأولاده، غاب عنهم عشر سنوات.
" لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها " هذا الفتح الإلهي:

(( مَنْ أَخْلَصَ لله أربعين صباحاً، ظَهَرَتْ ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))
حديث ضعيف،أخرجه رزين
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:45 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمات مهمة:
المقدمة الأولى: ما مشكلة في الأرض إلا بسبب الخروج عن منهج الله:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس كثيرة ومناسبات كثيرة كنت أشير إلى موضوع الكفاءة في الزواج، وهذا الموضوع دفعني إلى معالجته في درس من دروس الأحد، لأن حالات كثيرة من الشقاق الزوجي أساسها عدم الكفاءة بالزواج.
وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع لابد من مقدمةٍ دقيقةٍ تلقي ضوءًا على محوره، وعلى جوهره.
يجب أن نعلم علم اليقين أيها الإخوة أنه ما من مشكلةٍ صغيرةٍ أو كبيرة، مادية أو معنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ في الأرض إلا ووراءها خروج عن منهج الله، خالق الكون هو الخبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
( سورة فاطر )
وخبرة الله عز وجل ليست خبرةً حادثة مكتسبة، إنما خبرته قديمة، خبرته قديمة قدم ذاته، إذاً كل تعليماته هي الصواب، فإذا خرجت عنها وقعت في مشكلة، فهذا القانون أردده كثيراً: ما من مشكلةٍ تقع على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل.
المقدمة الثانية: منهج الله كامل وتمام:
أنتقل إلى مقولة أخرى، وهي أن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله أعداءه به، لذلك ما من طريق إلى سلامة الدنيا وسعادتها، وسلامة الآخرة وجنتها إلا اتباع منهج الله عز وجل، إلا طاعة الله عز وجل، ويجب أن تعتقد اعتقاداً يقينياً أن تشريع الله سبحانه وتعالى كامل، قال الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
مجموع القضايا التي عالجها الدين مجموع تام، فالذي عالجه أمراً أو نهياً العدد تام، والذي تركه وأغفله أغفله لحكمةٍ لا تقلّ عن حكمة معالجة غيره.
هناك شيء تتوقف عليه سلامتك وسعادتك هي الفرائض، فأمرك به، وهناك شيء يحسن هذه الفرائض، هذا الواجب والسنة، وهناك شيء أحد سبب هلاك الإنسان في الدنيا والآخرة، هذا هو الحرام، وهناك شيء يقربك من الحرام، هذه المكروهات، كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهية، وهناك شيء ليس له علاقة بسلامتك ولا بسعادتك، لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا سكت عنه الشرع، وتركه للظروف والبيئات والمعطيات، وما إلى ذلك، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
الإتمام عددي والإكمال نوعي، مجموع القضايا التي عالجها القرآن والسنة تام لا يوجد نقص، لذلك أي إضافة على الدين اتهام له مبطن بالنقص، وأي إضافة على الدين بدعة مردودة، الآن طريقة المعالجة التي عالجها الله طريقة كاملة ليست ناقصة، مجموع القضايا تام، وطريقة المعالجة كاملة.

ما من مشكلة تقع على وجه الأرض مادية ومعنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ، عامةٍ أو خاصةٍ، آنيةٍ أو مستمرةٍ إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، ودواء الجهل العلم، فكل إنسان ليس له مشرب علمي، منهل علمي، كل إنسان لا يطلب العلم الشرعي، لا يطلب معرفة الله ومعرفة منهجه فلابد من أن يتخبط، فإذا أردتم التمثيل لذلك فكمثل راكب مركبة في الظلام، يسير على أرض قاحلة فيها حفر، فيها أكمات، فيها منزلقات، فيها مضائق، جسور، شرع الله عز وجل هو النور الذي تهتدي به، فإذا أعرضت عن شرع الله عز وجل فالحادث حتمي، فإن لم يطلب الإنسان العلم فالخطأ حتمي، والضرر حتمي، والهلاك حتمي، والشقاء حتمي، هذا معنى: طلب الفقه حتم لازم عن كل مسلم.
الكفاءة في الزواج:
حينما يتوجه الإنسان إلى أن يخطب امرأةً، وهذا الكلام موجّه أكثر ما يوجَّه إلى الشباب، أما الذين تزوجوا فموجّهٌ إليهم كي يدفعوا أولادهم، أو يقيّموا من طلب بناتهم تقييماً وفق الكتاب والسنة.
موضوع الكفاءة في الزواج موضوع أشرت إليه كثيراً في أثناء حديثي عن موضوع الزواج، أو في بعض الموضوعات الأخرى، وقد رأيت أن حالاتٍ كثيرةٍ جداً من الشقاق الزوجي الذي انتهى بالطلاق وتشريد الأسر أساسها عدم اختيار الزوجة المكافئة، أو عدم كون الزوج مكافئاً للزوجة، هذا موضوع يحتاج إن شاء الله تعالى إلى درسين، كما أن موضوع الخطبة عرض في درسين، فموضوع الكفاءة الزوجية يحتاج إلى درسين.

الكفاءة: تعريفها وآراء الفقهاء فيها ومقوماتها:
ففي هذا الدرس حديث عن معنى الكفاءة، وآراء الفقهاء فيها.
1 – تعريف الكفاءة:
الكفاءة لغةً المماثلة، قال تعالى:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
أي لم يكن له مثيل، ولا شريك ولا ند، ولا مساوٍ، فلان كفء لفلان، أي مساوٍ له، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟
(( المسلمون تتكافأ دماءهم ))
[رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود عن علي ]
لو فرضنا إنسانًا يحمل أعلى شهادة، في ساعة غضب قتل إنساناً جاهلاً، هذا الذي يحمل أعلى شهادة، وقد يكون معه شهادة نادرة في العالم يُقتَل بهذا الجاهل، لأن المسلمين تتكافأ دماءهم، إنسان ذو مرتبة رفيعة، إنسان غني يقيم نفسه تقييماً آخر، أيّ إنسان اعتدى على حياة أي إنسان يُقتل به.
2 – مقومات الكفاءة:
لكن تعريف الكفاءة الزوجية باصطلاح الفقراء لها تعريف آخر، الكفاءة الزوجية: المماثلة بين الزوجين دفعاً للعار في أمور مخصوصة، هذه الأمور المخصوصة موضوع الدرس القادم:
هي عند المالكية الدين والحال.
وعند الجمهور الدين، والنسب والحرية، والحرفة.
وعند الحنابلة والأحناف اليسار.
فالدين، والحال، واليسار، والحرية، والحرفة، واليسار أو المال هذه موضوعات الكفاءة، وهناك موضوعات لا علاقة لها بالكفاءة، هناك موضوعات تلغي الكفاءة كلياً، هذا موضوع الدرس القادم إن شاء الله نفصل به تفصيلاً جيداً إن شاء الله.
3 – القصد من الكفاءة:
القصد من الكفاءة تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية.
كلمة استقرار كلمة رائعة، أحيانا يستقر الإنسان في عمل، فإذا استقر في عمل ينمو، والثبات نبات، وأحيانا يستقر الإنسان في علاقته الزوجية، وهذا الاستقرار يثمر سعادةً يقطف ثمارها الأولاد، أحيانا ترى أسرة متوازنة، وأنا لا أعني الأسرة الغنية، قد تكون الأسرة الغنية ليست متوازنة، الأسرة المتوازنة الزواج الشرعي الذي بني على توخي الدين والصلاح في الزوجين، وبني على الكفاءة بين الزوجين، فإذا أردت لهذا الزواج أن يستقر، وأن يستمر فابحث بالكفاءة بين الزوجين.
موقف الفقهاء من الكفاءة وأدلتهم فيها:
قد ترون معي أن الفقهاء وقفوا في موضوع الكفاءة مواقف متباينة، وجدير بنا ولو من باب الفقه المقارن أن نقف على مواقفهم وعلى آرائهم وعلى أدلتهم، وعلى أدلة الطرف الآخر، هذا ينمي الفكر الفقهي عند الإنسان، إذا رأيت الدليل، وكيف ردوا على هذا الدليل، ودليل الطرف الآخر، وكيف رد على الطرف الأول، هذا ينمي عند الإنسان ما يسمى الفكر الفقهي.
الرأي الأول:
الرأي الأول يتزعمه الإمام الثوري والحسن البصري، والكرخي من الأحناف، يرون أن الكفاءة ليست شرطاً، ما هي أدلتهم ؟ أدلتهم كثيرة:
أول دليل عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى.... ))
هذا الحديث يعد أصلاً في تأكيد المساواة المطبقة بين الناس، يستنبط أن الكفاءة ليست ضروريةً في الزواج، يؤكد هذا الحديث قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
بالمناسبة هذه الآية لو وقفنا عندها وقفةً متأنية، فما من مقياس يجب أن يعتمد في تفضيل زيد على عبيد إلا مقياس التقوى الذي اعتمده القرآن، وأي مقياس آخر اعتمدته أنت فقد خرجت عن منطوق القرآن، وإذا اعتمدت مقياس المال، إذا اعتمدت مقياس الوسامة والجمال، إذا اعتمدت مقياس الجمال، الذكاء فقد خرجت عن مقياس اعتمده القرآن الكريم في تقييم الأشخاص، يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
والحديث الذي رواه أحمد ورجاله ثقاة:
((... فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى... ))
الذين قالوا: الكفاءة شرط في الزواج كيف فهموا هذه الأحاديث ؟
رأوا أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم لا يتفاضلون إلا بالتقوى، أما فيما عدا ذلك من الاعتبارات الشخصية التي تقوم على أعراف الناس وعاداتهم، فلا شك أن الناس متفاوتون، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
( سورة النحل )
هل من المعقول من امرأة تعيش في بحبوحة كبيرة جداً، والدها من أصحاب الدخل غير المحدود، لباسها له أثمان باهظة جداً، طعامهم، نزهاتهم، بيوتهم، حركاتهم، سكناتهم، احتفالاتهم، معينة من الطبقة الغنية، خاتم الخطبة ثمنه مئتان وثلاثون ألفًا، ثم يخطبها رجل صاحب دخل محدود، فإذا خطبها ووافق أهلها عليه فهذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، ولا يتحمل الزوج امتنان زوجته عليه بفضل أبيها، لأن هذا الزواج ما روعيت فيه الكفاءة، فأي زواج لا تراعى فيه الكفاءة لا ينجح.
موضوعات الكفاءة في الدرس القادم، لكن اليوم مبدأ الكفاءة، إن لم تراعَ الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، وكثيراً ما ينتهي بالفراق والطلاق.
رد الفقهاء على أصحاب الرأي القائل " لا كفاءة بالزواج "، نحن متساوون بالحقوق الواجبات، متساوون في التكليف والتشريف، يفضل بعضنا بعضا بالتقوى، لكن يوجد غني وفقير، وهناك حرف بالسلم الاجتماعي عالية، وحرف أقلّ منها، طبعاً هذا عند الناس، لكن والله الذي لا إله إلا هو ربما كان الذي يكسح القمامة في الطريق أفضل عند الله من عشرات ألوف ذوي المراتب العلية، هذا معنى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، أَشْعَثَ، ذِي طِمْرَيْنِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ، جَوَّاظٍ، جَمَّاعٍ، مَنَّاعٍ، ذِي تَبَعٍ ))
نحن إذا بحثنا في موضوع الزواج فليس البحث علاقة الإنسان بالله، طبعاً كل إنسان له عند الله مكانة أساسها طاعته، وإخلاصه، وحبه، وتضحيته، وبذله، وعمله الصالح، الآن نحن نريد أن نقيم زواجاً مستمراً ومستقراً، إن لم نلحظ موضوع الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج ينتهي إلى الفراق، والفراق مقبول إن لم يكن هناك أولاد، فإذا كان هناك أولاد صار الفراق جريمة في حق الأولاد، أساسه أننا لم نلاحظ موضوع الكفاءة في الزواج.
التفاوت في الدنيا لحكمة بالغة:
هناك تفاضل في الرزق، أحياناً يكون الأب معتنٍ بابنته كثيراً، وحفّظها القرآن الكريم، ودرست الحديث الشريف فرضاً، أحكام الفقه، ورعة تقية نقية، يأتيها زوج شاب والده من أغنياء البلد، لكنه جاهل، فهذا الزوج لا يقيم قيمة لعلم هذه الفتاة، ولا لدينها، ولا لقرآنها، ولا لفقهها، هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
( سورة المجادلة )
العلم ورد في القرآن، والمال ورد في القرآن، فالتفاوت قائم، وهناك آية أخرى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء)
الله عز وجل لحكمةٍ أرادها وأفعاله كلها حكيمة، جعل الناس مراتب، هناك معلّم بقرية، ومدرّس، وأستاذ جامعة، والثلاثة معلمون، هناك ممرّض، وطبيب مبتدئ متمرن، وطبيب يحتل كرسي في الجامعة، وطبيب يحمل خبرات عالية جداً، وهناك أحياناً طبيب يشار إليه بالبنان، يقول لك: هذا له سمعة دولية، أجرى عملية سميت باسمه في كل أنحاء العالم، هناك مراتب، هناك مجنّد، جندي، رئيس أركان، كله في الجيش، لكن المسافات كبيرة جداً بينهما، قال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
لحكمةٍ أرادها الله عز وجل جعل الحظوظ متفاوتة في الدنيا، وأهم جواب في هذا الموضوع أن هذه الحظوظ وزعها الله في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف يوزعها في الآخرة توزيع جزاء.
هناك أحاديث تؤكد موضوع الكفاءة، أن بلالًا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه لعدم الكفاءة، لكن بعد قليل ترون أن طالب العلم كفء لأية فتاة، مرتبة العلم مرتبة عالية جداً، وسيدنا بلال صحابي، طبعاً طالب علم يطلب رضاء الله عز وجل، ***ا أبى الأنصار أن يزوجوه قال عليه الصلاة والسلام: قل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني، فزوجوه فوراً، لماذا أمرهم ؟ لأنه ما كان هناك كفاءة، وعندما لا يكون هناك كفاءة أرجح الأقوال أن الأهل يرفضون.
الرأي الثاني:
أما الرأي الثاني الذي يرى أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج فهم جمهور الفقهاء، أربعة مذاهب ترى أن الكفاءة شرط أساسي في عقد الزواج، لكن الشروط أنواع، هناك شروط صحة، وشروط لزوم.
أولاً: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ:
(( يَا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
الأيم المرأة التي لا زوج لها، أرملةً كانت أو عزباء، يوجد حديث آخر رواه الدار قطني والبيهقي عن جابر: (( لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ))
بالمناسبة، الأكفاء جمع كفء، والأكفاء جمع كفيف، هناك بعض المثقفين يقول لك: هؤلاء رجال أكفاء، يتحذلق، معنى أكفاء عميان، الأكفاء جمع كفيف، والأَكفاء جمع كفء.
أحيانا يقال لك: طبيب أَخصائي، معه بورد، يعني يخصي، الأَخصائي هو الذي يخصي، أَخصى يخصي إخصاءً، فهو أَخصائي، أما صوابها الاِختصاصي.
أحيانا يقال لك: فلان عنده تَجَارُب، يضم الراء، ويفلسف بها، يعني عنده عدوى بالجرب، صوابها تجارِب، جرب، يجرب تجربةً، أما التجارُب فهي العدوى بالجرب.
يقال لك: فلان مولع بكذا، المُوَلع هو الثور الأحمر، صوابها مولع.
أسيادنا، إياك أن تقول: أسيادنا، وهي جمع سيد، والسيد هو الذئب، والصواب سادتنا، السيد جمعها سادة، والسّيد جمعه أسياد، أسياد غلط.
يقال لك: التواجد في الساعة كذا، وهذا تعبير شائع جداً، ولا سيما في الجيش، التواجد في اللغة معناها أن يبث كل منا وجده للآخر، يعني يبكون، هذا هو التواجد، اللغة دقيقة جداً، وأحياناً كلمة واحدة وحرف واحد يغير.
صدقوني، كنت في تعزية من فترة، هناك رجل اشتبه علي مظهره من أهل العلم، ولكن أنا أعرف أحد علماء الحديث الكبار في البلد، دخل علي أنه هو عالم الحديث، بعد أن ألقيت كلمة قدمته للدعاء، وكلي إكبار لعلمه، صدقوني غلط غلطة واحدة نصب الفاعل، جزمت أنني مخطئ، ليس هذا فلانًا، لأنه لا يمكن، ***ا انتهت التعزية سألت: من فلان ؟ قالوا: فلان الفلاني، غير الذي توهمته، وصدق ظني، أحيانا يكشف الإنسان من كلمة واحدة.
ذهب رجل إلى الأزهر، ولم يتعلم، قضى الوقت خارج الأزهر، وعاد إلى القرية، ظنوا أنه معه شهادة الأزهر، احتفلوا به، وكرموه، وأجلسوه في صدر المجلس، وهو جاهل، فقال له: رجل لا ترتبك، أي سؤال قل: للمسألة قولان، وهناك رجل خبيث، قال له: أفي الله شك ؟ قال له: في المسألة قولان، فانكشف فوراً.
على كلٍ طالب العلم كفء لأية فتاة،
((....ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
ولا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، والأكفاء جمع كفء، وهو الند.
بالمناسبة قالوا: احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
يمكن أن تساوي أعظم إنسان إذا لم تحتج إليه، لذلك الدعاء: اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس، فإذا احتجت إلى إنسان أصبحت أسيره، سيدنا علي قال، تعرفون قوله المشهور: << والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، شيء مستحيل، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، أشد استحالة، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين >>.
لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولياء.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ))
وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ ))
[ الترمذي]
والعلماء كما قال عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ))
[ متفق عليه]
تنبيه إلى فهم وتفسير خاطئ:
أحياناً بعض الإخوان الكرام يفهمون آية ما أرادها الله عز وجل، يقول لك:
﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
( سورة النور )
الطيبون للطيبات، ماذا تفهم من هذه الآية ؟ يفهمون أن كل زوجين متماثلين مع أن الواقع لا يؤكد هذا المعنى، قد تجد زوجةً صالحةً عندها زوج شرير، وقد تجد زوجاً صالحاً له زوجة شريرة، وأحياناً الزوجة بلاء من الله، الله عنده بلايا كثيرة، وأحياناً الزوج، فالذي يريده الله عز وجل من هذه الآية:
﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
يعني أنتم خلفائي في الأرض إذا زوجتم أو تزوجتم، أو أذنتم في الزواج، أو قبلتم الزواج، فليكن الطيبون للطيبات، حملت هذه الآية على معنى ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات.
كلكم يعلم أنّ التركيب في اللغة إنشائي وتركيب خبري، التركيب الخبري يحتمل الصدق والكذب، فلان سافر، قد يكون ما سافر، أما التركيب الإنشائي فلا يحتمل الصدق ولا كذب، الأمر، تقول لرجل: كم الساعة ؟ هل يستطيع أن يقول لك: أنت كاذب، الكذب لا ينسحب على الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والحض، والنداء، هذه كلها أساليب إنشائية، وعندنا أساليب خبرية، العادة، الأمر والنهي يأتي في القرآن بصيغة الإنشاء،
﴿ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾
أمرٌ
﴿ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَاَنُتُمْ سُكَارَى ﴾
نهيٌ، فغالباً الأمر والنهي في القرآن يأتي بصيغة الأمر والنهي، لكن أحياناً يأتي الأمر والنهي بصيغة الخبر.
قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 233 )
هنا سؤال دقيق في البلاغة: لماذا عدل الله عز وجل عن صيغة الأمر ؟ يعني أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، لما جاء بهذا الأمر بصيغة الخبر ؟ يخبرنا عن أن الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، قال العلماء: هذا أبلغ بالأمر من صيغة الأمر، لأنك إذا أمرت إنساناً تصور العكس، فلو أنّ أبًا قال لابنه: اذهب واشترِ هذه الحاجة، وإياك أن تتأخر، لم يكن الطفل في باله التأخر، وعندما قال له: إياك أن تتأخر وجد احتمال أن يتأخر، وخطر في باله التأخر، فكل أمر يقتضي عكسه، يتصور عكسه، وكل نهي يتصور عكسه، فإذا أردت أن تنفي تصور العكس فأتي بالتركيب الخبري، قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة )
يعني من شأن الوالدات، وهذه طبيعة فيهن، أن يرضعن أولادهن حولين كاملين.
إذاً: أحياناً تأتي صيغة الخبر مكان صيغة الأمر والنهي، وهذا أبلغ، وأحياناً يقول أب لابنه: إياك أن تتأخر ليلاً، أعطاه نهيًا، وهناك أب أشد حزماً يقول لابنه: أنا لا ليسد عندي ابن يتأخر: هذه الحالة غير موجودة عندي إطلاقاً، هذا خبر جاء بصيغة النهي، الذي نقلنا إلى هذا أن قول الله عز وجل:
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
يعني يا عبادي اجعلوا الطيبون للطيبات، في أمر الزواج تخيروا، اختر هذه الزوجة المؤمنة الصالحة الطيبة: ابحث لها عن زوج مؤمن يعرف قيمتها، وهذه الزوجة الشريفة ابحث لها عن زوج عفيف يعرف قيمتها، أما إنْ زوجت امرأة عفيفةً لزوج منحرف مطلاقٍ، فهذا الزواج لا يستمر ولا يستقر.
الأدلة العقلية على اعتبار الكفاءة:
الآن هذه الأدلة كلها نقلية، كلكم يعلم أن الشرع هو نقل أمر إلهي، ولكن هذا الأمر يتوافق مع العقل، ويتوافق مع الواقع، ويتوافق مع الفطرة، ففي أكثر الموضوعات التشريعية استقر العلم على أدلة من نوعين، أدلة نقليةٍ وأدلةٍ عقلية، إنسان يقول لك: أعطني الأدلة النقلية على أن الوجه عورة، تأتيه بالآية الأولى، وجاء تفسيرها عند القرطبي، وابن كثير، والخازن، وعند البيضاوي، وجاء الحديث الشريف، ومعنى الوجه كذا، ومعنى الجلباب كذا، ومعنى الجيب كذا، أنت الآن دخلت في الأدلة النقلية، أما أحياناً فتخاطب الإنسان لا بالدليل النقلي، بل بالدليل العقلي، تقول له: يا إنسان، بربك أي شيء في المرأة أكثر فتنةً ؟ يقول لك: وجهها، بالمنطق، أحياناً الدليل العقلي قوي جداً، لكن يجب أن تعلموا علم اليقين أن الأدلة النقلية يجب حتماً أن تتوافر مع الأدلة العقلية، لأن المصدر واحد، العقل مقياس أودعه الله بنا، والنقل شرع أنزله الله علينا، والمصدر هو الله، ليس من المعقول الله أن يعطيك عقلًا يخالف الشرع، ليس هناك تناقض، في الكون وحدة، أنت بائع أقمشة، سوف نسلمك ثلاثين قطعة، على كل قطعة قياسها، وهذا مصطلح عند بائعي الأقمشة، هناك لصاقة على القماش، يقول لك: هذه ثلاثة وثلاثون مترا وربع، هذا يسمونه قياس الثوب، قال لك: أنا لست قانعاً بهذه القياسات، ماذا يقول لك البائع: هذا متر تفضل، وقسه، هل من الممكن أن يعطيك البائع مترًا تكشف بهذا المتر خطأ قياسه ؟ ربنا عز وجل أعطاك أحكامًا، وقال لك: هذه حرام، وهذه حلال، هذه مؤذية وهذه نافعة.
البارحة في درس الدعاة أحد إخوانا الأكارم طلاب الطب ألقى محاضرة قصيرة حول الخمر، الخمر أول عمل تفعله أن الأهداب التي في القصبة الهوائية تشل، فإذا شلت كل المواد الغريبة تدخل إلى الرئة، فأمراض الرئة الإنتانية أساسها أن هذه الأهداب مشلولة، ويدخل في الرئة مواد من الخمر عن طريق الدم، هذه تعطل جهاز المناعة في الإنسان، وذكر أشياء كثيرة، وكيف أن الكحول يتلف خلايا الكبد، الخمر تشارك بعض الأمراض، وتسهم في بعضها الآخر منفردةً، فسبعون بالمئة من أمراض تشمع الكبد هي بسبب الخمر والكحول.
أنا استنبطت من هذا الكلام أن هناك علاقة علمية بين الأمر ونتائجه، معنى علاقة علمية يعني علاقة سبب بنتيجة، إذا قال رجل لابنه: أغلق الباب، أو: لا تغلق الباب، فأغلقه، فالأب ضرب ابنه، فهل هناك علاقة علمية بين الضرب والإغلاق ؟ لا يوجد علاقة علمية هذه علاقة أمر بنهي، أما إذا مسّ الإنسان المدفأة تحترق يده، يوجد علاقة علمية بين المس والاحتراق، فالسبب والنتيجة أحيانًا يتلازمان تلازماً علمياً، و أحيانًا تلازماً رمزياً، العقل يوافق النقل قولاً واحداً.
الآن: الأدلة العقلية على الكفاءة الزوجية، وننتقل من أدلة نقلية إلى أدلة عقلية:

اعتبار الكفاءة من جانب الرجل:
إنّ انتظام الحياة بين الزوجين لا يكون في العادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما، فالشريفة تأبى العيش مع الخسيس، فلابد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة.
بالمناسبة الموضوع دقيق جداً، وقد ورد في بعض الأثر: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
أنت زوجت ابنتك لفلان فصار سيداً لها، قد يقسو عليها، قد يهينها، قد يفعل بها ما لا يرضي، فإذا زوجتها جعلتها رقيقةً لهذا الزوج، في حكم أن الزوج هو القيم على البيت، إذاً فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، الكفاءة ليس من جانب الزوج، بل من جانب الزوجة، الزوج آمر، الزوج متصرف، الزوج صاحب قرار، الزوج له القيادة، له القوامة، فمن المتضرر بعدم الكفاءة ؟ الزوجة.
يقولون: إن إنسانًا شاهد زوجًا وزوجته غير متكافئين إطلاقاً، فعجب من هذا الزواج، فقالت له الزوجة: إن الله يدخلني الجنة بصبري عليه، ويدخله الجنة بشكره على أن تزوجني، أحدهم يدخلها شاكراً، والثاني صابراً.
فالدليل العقلي أن الشريفة تأبى أن تعيش مع الخسيس، والتي تحمل القرآن تأبى العيش مع الجاهل، والتي من أصل رفيع تأبى العيش مع من كان دنيئاً في معاملاته، فإن لم يكن الزوج كفئاً للزوجة فالحياة لا تستمر بينهما.
عندنا شيء آخر، ليس الموضوع موضوع الزوجة فقط، موضوع أهل الزوجة، مثلاً: شاب يلتقي بفتاة قبل أن يعرف الله عز وجل، ويتزوجها بقرار ارتجالي طارئ، فتكون هذه الفتاة ليست شريفةً، العار يلحق من ؟ بالعكس لو كان الزوج سيئًا جداً العار يلحق أهل الفتاة، لذلك الكفاءة يجب أن تكون واقعة لئلا يلحق العار للزوجة، أو لأهل الزوجة، طبعاً في أغلب البلاد الإسلامية يعمل بالكفاءة سبباً للتفريق، لو فرضنا القاضي لم يجد كفاءة يفرق بين الزوجين، لأن هذا الزواج لا ينجح، ولا يستمر.
كيف أن القانون أحياناً يأخذ من الشرع، ففي القانون مجموعة بنود متعلقة بالكفاءة، أول مادة: يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة، أما إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفئاً لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح.
مثلاً: يخطب إنسان فتاة، فقد يكون غير كفء لها، وفقد الكفاءة في هذا الزواج يلحق العار بأهل الفتاة، في الشرع الإسلامي من حق ولي الفتاة أن يطالب القاضي بفسخ هذا الزواج.

اعتبار الكفاءة بحس العرف:
الآن العبرة بالكفاءة بعرف البلد، والأعراف معتبرةٌ شرعاً، أحياناً يقول لك: أنا لا أعطي العامل تعويضًا، تقول: لماذا ؟ يقول لك: ليست واردة في الشرع، ليس لك حق، كل العمال إذا عملوا عند أرباب العمل في الأعراف الاجتماعية التي تنظمها القوانين العامل يستحق تعويض تسريح عن كل سنة راتب شهر، فهذا عرف ثبته القانون، فأنت لا تستطيع أن تنكره، لأن العرف معتبر شرعاً، كل شيء جرى عليه العرف.
مثلاً: إنسان يبيع حاجة، يبيع قفلًا، ولمفتاحه سعر آخر، لا أحد قال: يباع القفل بسعر، والمفتاح بسعر آخر، والمفتاح تابع للقفل، فبأي خصومة الأعراف حتى في الأيمان الأعراف معتبرة، كرجل حلف أن لا يأكل لحمًا، في عرف بلدنا اللحم يعني الغنم، فذهب، وأكل السمك، لا شيء عليه، أما في بعض البلاد يقول لك: أكلنا اللحم، يعني السمك، أنت عندما تحلف يميناً فعُرف البلد هو الذي يحدد مضمون اليمين، فالأعراف معتبرةٌ شرعاً، وكل بلد له أعرافه، فإذا لا يوجد تناسب بين البلدين هذا لا يعد كفاءةً.
لعظم حق الفرد على الله عز وجل، لعظم حق الصغير على الله يسقط حق الكفاءة لعدم الكفاءة إذا حملت المرأة، كل هذا الكلام قبل الحمل، وإذا حملت فموضوع الكفاءة انتهى، لماذا ؟ لأنه صار هناك مخلوق، والطلاق في حقه جريمة، لو طلقت المرأة لفسد، ألم تقل هذه المرأة، وقد بكت، واشتكت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن فلانا تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال، ***ا كبرت سني ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فالعرف معروف، أو إنسان يقول لك: لا أقبل المرأة أن تعمل شيئاً في البيت، ليست مكلفة، اقرأ الكتب، الأعراف تقول: إن الزوج يعمل خارج المنزل، والزوجة تعمل داخل المنزل، هذا عرف معتبر شرعاً وقانوناً، لكن إذا حملت ينتهي موضوع الكفاءة إطلاقاً، لعظم حق هذا الصغير على الله.

مراعاة الكفاءة عند العقد
الآن تراعى الكفاءة عند العقد فقط، أحياناً يتزوج إنسان امرأة، وبعد أن يتزوج يصاب بمرض عضال، لم يعد كفئاً لها، ولكن هذه قلة مروءة، وقت العقد كان كفئاً، وبعد هذا قضاء وقدر، هناك أشخاص بعد الزواج صار معهم مرض، الزوجة أو في الزوج يندب حظه، أخي هذه لا تناسبني، إذا كانت لا تصلح للزواج بعد المرض هناك حل شرعي، أن يتزوج امرأة ثانية، هذه أبقِ عليها كزوجة وفاءً، أو أردت ولدًا يأتيك من الثانية.
الكفاءة تراعى عند العقد فقط، فلا يؤثر زوالها بالعقد.
الآن عندنا قاعدة: إذا اشترطت الكفاءة حين العقد، أو أخبر الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير كفء كان لكلٍ من الولي والزوجة طلب فسخ العقد، إذا وجد تصريح، وظهر أنه كاذب يفسخ العقد، والكفاءة تراعى عند العقد فقط، وإذا حملت المرأة يسقط حق الكفاءة، لعلة عدم الكفاءة، والكفاءة الجهة الوحيدة المتضررة منها المرأة وأهلها، لأن العار يلحقهم بذلك، والعبرة بالكفاءة عرف البلد.
هناك كاتب مصري اسمه إبراهيم مويلحي له كتابات أدبية قبل خمسين عامًا، كتب نصًّا على الموظفين، يقول: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس، دققوا كيف يتغير العرف، فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع والشراء، وترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين، قبل خمسين سنة كان أعلى مرتبة اجتماعية الموظف.
الآن امرأة خطبت لابنها، فقالت لها: ماذا يعمل ابنك، قالت لها: مهندس، فقالت لها: من أين تعيشون أنتم، مرتبة الوظيفة الآن هبطت، وحل محلها مرتبة التجارة، قبل خمسين سنة ما العيش إلا عيش الموظفين، الآن اختلف الأمر، هناك حرف في زمن معين تروج، وحرف تصبح متدنية.
مختصر درس الكفاءة:
إذاً بشكل مختصر تراعى الكفاءة بالزوج لصالح الزوجة ولأهلها، لئلا يلحقهم العار، والكبيرة إذا زوجت نفسها من دون ولي، وظهر أن الزوج غير كفء يطلب وليها فسخ العقد لعدم الكفاءة، والعبرة بالكفاءة لعرف البلد، والكفاءة حق خاص للمرأة وأهلها، وتراعى الكفاءة عند العقد، فإذا حملت المرأة سقط حق الكفاءة لعلة عدم الكفاءة، وإذا اشترطت الكفاءة، وصرح الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير ذلك أيضاً فسخ هذا الزواج.
هذا بعض ما ورد في أحكام الكفاءة، وفي الدرس القادم إن شاء الله الحديث عن موضوعات الكفاءة.
فهذه الموضوعات على الشكل التالي، الكفاءة أولاً في الديانة، والعفة، والتقوى، والكفاءة في الحرية، والكفاءة في الإسلام، والكفاءة في النسب، والكفاءة في الحسب، والكفاءة في المهنة والحرفة والصناعة، والكفاءة في السلامة من العيوب، هذا موضوع دقيق جداً، إن شاء الله كل أخ يريد أن يخطب يختار حسب توجيهات الشرع، فإذا خطب الإنسان، أو إذا خطبت الفتاة، وكان هذا الخاطب تتوافر فيه الكفاءة الشرعية هذا معنى قول النبي:
((... إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ... ))
[ الترمذي ]
لكن أخس الناس كفاءةً هو الكافر أو الفاسق، وأعلى الناس كفاءةً طالب العلم الشرعي، هذه نقطتان أفصل فيهما بالدرس القادم إن شاء الله، أعلى درجة في الكفاءة مؤمن طالب علم شرعي، يعرف ما له، وما عليه، يعرف حق الزوجة، وحقه على زوجته، يعرف كيف يربي أولاده، هذه أعلى درجة في الكفاءة، وأقل درجة في الكفاءة أن يكون ليس فيه دين، لأنه يتحرك بحسب شهواته ونزواته، لابد من أن يقع في مغبة عمله.والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 5  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:47 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحكمة من تغيير الموضوعات طرْدُ المَللِ:
أيها الإخوة المؤمنون، أنهينا في الدرس الماضي موضوعات الربا، وكان من الممكن أن نتابع في هذا الموضوع دروسًا كثيرة، ولكن أرى أنا دائماً أن الموضوع إذا عالجناه وقتًا محدودًا، وانتقلنا إلى غيره، فإذا وجدنا حاجةً عدنا إليه بعد حين، هذا أقرب إلى إقبال الإخوة الكرام بشغف على دروس الفقه، فالموضوع إذا استمر طويلاً أشعر أنا أن الإخوة الكرام يشعرون بالإشباع، موضوع الربا موضوع كبير جداً، أخذنا منه الموضوعات الأساسية، ولاسيما موضوع القرض الحسن، وموضوع المضاربة.
مقدمة للزواج العرفي:
وننتقل الآن إلى موضوع أثاره في نفسي تحقيق قرأته في جريدة يومية حول الزواج العرفي، وكثيراً ما أدعى إلى عقد زواج عرفي فأرفض أشد الرفض، وكثيراً ما أسأل عن هذا الموضوع، والذي أدهشني أن إخوةً كراماً كثيرين يريدون إذا زوجوا بناتهم أن يعقدوا زواجاً عرفياً، والزواج العرفي هو الزواج الذي يقع خارج المحكمة الشرعية، والحقيقة أنّ الذي أدهشني أن هناك مآسي لا حصر لها ذكرها القاضي الشرعي، مآسي لا حصر لها تنتج عن الزواج العرفي الذي يقع خارج المحكمة الشرعية.
قبل أن نخوض في هذا الموضوع لابد من التمهيد، قبل مئة عام إذا أردت أن تشتري بيتاً يكفي أن يقع بينك وبين صاحب البيت إيجاب وقبول شفهيان، وأن تسلمه الثمن، وأن يعطيك المفتاح، وقبل مئة عام لم يكن من إجراء لشراء البيت إلا هذا الإجراء، إيجاب وقبول، والأولى الشهود، ودفع الثمن، وأخذ مفتاح البيت، وانتهى عقد شراء البيت، أنت الآن أيها الأخ الكريم هل يعقل أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه خمسة ملايين ليرة، وهو بيت صغير، وأن تأخذ من صاحبه المفتاح، والسلام عليكم، إن قبلت أن تشتري هذا البيت بهذه الطريقة فزوج ابنتك بالطريقة الأولى، أن يأتي شيخ، وأن يقرأ لك الفاتحة، وأن يجري إيجاباً وقبولاً، وعلى مهر، وبعض الشهود، وانتهى الأمر.

لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق:
الذي أريد أن أقوله لكم هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
قال: ( مِنْ قُوَّةٍ ) ليشير إلى أن لكل عصر قوته، فقد تكون القوة في عهد النبي بتضمير الخيول، وشحذ السيف، وقد يأتي عصر تصبح فيه القوة قوة معلومات، وقوة أقمار صناعية، وقوة أشعة ليزر، وقوة القنابل العنقودية، وقوة القنابل الذكية، وقوة الأسلحة الشاملة، وقوة الإعداد النفسي، وقوة الإعلام، هذه كلها من القوة، ( مِنْ قُوَّةٍ ) أراد القوة التي تصلح لكل عصر.
سقت هذا الكلام لأؤكد لكم أن لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، لكل عصر بحسب التعقيدات، وحسب تطور المجتمعات، لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، كما أنه اليوم لا يمكن أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه، وأن تأخذ المفتاح، بل لابد من تسجيل هذه الملكية في السجلات الرسمية، وإلا فبيعك وشراؤك لا قيمة له.
الذي أثار هذا الموضوع أنه في قصر العدل قبل أيام نشبت مشاجرة كادت تودي بحياة اثنين، بين رجلين يختصمان على امرأة واحدة، كلٌّ يقول: هذه زوجتي، وهي متزوجة من الأول بعقد عرفي، ومن الثاني بعقد عرفي، العقد العرفي ليس له أصل عند الدولة، وهناك قصص كثيرة سأروي بعضها إن قدرني الله عز وجل للمآسي التي تجري الآن في مجتمعنا من جراء العقد العرفي.
ما هو العقد الشرعي ؟
ما هو العقد الشرعي في الأساس ؟ لا يتم عقد، ولا ينعقد عقد، ولا يصح عقد إلا بشروط:
من هذه الشروط المحلية الكلية، المحلية الكلية أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها عقد النكاح ليست أحد المحارم على التأبيد، أم، أخت، ابنة، زوجة، هناك مشكلات تقع الآن، أخت من الرضاع لابد من التفريق بين الزوجين، يجب أن تكون المرأة التي يتم عليها عقد الزواج محلاً أصلياً للزواج، فإذا كانت أحد المحارم عن علم أو عن غير علم، طبعاً أكثر إشكال يقع في الأخت من الرضاع، فإن كانت إحدى المحارم على التأبيد، ولاسيما الأخت من الرضاع هذا العقد باطل، ويجب أن ينفسخ فوراً.
وينبغي أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها العقد الشرعي محلاً فرعياً لزواجك، فما المحل الفرعي ؟ أن لا تكون هناك حرمة مؤقتة تمنعك من الزواج بها، كأن تكون أختاً لزوجتك، مادامت الأولى على عصمتك فالثانية محرمة تحريماً مؤقتاً، أن لا تكون مطلقةً تطليقاً رجعياً بعدة، فما دامت المرأة معتدة لا فيجوز عقد الزواج عليها، هذا شرط إجرائي، إن صح التعبير، أن تكون محلاً أصلياً للزواج ومحلاً فرعياً له، المحل الأصلي أن لا تكون محرمةً على التأبيد، والمحل الفرعي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، لكن أجمع العلماء على أن الزواج لا يكون شرعياً إلا إذا كان على التأبيد لا على التوقيت، فيجب أن تنعقد نية الزوج على تأبيد هذا العقد، فإذا أراد التوقيت فقد أخل بأحد أركان العقد.
إذا سافر الإنسان يقول: أنا أفضل من أن أبقى بلا زوجة، وأنا سوف أستقر خمس سنوات في هذا البلد الأجنبي حتى أتزوج امرأة، وعندما يكرمني الله عز وجل بالدكتوراه أطلقها، وأتزوج امرأة من بلدي، هذا العقد على التوقيت عقد باطل.
هناك قضية خلافية نبحث فيها في وقت آخر، إذا استدعى إنسان مأذون المحكمة، وصار أمام المأذون إيجاب وقبول، ومهر وشاهدي عدل، وولي، وتمت أركان الزواج، الفتاة، ووليها، وشاهدا عدل، ومهر وإيجاب، وقبول، فهذا العقد في ظاهره شرعي، أما إذا نوى الزوج التوقيت فهذا لا يعلمه العاقد، ولا يعلمه القاضي، نقول: في ظاهر هذا العقد عقد شرعي، أما في موضوع التوقيت والتأبيد فهذا موكول إلى نية الزوج، فإن نوى التوقيت فقد وقع في إثمٍ كبير، وربما كان عقد زواجه باطلاً، وربما أمضى هذه الفترة كلها في رأي بعض العلماء مستنبطين هذا من بعض الأحاديث زانياً، لأنه على التوقيت.
من شروط العقد وأركانه التأبيد، فإن نويت التوقيت فقد أخللت بأحد أركان عقد الزواج، لأن هذه الفتاة لو أنها أختك، أو لو أنها ابنتك فلا ترضى لا أنت ولا هي أن يتزوجها رجل لأمد محدود، طبعاً هذا شيء معروف عندكم جميعاً، أن المرأة في سن الزواج مقبولة جداً، في سن آخر تنتقل إلى طور آخر، تصبح أم لأولاد، في طور آخر تصبح جدة، كل طور من أطوار حياتها لها ميزة، ومكانة، ولها إشعاع، ولها وظيفة، فإذا استمتعت بها شابةً، ورميتها كهلةً من يأخذها في هذا السن ؟ قد قضيت على مستقبلها، إذاً التأبيد لا التوقيت أحد أركان العقد.
ملخص شروط عقد النكاح الشرعي:
1 – أن تكون المرأة محلا أصليا للزواج:
أضع بين أيديكم أركان العقد الشرعي: أن تكون الزوجة محلاً أصلياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التأبيد من المحارم.
2 – أن تكون المرأة محلا فرعيا للزواج:
وأن تكون محلاً فرعياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، كأن تكون أخت الزوجة، أو أن تكون مطلقة بعدة، الشرط الثاني أن تكون نية التأبيد واضحةً في ذهن الزوج وإلا أخل بشرط أساسي وركن أساسي من أركان الزواج.
3 – الشهادة:
الشيء الثاني: الشهادة، لأن الزواج أساسه طريق مشروع، ينبغي أن يعلن، لا يوجد زواج سري كما ذكرت لكم في دروس سابقة، ديننا دين الحق، ودين الله عز وجل، ولا يوجد شيء مخفي، ولا شيء يستحيا به، ولا يوجد شيء لا يمكن أن يقال للناس جميعاً على رؤوس الخلائق، لذلك لو دخلت إلى الجامع الأموي، وأيقنت أن فيه أكثر من مئة ألف مصلٍّ يؤدون صلاة الجمعة، ثم شعرت أن أبواب هذا المسجد مغلقة، فصلاة هؤلاء الناس جميعاً باطلة، لأن صلاة الجمعة صلاة عامة، فإذا غلقت الأبواب أصبحت الصلاة خاصة، هناك شيء تخاف أن تقوله للناس، وهناك شيء تستحي أن تقوله للناس، إذاً هذا ليس دين الله عز وجل، دين الله لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.
4 – الإعلان:
الآن إذا لم يشهد هذا الزواج شهود عدول، ولم يعلن هذا الزواج، ولم يشع في المدينة أن فلانًا زوج فلانة، فقد أخل الزوجان بأحد أركان عقد الزواج، لذلك قالوا: لو أن إنسانً أراد أن يتزوج امرأة ثانية، وعقد عقداً عرفياً كما قلت قبل قليل، ورجا الشهود أن يكتموا عليه هذا الزواج، هذا الزواج باطل، إذا تواطأ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج فالزواج باطل، لأنك أخللت بأحد أركانه الأساسية، وهو إعلان الزواج، وهذا الذي يفعله الناس مع أنه صار شيئًا مؤذيًا مزعجًا من إطلاق أبواق السيارات، لكنه شرعي، هم لا يستحيون بهذا الزواج، فلانة زوجة فلان، لأن الله سبحانه وتعالى شرع الزواج، فالشيء الذي شرعه الله لا تستحي به، يجب أن تستحي من المعصية.
أحيانا إذا تزوج إنسان زوجة ثانية، ولسبب جوهري أو غير جوهري، لكن أنا أقول: هذا أفضل مليون مرة من علاقة مشبوهة خارج الزواج، تلك معصية، أما هذه طاعة، فلا ينبغي أن نحل العرف محل الشرع، هناك أسباب، وظروف، وبلا أسباب، وبلا ظروف، مادام هناك عدالة، وكفاءة، وقوة، فهناك زواج آخر، وهذا أهون من الزنا، وأهون من إطلاق البصر في الحرام، وأهون من الانحراف، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.
دين الله عز وجل لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.
إنّ الزواج السري مشكلة، ولو فرضنا أن الزوج لا يحب أن يخبر أحداً أنه تزوج، وهذه التي هي زوجته إذا حملت منه ماذا يقول للناس ؟ لماذا نخفي الزواج ؟ لذلك في كتب الفقه بحث طويل عن الزواج السري، وفي أرجح الأقوال أنه زواج أخل فيه الزوج بأحد أركان الزواج، إذاً تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان هذا الزواج عن أهله، أو عن زوجته السابقة لا يجوز، وكثير من الزوجات تتفاجأ بعد عشر سنوات أن لها ضرة، الزوج ذكي جداً، يختلف إلى الزوجة الثانية في أثناء النهار وقت الغداء، يقول: أنا عندي موسم، وأتغدى في المحل، ويكون الأمر خلاف ذلك، عنده زوجة ثانية، تكتشف هذه الزوجة بعد أمد طويل أن لها ضرة، فإخفاء هذا الزواج إخلال بأحد شروط عقد الزواج.
5 – الرضا:
شيء آخر الرضا، رضاء الزوج أو الزوجة، أو عدم الإكراه هو أحد شروط الزواج الأساسية، وأحد أركانه، لذلك ترون المأذون موظف عقد القران لا يعد العقد ماضياً إلا إذا توجه إلى الفتاة، وسألها: هل أنت راضية بفلان ؟ وهل أنتِ راضية بالمهر الفلاني ؟ فإذا قالت: نعم، أو صمتت، وصمتها كما قال عليه الصلاة والسلام إذنها، لأن رضاء الزوجة أساسي، وأحياناً تتحقق مصلحة الأب بزوج لا تحبه ابنته، هو أراده غنياً ليحل مشكلاته، وهو كبير في السن، وليس هناك تناسب بين الزوج والابنة، وإذا رفضت فلا ينعقد الزواج.
هناك بعض الصناديق في المصارف له مفتاحان، مفتاح مع صاحب الوديعة، ومفتاح مع مدير المصرف، لا يفتح هذا الصندوق إلا إذا اجتمع المفتاحان دفعة واحدة، هذا المثل ينطبق على الزواج، لا ينعقد العقد إلا إذا وافقت الفتاة على هذا الزوج، ووافق وليها على هذا الزوج، فموافقتها تنحصر في أنها قبلت به زوجاً من حيث الشكل، وهناك عوامل تعتلج في نفس الفتاة، لكن موافقة الولي، وهو أخبر بالرجال، يعرف الرجال، ويعرف ألاعيبهم، ويعرف البريء من الكاذب، والصادق من الكاذب، والمنحرف من المستقيم، هذا يعرفه الأب أضعاف ما تعرف الفتاة، فموافقة الولي تتجه إلى حقيقة هذا الرجل، وموافقة الفتاة تتجه إلى أنه يرضيها أن يكون هذا الشخص الذي أمامها زوجاً لها، فالرضا شرط أساسي من شروط عقد النكاح.
6 – تعيين الزوجين:
هل تصدقون أن من شروط عقد النكاح تعيين الزوجين، سوف أزوجك ابنتي، والدته رأت فتاةً جميلةً جداً، تم عقد الزواج، وتم تزويج فلان من كريمة فلان، وعنده ابنة كاسدة فأعطاه إياها، لابد من تعيين اسم الفتاة، وإلا كان الزواج باطلا، وهناك أشخاص كثيرون فعلوا هذا، فالذي ظهرت أمامه ادعت لها اسماً غير اسمها الحقيقي، ***ا جاء القاضي، أو مأذون الزواج صرح بالاسم الذي اقترن معه مع الفتاة، ***ا جاء يوم الدخول رأى فتاة أخرى، والمهر متأخر كبير جداً، فلابد من تعيين اسم الزوج واسم الزوجة في عقد النكاح، وعندما ترى الدفتر طويلا، والاسم والشاهد والمهر والدقة هذا كله أساسه شرعي.
7 – العقد في غير الإحرام بالحج أو العمرة:
إنّ أي عقد زواج تم في أثناء الحج أو العمرة فهو باطل، لأنه قال تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة )
إذاً المحلية الكلية، والمحلية الفرعية، والتأبيد، والشهادة، والرضا وتعيين الزوجين، وعدم الإحرام بحج أو عمرة.
8 – تعيين المهر:
و الصداق هو المهر، وأي زواج من دون صداق فهو فاسد، والفاسد غير الباطل، الباطل لا ينعقد أصلاً، أما الفاسد فيصحح.
9 – عدم المرض:
سمعتم مني قصتين أو ثلاثًا، القصة التي ذكرتُها مرة أن فتاة من أسرة جيدة من أسر هذه البلدة خطبها شاب ملء السمع والبصر، وتم عقد الزواج، ولا أدري كيف جاء الزوج بشهادة طبية صورية، وبقي الزوج مع الزوجة سنةٍ بأكملها يمضيان كما قال محرر هذه القصة أجمل أيام حياتهما، وكان حديثهما حول لون غرفة النوم، زهر أم سماوي، حول نوع الأثاث، وحول ترتيب البيت، اضطر إلى أن يتحصل على شهادة سيارة، ذهب ليتبرع بالدم، فإذا هو مصاب بالإيدز، إذاً أنا أرى بعد فشو هذا المرض في بلدتنا، وبعد فشو هذا المرض من قِبل من سافروا إلى بلاد الغرب، أنا أرى أن لا يقبل والد فتاة مهما بدا لك الشاب حيياً لطيفاً بريئاً براءة الأطفال في عينيه، مهما بدا لك كذلك فأنا أنصح أولياء الأمور أن يطالبوا الأزواج بشهادة صحية حقيقية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات الآن صورية شكلية، أحياناً ليس موضوع الإيدز، تضاد دم، يكون هناك زمرتان دمويتان متضادتان، فينتج من الزواج مخاطر على حياة الفتاة، وأدوية غالية جداً، وغير متوافرة أحياناً، وإلا كما يقول بعض الأطباء: الدم ينحل، فلذلك الشهادة الطبية الحقيقية لابد منها قبل عقد الزواج.
أما الآن فهناك خطر آخر، هناك قصة اليوم قرأتها في الجريدة تضاف إلى القصتين السابقتين، امرأة عمرها سبعون عاماً متقدمة في السن، أصيبت بمرض عضال، وأهلها ميسور الحال، فسافرت إلى بلاد الغرب لتجري عملية زرع، أخذت معها أحب أبنائها إليها، أصغرهم، وفي هذه البلاد كان مع أمه في أغلب الأحيان، زمرة دم هذه الأم نادرة، ففي أثناء العملية حدث نزيف شديد، وليس في المستشفى دم من هذه الزمرة، فعرض هذا الأمر على ابنها، ***ا فحص دمه كان دمه مناسباً لأمه، فأعطاها من دمه، والعملية تمت بنجاح، وانتهت العملية، وعادت الأم مع ابنها إلى البلدة، بعد سنة بدأت الآلام في الأم، والأوجاع، والأسقام بعد الأورام، الأطباء شكّوا في أمرها، دون أن يعلموها، طبعاً امرأة عمرها سبعون سنة، ومظهرها بالتعبير المألوف محافظة من أسرة دينة، فما ذكر الطبيب نوع الفحص، بل قال لها: لابد من فحص الدم، ***ا فحص دمها إذ هي مصابة بالإيدز، فوراً حجر عليها، وأجري معها تحقيق، قالت لهم: أنا لا أعرف سوى زوجي، ما هذا الكلام ؟ أنا امرأة مسلمة عفيفة، وزوجي توفي من عشر سنوات، ولا أعرف رجلاً آخر في حياتي إلا زوجي، ما هذا الكلام ؟ ***ا تابعوا التحقيق معها متابعةً دقيقة، وضيقوا عليها قالت: أنا كنت في أوربا، وكان معي ابني، وأعطاني الدم، أحضروا ابنها، فإذا هو مصاب بالإيدز، ضيقوا عليه فاعترف بعلاقةٍ مع فتاةٍ حينما كان مع أمه في السفر، حينما كان معها غاب عنها قليلاً، وأجرى علاقةً مشبوهة مع فتاة.
حدثني أخ طبيب قال لي: فحصت مئة فتاة تمتهن البغاء في فرنسا، وهذه القصة من خمس سنوات، فإذا ثلاثة وثلاثون بالمئة مصابات بالإيدز، أنا ألقيت خطبة إذاعية قبل سنتين تحدثت عن الإيدز، وقلت: ثلاثة أرباع المليون يحملون هذا المرض في أمريكا، وقعت تحت يدي نشرة قبل أيام صاروا عشرين مليونًا، الآن ـ والفضل لله عز وجل ـ لا يمكن أن يدخل أحد إلى القطر بعد إقامةٍ مديدة في أوربا أو في أمريكا أو في إفريقيا إلا ويلزم بفحص دمه.
من أركان عقد الزواج عدم المرض، مستقبل ابنتك، مستقبل ابنك، أنا أتمنى على الآباء أن لا يقبلوا بشهادةٍ صورية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات صورية، وأيّ طبيب لدى فحص المدعو فلان ابن فلانة تبين أنه سليم من كل الأمراض، هذه خيانة للأمانة، طبعاً زمرة الدم مهمة جداً، لأن هناك أزواجًا يعانون الأمَرّين من تضاد زمرتي الدم مع زوجاتهم، كل ولادة تحتاج إلى إبرة ثمنها اثنا عشر ألف ليرة، أو خمسة آلاف ليرة، لا أعرف ثمنها تقريباً، وإلا ينحلّ دم الأم، لوجود تضاد بين زمرتي الدم، إذاً: من لوازم عقد الزواج خلو الزوجين من المرض هذا عن طريق شهادة صحية.
قصص من واقع الناس عبرة للناس:
القصة الأولى لرجل ذهب إلى أمريكا وعاد ليكون زوجاً، له زوجة في الشام وفية، وبعد سنة أنجب منها ولدًا، واكتشف أنه مصاب بالمرض، عندما كان هناك وزوجته مصابة وطفله مصاب، حصد هذا المرض أسرةً بأكملها عدا فتاة كانت قد ولدت قبل مرض أبيها.
والقصة الثانية ذكرتها قبل قليل.
والثالثة ذكرتها آنفاً، إذاً: خلو الإنسان من المرض شرط أساسي في عقد الزواج.

10 – وجود وليّ المرأة:
الولي في أرجح الأقوال، وفي أقوى المذاهب لابد من ولي يتولى أمر تزويج الفتاة، ولاسيما إذا كانت بكراً، لأن الفتاة يغرر بها، فهي في طبيعتها براءة، طبيعتها ضمن البيت، ساكنة تصدق ما يقال لها، أكثر المشكلات العويصة في الزواج أساسها فتاة غرر بها، طبعاً الرجل أقدر على الاحتيال من الفتاة، هي تصدق، ولاسيما إذا كانت متلهفةً لزوج قد يكذب عليها، ولاسيما في ماضيه، لذلك البيت المسلم له شروط، الفتاة حينما تنشأ في كنف أب مسلم فيه انضباط، وشروط قاسية جداً، حينما تتفلت الفتاة من رعاية أبيها، أو تنشأ في بيت غير منضبط فهناك مشكلات لا حصر لها.
عودة إلى الحديث عن الزواج العرفي:
الآن عودة إلى الزواج العرفي، زواج الشيخ، يقول لك: إمام في أي جامع: يا سيدي عندنا زواج، بهذه البساطة، وهو يصدق، ويأتي العروس، ويكون الإيجاب والقبول والشاهدان، وانتهى الأمر، قد تكون هذه الزوجة لازالت في عصمة زوج آخر، فالزوج الثاني آثم إثماً كبيراً جداً، لا يعقل أن تكون امرأة لرجلين، هذا مستحيل.
مرة ثانية كما أنه لا يمكن أن تقبل أنت بشراء بيت على أساس أن تدفع ثمنه وتتسلم البيت، كذلك لا تقبل أن تزوج ابنتك زواجاً عرفياً.

الآثار المترتبة عن العقد الشرعي:
العقد الشرعي ماذا يترتب عليه ؟
أولاً: المهر.
ثانياً: النفقة.
ثالثاً: المتابعة.
رابعاً: التوارث.
خامساً: نسب الأولاد.
سادساً: حرمة المصاهرة.
هذا الزواج يعني أن فيه مهرًا، أين حق هذه الفتاة ؟
مرة كنت عند صديق لي في قصر العدل، هو قاضي التحقيق الأول، بيننا صداقة، زرته في مكتبه، فوجئت أنه يحقق في جريمة قتل وقعت في دمشق، والقصة من عشر سنوات، فجلست أتابع باهتمام مجريات التحقيق، فجأةً فتح الباب، وأطل منه شاب، لفت نظري أن قاضي التحقيق الأول نظر إلى هذا الشاب بابتسامةٍ، وقال له: تعال، ترك من يده التحقيق في جريمة القتل، وسأله عن اسمه، وقال له: متى تزوجتها يا بني ؟ قال له: منذ سنتين، وأشار إلى الكاتب أن يكتب كتابة سريعة، أنه حضر فلان الفلاني، وأنه صرح بأنه تزوجها قبل عامين، وعلى مهر كذا، وقال له: تعال وقع، ومع السلامة.
حدث في نفسي سؤال: هل من المعقول لقاضي تحقيق يحقق في جريمة قتل، وكان في أدق تفاصيل الجريمة، وأنا أتابعها باهتمام، فيفتح الباب شاب، ويدخل فيقطع العمل من يديه، ويلغي التحقيق، ويجمده إلى حين، ويسأل الشاب: متى تزوجتها ؟ وهو شعر أني تساءلت في نفسي، ماذا فعل هذا ؟ فقال لي: أستاذ، هذا زواج عرفي، إن التقى بأحد المحامين يقول له: أنكر الزواج، فضاعت حقوق الفتاة، لمجرد أن ينكر الزوج زواجاً عرفياً فهذه ليست زوجته، ولا يوجد طريقة طبعاً إثبات أخرى، ولا شهود، لا يوجد إلاّ اليمين، الكاذب قالوا له: تحلف ؟ فقال: جاء الفرج، انتهت القضية، فهذه زوجة، وحامل، وعند الناس زوجة، فتصبح زانية.
أخطر شيء أن ينكر الزوج زواجه من هذه الفتاة، أما عندما يأتي موظف المحكمة، ويأخذ توقيع الزوج، وولي الفتاة، ويسجل المهر، انتهى الأمر، ما الفرق بين عقد شركة في محكمة البداية، وبين عقد شركة مكتوب، لكن من دون محكمة ؟ أول شيء يقول لك: هذا ليس توقيعي، ذهبت الدعوى القضائية ثماني سنوات، خبراء توقيع، توقيعه، لا ليس توقيعه، لذلك فإن الإنسان العاقل هو الذي لا يضطر إلى دخول المحاكم، الإنسان حينما يفرط يدفع الثمن باهظاً، إذاً هذا قاضي التحقيق قطع التحقيق في جريمة قتل، ودعا هذا الشاب، وقال لي: هذا زواج عرفي، لو أنه التقى بإنسان غير منضبط شرعاً أو ديناً يقول له: أنكر الزواج، وانتهى الأمر، فإذا لم يكن هناك شهود، لا يوجد غير اليمين، فإذا حلف اليمين فهو في حل من هذا الزواج، تقول لي: المهر المتأخر ثلاثون ألفًا، أو مئة ألف، لكن انتهى.
سبحان الله ! أساس الشرع حتى يفرغك الله عز وجل لعبادته، انظروا دعوى في قصر العدل تبقى سبع سنوات، تتحطم أسرتان، وفي آخر المطاف لا غالب ولا مغلوب، وهذا من التقصير، أنا لم أجد مشكلة في قصر العدل إلا سببها مخالفة الشرع، ودخلنا في متاهة الدعاوي والقضاة، وأنواع القضاة، وهؤلاء القضاة بعضهم نزيه، وبعضهم غير نزيه، وبعضهم يتهمه بعض بالنزاهة، وهو نزيه، والمحامون المؤمنون قلة، والكثر بعيدون عن إحقاق الحق، فحينما تضطر إلى أن تدخل إلى قصر العدل، وتوكل محامين، وتعلق مع القضاة، أين بقيت الصلاة ؟ تعكرت صلاتك، على قدر المستطاع وضح أمورك، اكتب سندًا للقرض، وعقداً للشراكة، وسجله في محكمة البداية، فمهما بذلت من جهد ومن وقت لو تكلفت عند المحامين مبالغ كبيرة أهون بكثير من إنكار الشركة.
شاهد اثنان بناء يصلح لمشروع، فدخلوا فيه شراكة، هذه القصة وقعت تحت سمعي وبصري، هذا المشروع كلف ثلاثين ألفًا، وهم اثنان، فقال أحدهما للآخر: هذه خمسة عشر ألفًا، هذا المشروع راج، ولكن باتفاق شفهي، كل سنة يعطيه خمسة آلاف، وما ظنها الأول أنها من الأرباح، بعد ثلاث سنوات قال له، المبلغ أخذته، والله يجزيك الخير، وقال له: المبلغ أخذته منك دَينًا، قال لي الطرف المظلوم: المشروع الآن قيمته حوالي عشرة ملايين، وأساسه ثلاثون ألفاً.
سؤال: إذا تساهل الإنسان في العقود، وسمح للشيطان أن يغويه، ويطمعه بالمال الحرام، ألا تعتقدون معي أن الطرف الأول المتساهل آثم، أنت إذا قيدت أخاك بعقد أصولي مسجل في محكمة البداية فقد منعته عن المال الحرام، وحصنته من المعصية، ولما تساهلت معه فقد أغويته بالمعصية، فأنت آثم مثله.
إذا ترك رجل مبلغًا من المال على طرف طاولة في محل تجاري، وهناك زبائن، ودخل شاب ضعيف الإيمان، ووجد خمسمئة، وشعر أن في المحل مشكلة، التفت صاحب المحل، فأخذها، وسار في طريقه، هذا يعد سارق طبعاً، هل تظن أن صاحب المحل الذي وضع المبلغ على الطاولة بلا مبالاة ليس آثمًا.
أنا مر معي بعض النصوص أن إثم صاحب المحل أشد، لو وضع المبلغ في الدرج لما أغرى الشيطان هذا الشباب بماله، فكل إنسان يسيّب أمواله، يهمل ضبط أموره، يهمل حساباته، يهمل مستودعاته أيضاً هو آثم، لأنه سمح للطرف الآخر أن يأكل مالاً حراماً.
فالزواج العرفي هو الزواج الذي يتم خارج المحكمة الشرعية، طبعاً هناك إيجاب وقبول، إلى آخره، وهو زواج شرعي، ولكن مشكلته أنه غير مسجل، فأول مشكلة بين الزوجين وأول شقاق ما عجبته، فغاب، يقول القاضي الشرعي في موضوع نشر في الجريدة: يوجد امرأة زوجت من شخص خارج القطر السوري، ودفع مبلغاً جيداً، وأقام معها أربعة أيام، ثم غاب، بعد أشهر هي حامل منه، والعقد عرفي، أين هو، وأمام الناس هي حامل، وأمام الناس هي زوجة، وبمصالح النفوس عزباء، هذا الابن لمن ؟ هذه المشكلة هل لها حل عندكم ؟ لا يوجد لها حل، الزواج عرفي، هذا الموضوع أنا طرحته اليوم لأن مئات الحالات، وأنا أعجب أشد العجب، لا يوجد زواج إلا ويقولون: إنهم يريدون كتاب شيخ حتى يدخل عليها، والكتاب الرسمي كله في يومين وينتهي، لا داعي أن تعقد عقدًا خارج المحكمة، عقد محكمة فلان زوج فلانة، وانتهى الأمر، ولا يستطيع أن يفكر بشيء آخر، هذا يظهر أنه قضى وطره منها، وغاب، ووجد أجمل منها، والمهر سمح فيه، لكن بقي الولد.

آداب عقد النكاح:
عندنا موضوع آخر ملحق بهذا الموضوع، وهو آداب عقد النكاح.
الادب الأول: الخطبة قبل العقد:
من آداب عقد النكاح أن يخطب الزوج قبل العقد، ينبغي أن يقول: الحمد لله نحمده، ونستيعنه، ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
هكذا السنة، أن تخطب أيها الزوج، فإذا خطب أحدكم فليتعلم هذه الخطبة، وهي شيء جميل جداً، الزوج يخطب، ويقول بعدها: فإن الله أمر بالنكاح، ونهى عن السفاح، كلما كان أولياء الأمور عقلاء، وسهلوا الأمور على الشباب، وزوجوا بناتهم من أزواج طيبين مؤمنين، وما فتشوا كثيراً عن المادة افلحوا، قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة القصص )
تساهلوا ببيت فيه غرفة واحدة، أجرة، دخله محدود، وإلا يحل السفاح مكان النكاح.
أحد إخوانا الأطباء الكرام ممن هو مختص بالأمراض الجنسية دعا بعض الإخوة الكرام إلى مولد، وصرح وقال: أنا منذ عشر سنوات وإلى الآن الأمراض الجنسية التي تعرض علي تضاعفت عشرة أضعاف، لأن باب الزواج صار صعباً ضيقاً، وباب السفاح صار واسعاً، فكلما ارتفع ثمن البيوت، وتشبث أولياء الفتيات، ووضعوا شروطًا تعجيزية تكثر بيوت الدعارة.
بالمناسبة نحن عندنا بيت نكاح، وبيت سفاح، إذا نقصت بيوت النكاح تكثر بيوت السفاح، هذه الآن قضية مصيرية، قضية الأولياء جميعاً، الآن نريد أن نلغي الشروط التعجيزية، نريد أن نتساهل، وإلا كما ترون تصبح البلدة من أفسد بلاد العالم، وإذا فسدت البلاد فالبلاء على الأبواب، وإذا عمَّ السفاح وانتشر وقلَّ النكاح حلَّت الكارثة، ترى في أيّ مجتمع كل شهرين أو ثلاثة حتى يتزوج فرد واحد، وكله واقف، وكله يصفّ على الدور، فإذا ما تساهل أولياء الأمور فما هو المانع إذا كنت تستطيع أن تساعد زوج ابنتك ؟ ما هو المانع أن تقدم له بيتًا ؟ لا تقُل: أخي أنا عصامي، هذه قديماً، الآن لا يوجد عصامي، العصامي الآن يعني أن الطريق مسدود، الآن لابد من مساعدة الأزواج، وهذا موضوع الساعة، الآن لا يوجد بيت ما فيه فتيات، ولا يوجد بيت ما فيه شباب في سن الزواج، والزواج أغض للبصر، كما قال النبي، وأحصن للفرج، ومن تزوج ملك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر.
فإن الله أمر بالنكاح ونهى عن السفاح، فقال مخبراً وآمراً:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه خطبة النكاح.
الأدب الثاني: الدعاء للزوجين:
الأدب الثاني الدعاء للزوجين، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا للزوجين فقال:
(( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير ))
[أبو داود عن أبي هريرة]
فكل إنسان حضر حفل نكاح، ودعي لإلقاء كلمة يجب أن يدعو للزوجين.
الأدب الثالث: استحباب العقد مساء الجمعة:
مستحب أن يكون عقد النكاح يوم الجمعة ومساءً من السنة، وهناك حديث مرفوع عن أبي هريرة: (( أمسوا بالملاك، فإنه أعظم للبركة ))
من سنن النكاح:
1 – إعلان الزواج:
شيء آخر، من السنة إعلان الزواج، أعلنوا النكاح، طبع الكروت مثلاً الحفلة التي تقام إعلان هذا، رجل دعا ثلاثمئة شخص، وطبع بطاقات، وقال: دعوتكم لحضور حفل قراءة عيد المولد النبوي الشريف بمناسبة عقد قران ولديهما فلان على كريمة فلان، هذا شيء جميل، وهذا إعلام، والإعلام من السنة.
2 – الوليمة:
الوليمة، وحلّ محلها الآن كأس من البوظة، وهي كانت وليمة، ودعوة رسمية، عَن أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا ؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ))
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأنْصَارِ، فَنَزَلَ عَبْد ُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي، وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ، فَبَاعَ، وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[ متفق عليه ]
فالوليمة من آداب النكاح، أن تجمع إخوانك على نية الزواج، فإذا تزوج أخ، ودعا إخوانه بالتتابع على سهرة وحفل، هذا إضافة إلى العقد الرسمي، هذا من السنة.
من شروط عقد النكاح:
1 – الصداق:
من شروط النكاح أيضاً الصداق، وتسميته عند العقد، أما عقد من دون صداق فهذا عقد فاسد، لابد من أن يصحح.
الآن لو فرضنا إنسانًا دعي إلى عقد نكاح، قال: من دعي إلى عقد نكاح *** يجب فقد عصى أبا القاسم، يوجد حديث خاص في عقود النكاح:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ))
[ أبو داود]
وإن كان صائماً يحضر الحفل:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ ))
[ مسلم، أبو داود]
هي مناسبة في العمر مرة واحدة، فإذا دعا أخ إخوانه لعقد زواجه فالمفروض أن يلبي جميعاً هذه الدعوة.
الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
أمّا الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
إذا دعي الشخص إلى موضع فيه منكر، من زمرٍ أو طبلٍ، أو خمرٍ، أو عرس في فندق مختلط، فاعتذر، ولا ترد عليهم، ولا تلبِّ هذه الدعوة، لأنك إذا لبيتها فقد عصيت أبا القاسم، الأعراس في الفنادق التي فيها اختلاط يجب أن تعتذر عنها.
وإذا قدرت على إزالة هذا المنكر فيجب أن تحضر، لو فرضنا أنه عرس أحد أقربائك، وأنت كبير العائلة، وأنت مهاب، وكلمتك مسموعة، فاحضر هذا العرس، وأزل هذا المنكر، فإن لم تقدر على إزالة هذا المنكر فلا تحضر.
بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجلس على مائدة تدار فيها الخمر، ولا تقل: أخي أنا ما شربت، خير إنشاء الله.
تكره إجابة من في ماله حرام، فإذا كان للإنسان تجارة مشبوهة بمواد محرمة، ودعاك إلى عرس فلا تلبِّ، فإذا لبيت فقد عصيت أبا القاسم، وتكره إجابة من في ماله حرام، وكلما كثر ماله الحرام تصبح الكراهة أشد.
بالمناسبة إذا كان للإنسان دخل مشروع، ودخل غير مشروع، فيه حلال وحرام، فإذا لبى الإنسان لم يكن آثمًا، وكلما كبر الحرام في دخله أصبح مكروهاً أكثر، وإذا أصبح حرامًا خالصًا كانت التلبية حرامًا.
لو فرضنا إنسانًا إذا دعوته إلى العرس له صفات ذميمة، ينهش في أعرض الناس، يغتاب الناس، عقيدته فاسدة، يشكك الناس بدينهم، فمثل هؤلاء الأشخاص لا يدعون، أنت لك إخوانك، مجتمعك المؤمن، لو دعوت إنساناً منكراً على أهل الدين، أو إنسانًا بذيء اللسان، مزحه فاحش، لو دعوت إنساناً كثير الغيبة والنميمة، لو دعوت إنساناً يغلب على ظنك أنه سوف يفعل المعاصي في حضور هؤلاء فينبغي أن لا تدعوه، وهذا توجيه من السادة المالكية.
إذا كان في المجلس أواني الذهب والفضة، أو غناء أو آلات رقص، أو ما شاكل ذلك، هذا كله مما يستوجب عدم تلبية الدعوة.

نحن موضوعنا كما قلت قبل قليل موضوع أساسي، يجب على الإنسان أن يمرّ في أطوار، أول طور تعريفه بالله عز وجل، عرفته بالله، الآن نحن بحاجة إلى دقائق الشرع، إلى دقائق الأحكام الفقهية، لأن الإنسان يتحرك، فموضوع الزواج موضوع أساسي في حياة الإنسان.
مرة ثانية وثالثة سبب طرح هذا الموضوع أنني ما رأيت أخاً أجمع على الزواج إلا طلب عقد عن طريق شيخ، هناك اتجاه آخر الآن، يخاف أن يطلقها حتى لا تسمّى عليها زوجة، فعقدنا بكتاب شيخ، فإذا طلقها تبقى صحيفتها نظيفة في النفوس ليست متزوجة، وصار الأهل يفكرون بالطلاق قبل الزواج، الزواج أمر مصيري يحتاج إلى تؤدة، إلى دراسة، إلى معلومات، فكلما تسرع الإنسان في تزويج ابنته من شاب يكون ندمه أشد، وأحيانا يأتي الزوج على حين غرة، ويضعك في موقف حرج، أن معي يومين أو ثلاثة وسأسافر، وأنت تخجل، وتسأل سؤالاً شكلياً، فيقولون لك: إنه آدمي، يعني من بني آدم، هذا معنى آدمي، يكون شارب خمر، حتى إن ثمة الآن شيئًا خطيرًا جداً، يأتي إنسان من الخليج يطلب الزواج، لا يعرف ماذا يفعل هناك، يأخذ زوجته إلى هناك، ويحترفها في الزنا، هذه حوادث كثيرة جداً تقع، نحن لا نعرف أصل الرجل، فرحنا به، لأنه من الخليج، ومعه معه مال.
بالمناسبة، ما رأيت مشكلة في الزواج كبيرة جداً إلا أسبابها التسرع، فعدّ إلى المليون قبل أن تقول: موافق على هذا الزواج، هذه ابنتك، الزواج رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، جاء من الخليج ليس عندنا أيّ معلومات، اسأل عنه، قد يكون الزواج غير بريء، قد يكون خطة مرسومة لابنتك، وموضوع الزواج يحتاج إلى صبر، وبحث ودرس، اسأل قضاة الشرع، اذهب إلى المحكمة الشرعية، وانظر كم دعوى الطلاق ؟ بالألوف، دعوة تفريق لعلل كثيرةٍ جداً.
ورد في بعض الأحاديث: تزوجوا ولا تطلقوا، فالنبي نهى عن الطلاق، كيف نهى عن الطلاق ؟ أي تزوجوا امرأة لا تحتاجون معها إلى الطلاق، معنى هذا ادرس الموضوع دراسة جيدة، ودراسة مديدة ومتأنية، وعميقة.
دائماً هناك كلمة أقولها لكم أيها الشباب: إذا عف الإنسان قبل الزواج يهيئ الله له زواجاً ناجحاً، لأن الله عادل، وقال:

﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
فإذا جهد الإنسان أن يعف قبل الزواج أول مكافأة له في الدنيا على عفته قبل الزواج زوجة صالحة، إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك، وإن أمرتها أطاعتك الإنسان هذه الزوجة المؤمنة الستيرة، العفيفة التي إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك الإنسان وإن أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرّتك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ:
(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ أبو داود]
في الزواج ليس هناك حل وسط، إما أنه جنة، وإما أنه نار جحيم، وهناك زوجة بلاء من الله، وهو من أشد أنواع البلاء، لعن الله الذواقين والذواقات.
الشباب الآن يشاهدون امرأة تخرج في الطريق بأبهى زينة، فإذا غضضت الطرف عنها أورثك الله حلاوة تجدها إلى يوم تلقاه، وكلما غضضت بصرك عن محارم الله كأنك تقول: يا رب، لي عندك حق أن تزوجني امرأةً صالحة أرتاح معها، أستقر معها، تكون لي سكناً.
إخواننا المتزوجين، كلما أقمتم شرع الله في بيوتكم سعدتم في زواجكم، والذين لم يتزوجوا بعد كلما تعففتم في قبل الزواج الله سبحانه وتعالى يكافئكم بزواج ناجح.
هناك زواج له مظهر فخم جداً، وهناك زواج ليس فيه مظاهر فخمة، ولكن فيه سعادة حقيقية، فترى بيتًا ثمنه ثلاثون مليونًا، ولكنه جحيم، وقد ترى بيتًا بمئة متر أو خمسين مترًا، ولكن هذا العش جنة، ***ا يتجلى ربنا على هذا البيت الإسلامي بالسكينة صار هذا البيت جنة.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 6  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:49 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس سابقة تحدثنا عن موضوع الربا، وعن الكسب الحرام، وعن بديل الربا، وهو القرض الحسن، وعن شركة المضاربة، وبيّنا أن تسعة أعشار المعاصي تكون من كسب الرزق، وكان في نيتي أن أنتقل إلى موضوع كبير لا يقلّ أهمية عن الموضوع الأول، وهو موضوع علاقة الإنسان بالمرأة، فالحديث عن الزواج حديث ضروري جداً، لأنه سنة من سنن الله الكونية، هذا الحديث يحتاجه المتزوج وغير المتزوج.
قبل أن نتحدث عن الأمراض والعلل والانحرافات سوف نتحدث عن المنهج الذي رسمه القرآن الكريم في موضوع الزواج.

الزواج سنة كونية عامة في المخلوقات:
بادئ ذي بدء، قد تستغربون أن الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي سنة عامة ومطردة، لا يشذ عنها لا عالَم الإنسان، ولا عالَم الحيوان، ولا عالم النبات، الزوجية في النبات، والزوجية في الحيوان، والزوجية في الإنسان، إذاً: هي سنة كونية مطرَدةٌ أو مطَرِدةٌ، بمعنى واحد في الخلق والتكوين، لقول الله عز وجل:
﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )
النبات كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، الحيوان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، والإنسان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، فالزوجية سنة مطردةٌ في عالَم الإنسان، والحيوان، والنبات، وهي أصل في الخلق والتكوين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
حتى إن المادة، حتى إن الجماد لو حللناه لوجدناه مؤلفًا من ذرات، وكل ذرة فيها نواة وكهارب، وهذه الكهارب بعض شحناتها إيجابي، وبعضها سلبي، إذاً هناك تكامل، وربنا سبحانه وتعالى اختص الإنسان بنظام رفيع في الزوجية، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
(سورة الحجرات )
انظر إلى الطفلة الصغيرة التي لا يزيد عمرها على عام واحد، إذا أرادت أن تلهو تأخذ الوسادة، وتجعلها بنتًا صغيرةً، تربط على ظهرها، وكأنها تبكي من علمها ذلك ؟ ابنة عمرها سنة واحدة أو سنة وزيادة تأخذ دور الأم، والطفل الصغير أيضاً له ألعاب تشبه ألعاب الرجال، يأخذ قضيباً ويركبه، وكأنه حصان، معنى ذلك أن ربنا عز وجل حينما خلق الذكر والأنثى جعل فيهما صفات نفسية، واجتماعية، وعقلية، وجسمية أودعها الله في الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
هذه الآية من أدق الآيات، لأن المرأة والرجل خلقا من نفس واحدة، من طبيعة واحدة، من جبلة واحدة، من خصائص واحدة، وكل إنسان يرى أن المرأة أقلّ من الرجل هو إنسان لا يفهم هذه الآية الكريمة، المرأة كالرجل مشرفةٌ، ومكلفةٌ، ومحاسبةٌ، ومكرمةٌ.
علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظَّمة:
لكن من كرامة الإنسان على الله أن علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظمة، كان من الممكن أن تكون علاقةً عشوائية، كلما الإنسان ارتقى طبق منهج الله عز وجل في علاقته بالمرأة، وكلما تخلف نشأت الإباحية والتفلت، وعدم الانضباط في علاقة الذكور بالإناث في عالم البشر، وهذه جاهلية، وتخلف شديد، قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
( سورة الأعراف )
فالتعري عودة إلى الهمجية، والتستر رقي وحضارة، فاللباس يواري سوءات الإنسان، وخلع الثياب دليل التوحش، ودليل البعد عن منهج الله عز وجل.
إذاً علاقة الذكر بالأنثى ليست علاقةً إباحية، ليست المرأة كلأً مشاعاً يأكل منه من يأكل، لكرامة الله على الله هناك نظام دقيق للتعامل معها، ولكرامة الرجل على الله هناك قيود دقيقة في تعامله مع المرأة، أنت أيها الإنسان مخلوق مكرم، أنت مخلوق مكلَّف، الحركة منظمة، هناك ممنوعات، ومباحات، وواجبات، وفرائض، ومحرمات، هناك شيء يجوز، وشيء لا يجوز، أما هذا الذي ينطلق وراء غرائزه كالحيوان تماماً، كالدابة المتفلتة من عقالها فلا إيمان له، أما المؤمن فهو منضبط.
ما الذي رفع سيدنا يوسف عليه السلام إلى هذه المكانة العلية ؟ انضباطه، وما الذي جعل الإنسان الزاني يسقط من عين الله ؟ تفلته، أنت بهذه الغريزة التي أودعها الله فيك إذا ضبطتَها وفق منهج الله تنقلب هذه الغريزة إلى درجات ترقى بها، أما إذا لم تضبطها وفق منهج الله تنقلب الغريزة إلى دركات تهوي بها، إذا صعدت درجة يقال لها: درجة، فإذا نزلت يقال لها: دركة، والآية الكريمة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾
( سورة النساء )
عقد الزواج ميثاق غليظ:
لذلك لا يتم اتصال بين الذكر والأنثى إلا وفق نظام، وفق عقدٍ فيه إيجاب، وفيه قبول، وفيه شهود، وفيه مهر، وهذا العقد له مقدمات، فلابد من خطوبة، لابد من البحث والتحري لابد من التدقيق، لابد من التأني، لابد من الكفاءة الزوجية، لابد من أن تختار امرأةً صالحة إذاً عقد الزواج أقدس على الإطلاق في عالم البشر سماه الله الميثاق الغليظ، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
( سورة النساء )
مخالفة نظام الزواج واتباع الهوى مآله الدمار الدنيوي:
وهو عقد الزواج، إذاً هذه الغريزة غريزة الجنس الذي وضعها الله في الإنسان ليرقى بها مرةً شاكراً، ومرةً صابراً نظمها أدق تنظيم، فالمؤمن يتبع هذا النظام، المؤمن ينضبط بهذا التشريع، المؤمن يقف عند حدود الله، غير المؤمن يطلق بصره بالحرام، كلما سمحت له فرصة يروي هذه الغريزة بطريق مشروع، أو غير مشروع، لكن الله بالمرصاد، هناك أمراض كثيرةٌ، وعضالة ومدمرة فتاكةٌ تنتظر الذي يشذ عن منهج الله، فإذا أردت السلامة، إذا أردت لهذه الغريزة، أن تنتفع بها، وأن يبارك الله لك بها، وأن تسعد بها فاتبع فيها منهج الله عز وجل.
أنواع الأنكحة في الجاهلية:
1 – نكاح الخدن:
نحن نشأنا في ديار الإسلام ـ والحمد لله ـ ونشأنا من أم وأب، ولكن لو تعلمون كيف كان الجاهليون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يتعاملون مع المرأة لرأيتم الشيء الذي لا يصدق.
فأول أنواع الأنكحة التي كانت للجاهلية نكاح الخدن، أي نكاحٌ سري، العرب كانت تقول: ما استتر فلا باس به، وما ظهر فهو لؤم، يعني افعل في السر كل شيء، أما في الظاهر فإياك أن تفتضح، أما إذا استطعت أن تصل إلى أية امرأة سراً فهي مباحةٌ لك، هكذا انطلق الجاهليون في علاقتهم بالمرأة، هذا النكاح نكاح العشيقات، نكاح السر نكاح غير مشروع، لكن أخطر من هذا النكاح وربنا عز وجل أشار إلى هذا النكاح في القرآن الكريم فقال تعالى:
﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النساء )
الخدن العشيق، للمرأة صاحب، وللرجل صاحبة، هذه الآن موجودة في العالم الغربي، له زوجة، وله عدة عشيقات، لها زوج، ولها عدة أصدقاء، طبعاً هذه جاهلية، وربنا عز وجل أشار إلى هذا فقال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
وكأن في هذه الآية إشارةً إلى أن هناك جاهلية أخرى هي أشد وأنكى من الجاهلية الأولى.
2 – نكاح البدل:
وهو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لي عن امرأتي وأزيدك، هي سلعة يتبادل بها، وهذا هو الفرق، هذا النكاح كان في الجاهلية، هذه الجاهلية جهل وانحراف، وفسق، وفجور.
3 – نكاح الاستبضاع:
وقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أنواعًا كثيرة من أنكحة الجاهلية، من هذه الأنكحة أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمسها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، يعني: اذهبي إلى فلان لتحملي منه، هكذا كانت العرب في الجاهلية، هذا النكاح نكاح الاستبضاع، فلان على مستوى عالي من الذكاء نجيب، شجاع، فيه صفات جيدة لتحسين النسل.
3 – نكاح الرهط:
ونكاح آخر هو نكاح الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة جميعاً فيصيبون منها، فإذا حملت، ووضعت، ومرت عليها ليالٍ أرسلت إليهم، *** يستطع رجل أن يمتنع عن أن يأتيها حتى يجتمع عندها، فتقول: قد عرفتم ما كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتختار واحدًا لا على التعيين، هو حظه، هذا نكاح آخر كان سارياً في الجاهلية، انظروا كيف كنا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام.
4 – نكاح البغايا:
أما النكاح الرابع هو نكاح البغايا: يدخلون على المرأة فلا تمتنع ممن جاءها، هؤلاء البغايا ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت جمعوا لها الرجال الذين دخلوا عليها، ونظروا أقرب الوجوه شبهاً لهذا الرجل، فينسب إلى هذا الرجل.
نكاح البغايا، نكاح الرهط، نكاح الاستبضاع، نكاح البدل، نكاح الخدن، هكذا كانت أنكحة الجاهلية، وقد أكرمنا الله بالإسلام فنظم هذه العلاقة.
حضُّ الإسلام على الزواج وأدلة ذلك:
أولاً: موضوع الزواج يجب أن يكون هدف كل شاب، وفي أقرب وقت، وعلى الآباء والأولياء تقديم كل تسهيل، وكل معونة، وكل تبسيط، وعليهم إن لم يفعلوا ما أمرهم به الشرع أن يتحملوا تبعة امتناعهم فسقاً وفجوراً وفضائح ومآسي لا حصر لها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ الترمذي]
الآن أضع بين أيديكم نماذج كثيرة جداً من نصوص الكتاب والسنة كي تعرفوا كيف حض الشرع على الزواج، لأن الحقيقة أن نظام المجتمع البشري أساسه الزواج، هذا المجتمع الكبير بناء ضخم، اللبنة الأولى فيه هي الأسرة، وأي نظام اجتماعي يكرم الأسرة، ويشجع على بنائها، ويسهل لها إنشائها، هذا نظام جيد، وأي نظام يحل السفاح مكان النكاح، ويمتنع عن إنجاب الأولاد.
لي قريب ذهب إلى أمريكا ليزور أخاه هناك، البيت الملاصق رأى بأم عينه على الشرفة ألبسة أطفال صغار قد نشرت بعد أن غسلت، فتيقن أن في هذا البيت أطفالاً، بعد حين سكن هذا البيت صديق أخيه، فتمت زيارة بينهما، ***ا سأله: كم ولدًا عندك ؟ لأنه رأى ألبسة في الشرفة، فقال: ليس عندي أولاد، فقال له: كيف ذلك ؟ قال له: عندي كلاب، وهذه ألبسة الكلاب، إذاً: رغب القرآن الكريم في الزواج به.
مثلاً: قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )
هل يوجد أعلى من الأنبياء والمرسلين ؟ أعلى طبقة في المجتمع، نخبة البشر، صفوة البشر، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
الأنبياء والمرسلون وهم قمم البشر، ربنا جل جلاله قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )
الزواج إذاً شيء مشرف.
وفي حديث الترمذي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ ))
هذا الكلام ينبغي أن يترجمه الآباء، أولياء الفتيات، إذا كنت ميسور الحال، وأمّنت بيتًا لصهرك فهذا عمل عظيم، هذا عمل ضروري.
يا أولياء الشباب، إذا أعنت ابنك على الزواج، أوجدت له بيتًا، أمّنت له حاجاته، فهذا عمل عظيم.
يا معشر الشباب، إذا وفّرت، واشتغلت بنية الزواج فهذا عمل عظيم.
إن الفتاة إذا أعدت نفسها لتكون زوجة فاستقامت على أمر الله، وحفظت كتاب الله، وتفقهت في دين الله، وهيئت نفسها لكي تكون أماً فإنّ الله سبحانه وتعالى لابد من أن يكرمها بمؤمن يجعل منها ومنه بيتاً إسلامياً.
الآن حض آخر على الزواج، قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾
( سورة النحل )
من فضل الله عليكم أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، تارةً وصف الأنبياء والمرسلين، وهم قمم البشر، وصفوة البشر بأن لهم أزواجًا وذرية، وتارة منّ الله على بني الإنسان بأن خلق له بنين وحفدة، وكيف لا نصدق ذلك، وقد جعل الله نظام الزوجية آية من آيات الله الدالة على عظمته ؟ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )
من آياته الليل والنهار، من آياته الشمس والقمر، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها.
أنا أذكر قصة، هي توضح هذه الآية، أعرف رجلاً كان مقيمًا في بلد نفطي، يعمل هناك، يأتي كل عام كإجازة شهر يبحث عن زوجة فلا يهتدي، ويعود إلى عمله في البلد النفطي، العام الأول لم يتمكن من أن يتزوج، والعام الثاني لم يتمكن، والثالث لم يتمكن، والرابع بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، كما يقال في المثل العربي، وبلغ السكين العظم، إلى متى ؟ فأول يوم وصل، ثاني يوم أرسل والدته للخطبة، ثالث يوم لا يوجد شيء مناسب، مضى أول أسبوع، والثاني، ومضى الثالث، ومضى الرابع، وسفره الخميس، ويوم الأربعاء والدته عثرت له على فتاة مناسبة، شيء جميل، أجرى عقدًا الخميس بالمحكمة، وسفره الساعة الرابعة، فذهب إلى المطار، وخرجت زوجته التي عقد عقدها في اليوم نفسه إلى المطار لتودعه، ***ا خرج من قاعة المسافرين إلى بهو المطار الداخلي بكت بكاءً مُرًّا، فقلت: سبحان الله ! البارحة لا تعرفه، ولا يعرفها، ما الذي حصل ؟ هذه من آيات الله، الذي عنده بنات لما تتزوج البنت صار زوجها أغلى عليها من أي إنسان، تريد أن تأخذ أغراض البيت كلها إلى بيت زوجها، ومن آياته الدالة على عظمته، والأب يسّر، والأب عندما يرى زوج ابنته في تفاهم مع ابنته فهذه سعادة كبرى له، ينام قرير العين، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
إذا قال الإنسان: أنا لا أملك من أين أحضر المال ؟ البيت ثمنه كبير، ولا إمكانية للإيجار، الزوجة تريد مصروفًا، والذهب ثمنه باهظ، وغرفة النوم أيضًا، وكذا غرفة الضيوف، من أين أحضر الأموال ؟ أنأ إنسان دخلي وسط، هكذا يقول، ثم يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه الآية يجب أن نتمسك بها، وهي كلام ربنا، وعندما تتزوج يرزقك الله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ))
[ ورد في الأثر ]
إذا أحجم الرجل عن الزواج أو عن التزويج، وقال: ماذا يملك هذا الذي خطبك بنتي ؟ لا نقبل، تقول لي: ماذا يملك ؟ هذا كلام ليس له معنى، يجب أن تعينه، وتقبل معه باليسير، وإلا يحل السفاح مكان النكاح، وإلا ترى نصف بيوت الشام أصبحت بيوت دعارة، لا خيار غلا في الزواج، فالمسلمون إما أن يستيقظوا، ويحلوا هذه المشكلة، وإما ـ والله ـ هناك أيام سوداء لا يأمن الرجل على ابنته أن تخرج من البيت، ((... إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
إذا قال لك ابنك: يا أبي، تعطيني غرفة مِن عندك فقل له: أعطيك، تقسم لي البيت، نعم، أقسم لك البيت، والله هناك آباء الآن ـ أقسم بالله ـ إني أكبرهم أشد الإكبار، يبيع بيته في الشام بعشرة ملاين، ويأخذ لأول ابن بيتًا، وللثاني بيتًا، ويسكن هو خارج دمشق، أو بحي من أحد أحياء دمشق القديمة البعيدة، وهذه بطولة.
هناك آباء يقول أحدهم: لا أخرج من البيت إلا وقت الموت، وهو في بيت مساحته أربعمئة متر، ثمنه ثلاثون مليونًا، وأنت وزوجتك، وعندك شباب يتحرقون على زواج، بع هذا البيت، وصغّره، ماذا يحدث ؟ هذه بطولة الآن.
أنا أقول كلامًا واقعيًا: الأب البطل الذي يهيئ تزويج أولاده بأي شكل، يصغّر بيته، يقطع عن فمه بالتعبير العامي حتى يؤمّن أولاده، لأن الابن إذا انحرف فهو في رقبة الأب، إذا لم يكن ابنك في الإيمان الكافي زلّت قدمه، آية كريمة أنا كنت في حيرة شديدة معها، قال تعالى:
﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هل يمكن لإنسان على وجه الأرض ـ واللهُ يخاطب المؤمنين ـ أن يجبر ابنته على البغاء ؟ ما أدري لهذه الآية من معنى ؟ لكن معنى هذه الآية: أنّ الأب الذي يضع العراقيل أمام تزويج ابنته، فتارةً لا يوجد بيت، وتارةً لا يوجد له دخل ثابت، وثالثاً مدخل بيتهم مُزرٍ، هذه أصبحت علة، كل إنسان يضع عراقيل أمام تزويج ابنته كأنه يدفعها إلى البغاء من حيث لا يدري، فلذلك قال تعالى، وهذا الأمر إلهي: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
الأيامى مفردها أيّم، والأيّم هو الرجل أو المرأة الشاب، أو الشابة الذي لا زوجة له، أو لا زوج لها، اسمها أيّم، قال تعالى: ( أَنْكِحُوا )، افتحوا الجامع الصغير على حرف الحاء، حق المسلم على المسلم، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره، حوالي ثلاثة عشر حديثًا، هناك حديث واحد إن قرأته اقشعر جلدك، ولا يوجد غيره: (( ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتِب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف ))
[ الترمذي، والنسائي ‘ن أبي هريرة ]
أيها الشباب لكم عند الله حق، إذا أردت الزواج أن يعنيك الله، كيف لا أعلم ولكن يوجد معونة ادخرها لك، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
أنا سمعت قصة تركت في نفسي أثراً بليغاً لشاب ناشئ عنده مكتبة صغيرة، وأمام المكتبة سبعة أبنية، وكل بناء فيه اثنا عشر طابقًا، وكل طابق ثمنه ثلاثون مليونًا، وفي هذه المنطقة تسكن طبقة غنية، السيارات والفتيات، فقال لوالدته: اخطبي لي من هذه الأبنية، أنا إنسان آدمي، فأمه تعرف ما ابنها، وما يملك، فقالت له: أنت ماذا تملك ؟ من يعطيك من هذه الجماعة ؟ فقال لها: والله أنا إنسان آدمي، ومستقيم، ولا أعرف الحرام، وهذا الكلام غير مقبول، فألحّ عليها مرة ثانية، ومرة ثالثة، وبعد ذلك كذبت عليه، وقالت: ذهبت، ولم يقبلوا بك إطلاقاً، وقالوا: هل يوجد لديك بيت ؟ فتألم ألمًا شديدًا، ويبدو أنه صادق مع ربه، يقف على مكتبته رجل من أصحاب هذه البيوت، فقال له: يا بني ما اسمك ؟ هل أنت متزوج، فقال له: لا والله يا سيدي، فقال له: أنا عندي ابنة للزواج، فألهم الله أحد الآباء، وهذه القصة واقعية، وهناك قرابة، وأنا أعرفها جيداً، هذا الشاب المستقيم الذي أراد العفاف، ألقى الله في قلب أحد الآباء محبته، شاهده مستقيمًا، يغض بصره، صادق في بيته، ونظيف ومرتب، فقال له: أرسل والدتك، والبنت مناسبة جداً، وفي هذه الأبنية نفسها، فأرسل والدته، وصار الاتفاق والعقد، والله وفقه.
هناك كلمة يقولها العوام أنا تهز مشاعري ـ هل أنت أكرم من الله عز وجل ؟ ضع ثقتك بالله عز وجل، من تزوج ملَك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر، يجب أن نسهّل، بيت خارج الشام، هل من المعقول أن أسكن خارج الشام ؟ نعم معقول، وأنت أنتَ، ومكانتك كما هي، يجب أن تتساهل أيها الأب، البيت ثمنه ثمانية ملايين، وخارج الشام ثمنه مليون، والمواصلات جيدة جداً الآن، يجب أن تتساهل بمكان البيت، وبحجم البيت، يجب أن تحقق شرع الله عز وجل، شرع الله بتيسير الزواج.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
أيها الشاب لك عند الله حق أن يعينك إذا طلبت العفاف، أنا أنصح كل شاب، كلما بالغ في غض بصره، وحفظ فرجه، والبعد عن المزالق كلما قرب الفرَج عليه، الله عز وجل ناظر إليه، إن الله ليباهي الملائكة في الشاب المؤمن، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، لأن الطرقات فيها نساء كاسيات عاريات.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:
(( لَمَّا نَزَلَتْ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ... ))
الذهب والفضة كنزه مشكلة، هل يوجد مال آخر إذا جمعناه لنا فيه الخير ؟ فقال، ودققوا:
((... فَقَالَ: أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ ))
كيفما تحرك يثني على الله، يا رب، لك الحمد، والزوجة كنز من كنوز الدنيا، وقد روى الطبري بسند جيد عن ابن عباس رضي اله عنهما أن النبي قال:
(( أربع من أصابهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة، قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدنًا على البلاء صابراً، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها ولا ماله ))
لسان شاكر، وقلب ذاكر، وبدن على البلاء صابر، وزوجة مؤمنة لا تظلمه لا في نفسها ولا في ماله، لا تتلف ماله، ولا تتساهل مع غيره، عفيفة، أحيانا الإنسان في ساعات إشراقه الروحية يقول: لا أريد أن أتزوج، وإذا فكر الإنسان هذا التفكير يكون قد خالف السنة، لأن هناك حديثًا صحيحًا رواه البخاري ومسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَال:َ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ البخاري ومسلم]
هذه سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يسعنا إلا اتباع سنة النبي.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))
[ سنن ابن ماجه]
أعظم شيء تناله بعد تقوى الله عز وجل زوجة صالحة، بعد طاعة الله عز وجل وبعد التقوى الزوجة المؤمنة.
عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ))
[ رواه أحمد بإسناد صحيح ]
تزوج رجل صالح امرأة سيئة جداً، ***ا قيل له: طلقها قال: والله لا أطلقها فأغشّ بها المسلمين.
وروى الطبراني والبزار و الحاكم وصححه، وقد جاء تفسير هذا الحديث في حديث آخر أن رسول الله قال:
(( ثلاثة من السعادة المرأة الصالحة، تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك ))
أنتم تعيشون في نعمة لا تعرفونها أبداً، والمفروض أن الإنسان يعرفها وهي في حوزته، إذا كان لرجل منكم بيت وزوجة، وذهب إلى عمله مطمئنًّا أشد الطمأنينة، وهذه نعمة لا تقدّر بثمن، ولا يعرفها إلا من فقدها، إلا من شك في زوجته، إلا من خشي أن يدخل عليها أحد في غيبته، أما الذي يطمئن لها ولعفتها، ولإخلاصها، ولحرصها على نفسها، ولتسترها وتحجبها فهذه نعمة لا تقدر بثمن.
((... وثلاث من الشقاوة، المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك ))
دائماً هي مهملة لنفسها، كل زينتها وأناقتها لغير زوجها، هذه حال نساء اليوم، كل نعومتها ولطافتها لغير زوجها، أما لزوجها فالكلام القاسي، والهيئة المهملة، والنظرة القاسية.
هناك امرأة كثيرة الشر، فمن شدة قسوة لسانها على زوجها، من شدة تأنيبها له، من شدة انتقادها المستمر ضاق بها ذرعاً، فرجاها أن تسلك هذا السلوك يوماً، وتدعه يوماً، ففي اليوم الذي عاهدته أن لا تقول شيئاً تقول له: غداً.
الزواج عبادة:
آخر شيء في فضل الزواج، الزواج عبادة يستكمل بها الإنسان نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء، أحياناً تشاهد امرأة ورجلا في الطريق، فإذا كان معهما ولد ترتاح، معنى هذا أنها زوجته، دائماً الطفل يوثق العلاقة، الطفل يعطي البراءة، وحسن السلوك، فالنبي يقول:
(( من رزقه الله زوجةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه، وليتّقِ الله في بالشطر الباقي ))
[رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح إسناده ]
لما يتزوج الإنسان، وينظر يمنةً ويسرةً، وشرقاً وغرباً مشكلته كبيرة جداً، وهذا عقابه أليم، لأنه أصبح محصناً.
ذهب رجل إلى أوربا، ويظهر أنه أطلق لنفسه العنان، شاهد أشكالا وأنواعًا، ***ا عاد ساءت علاقته مع زوجته جداً، ***ا سئل قال: ما أحسنَّا اختيار زوجته، طبعاً كل إنسان متزوج، ويبحث عن متعة خارج بيت الزوجية معنى هذا أنه إنسان لا يعرف الله إطلاقاً، ولا يعرف أحكام الشرع أبداً، وهذا أكبر عقاب له، شقاء زوجي ما بعده شقاء.
عنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ ))
[ ابن ماجه]
أحيانا يموت الإنسان أعزب، هناك تساؤلات، ظنون، شكوك، يدع هناك سؤالا كبيرًا، أما الإنسان المتزوج فسمعته نقية، معه شهادة حسن سلوك.
قال ابن مسعود، وهذا ليس حديثاً شريفاً: << لو لم يبقَ من أَجَلِي إلا عشرة أيام، وأعلم أني سأموت في آخرها، ولي طول نكاح فيهن لتزوجت مخافة السنة >>.
يبقى الزواج شرعيًا، وأي سلوك خارج الزواج سلوك فيه معصية كبيرة جداً.
الحكمة من الزواج:
الحكمة الأولى: الزواج هو القناة النظيفة للغريزة الجنسية:
بقي علينا موضوع قصير في موضوع الزواج، وهو حكمة الزواج، الحقيقة أن أكبر غريزة في الإنسان، وأعنفها هي الغريزة الجنسية، هذه الغريزة حينما تفرغها في القناة النظيفة التي شرعها الله عز وجل فكأنها قنبلة نزعت عنها الفتيل، كان هناك شيء متفجر، فوضعت عليه صمام الأمان، يمكن أن يكون هناك تفجر، وانحراف، وزلة قدم، وزنا، ***ا تزوج الإنسان فهذه الطاقة الكبيرة، وهذا الاندفاع الشديد، وهذه الغريزة المتأججة انتهت، وهذا المسلك الطبيعي لها، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )
لتسكنوا، معنى هذا أن هناك اضطرابًا، وقلقًا، ورغبة، وشعورًا بالحرمان، كله انتهى، إنه أغض للبصر، وأحصن للفرج.
إذاً أول حكمة أن هذه الغريزة الطبيعية التي أودعها الله في الإنسان من خلال الزواج هذه الغريزة تسلك سلوكاً طبيعياً، وتغدو حياة الإنسان طبيعيةً، ويصبح له توازنًا، وطمأنينة، وسكونًا، كلمة سكن تشير إلى هذا المعنى، السكن معنى أنه يوجد اضطراب.
عَنْ جَابِرٍ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ... ))
[ أبو داود والترمذي]
المرأة رمز الدنيا، فإذا نظر الإنسان إلى امرأة مقبلة فهي شيطان، طبعاً إذا كانت سافرة، فإذا نظرت إليها فكأنما شيطان يدعوك إلى معصية.
((... فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُ يُضْمِرُ مَا فِي نَفْسِهِ ))
[ مسلم، وأبو داود والترمذي]
المرأة الأجنبية الكافرة شيطانة تدعو إلى الفتنة، تدعو إلى الانحراف.
ثمة موضوع ذكرته سابقاً، حينما تسفر المرأة، وحينما تبرز مفاتنها فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، أما حينما تتحجب فلسان حالها يدعو إلى البعد عنها، واحترامها وتقديسها، وزيّ المرأة ينطق عنها، زيها المحتشم ينطق بعفتها وحشمتها، واستقامتها وطهارتها، وزيها غير المحتشم ينطق عنها برغبتها بالانحراف، ودعوتها للذئاب لينهشوا منها.
عندما ربنا قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
المرأة المؤمنة الحد الأدنى الذي يؤكد أنها مؤمنة حجابها، أما الأعلى فأن تعرف الله، أن تعرف منهج الله، أن تعرف حق الزوج، أن تعرف حق أولادها عليها، أن تكون محسنةً، أن تكون عفيفةً، لكن حدها الأدنى أن تكون محجبةً، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، معنى ذلك أن المرأة إذا لم تتحجب، وآذاها من آذاها فكأنما أعطتهم المبرر.
عندنا في اللغة لسان المقال، ولسان الحال، وقد يكون لسان الحال أبلغ من لسان المقال، فلباس المرأة لسان ينطق عنها، فإن كانت محتشمة كأنها تقول: أنا امرأة مسلمة، فابتعدوا عني، أنا لي زوج، أما إذا ارتدت لباساً فاضحةً فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، من زيها لا تؤذيها، ومن زيها تؤذيها.
الحكمة الثانية: الزواج أفضل وسيلة للإنجاب:
الحكمة الثانية أن الزواج أفضل وسيلة لإنجاب الأولاد، وتكثير النسل، واستمرار الحياة مع المحافظة على الأنساب.
إنّ رجلا خبيرًا من دولة أجنبية أقام حفلا كبيرًا جداً لأصدقائه بمناسبة أنه أنجب مولوداً، وهو له في هذه البلدة سنتين، لا يهمه هذا، وزوجته أرسلت له رسالة أنها أنجبت مولوداً فأقام احتفالاً كبيراً، لأنه أنجب مولوداً، لكن هذا الغلام من غيرك، هذا لا يهمّه.
هناك قصة مشهورة تُروى عن إنسان خطب فتاة، ***ا استشار والده قال له: لا يا بني، هذه أختك، وأمك لا تدري، ***ا اختار فتاة أخرى قال له: هذه أيضاً أختك، وأمك لا تدري، ***ا أشار إلى فتاة ثالثة قال: يا بني، هذه أختك أيضاً، وأمك لا تدري، ***ا ضاق ذرعاً بأبيه شكا إلى أمه، فقالت له: خذ أياً من هؤلاء، فأنت لست ابنه، وهو لا يدري.
هذا مجتمع الغرب، لكن مجتمع المسلمين مجتمع الطهر والعفاف، مجتمع النظافة مجتمع العفة، نحن نحمد الله على أننا في مجتمع نظيف، وما زال فينا بقية من طهر وعفاف، هذه بلدة مباركة، الشيء الذي يوصف به أهل الغرب شيء لا يوصف، انحلال خلقي، تبادل زوجات، زنا محارم، أمراض وبيلة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
هذا مقياس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يبدو أن أعظم ما في المرأة مودتها لزوجها، وإنها تنجب له أولاداً أطهاراً.
دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجاباً به، فقال: << يا أبا بحر، هذه كنية الأحنف بن قيس، ما تقول في الولد ؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، و ثمرة قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نطول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك >>.
الأب البخيل ـ والعياذ بالله ـ إذا مرض، وجيء له بالطبيب، وقال الطبيب: اطمئنوا، لا يوجد شيء، ينزعج الأولاد جداً، أما الأب الكريم فحياته أغلى عليهم من حياتهم أنفسهم.
أيها الآباء هذا الكلام لطيف، << فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال: لله درك يا أبا بحر >>.
هل تصدقون أن إنسانًا في غرفة العمليات، وعملية خطيرة جداً يأتي أشد الناس قرباً منه ليفاوض الطبيب على قتله في أثناء العملية على مبلغ كبير.
أنا معجب بكل أب أعطى أولاده وهو في حياته ما يريدون، حتى شعروا أن أباهم شديد العطف عليهم، طبعاً بالعدل فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فلا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[ متفق عليه ]
أن تعطيهم في حياتك، وأن تعدل بينهم في حياتك، هذه من واجبات الآباء.
الحقيقة أن في الإنسان غريزة الأبوة والأمومة، هذه الغريزة الراقية جداً لا تظهر إلا في الزواج، وإنجاب الأولاد، ترى الشاب طائشًا، فعندما يأتيه ولد يصبح إنسانًا آخر، نشأ في قلبه العطف والحب، فغريزة الأبوة، وغريزة الأمومة لا تظهر إلا من خلال الولد، هذه الغريزة فضيلة في الإنسان، الزواج يشعر الزوج بالتبعة، بالمسؤولية، عنده زوجة، وعنده أولاد يحتاجون إلى مصروف، تراه ينصرف إلى عمله دؤوباً، يبذل ويضحي، صار إنسانًا مقدسًا، أما الذي ليس له زوجة، ولا أولاد أكثر أيامه يقضيها في النوم، كسول، أما الذي له زوجة وأولاد، وعليه تبعات هذا ينطلق إلى عمله، والنبي أثنى على كل شاب فقال: إذا خرج هذا الشاب يرعى أهله فهو في سبيل الله.

خروج الشاب من بيته إلى عمله يرعى أبويه، أو أهله، أو أولاده فهو في سبيل الله.
كلكم يعلم أن المرأة التي شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام زوجها، قالت:
(( يا رسول الله، إن فلان تزوجني وأنا شابة ذات جمال وأهل ومال، ***ا كبرت سني، ونثرت له بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ))
[ ابن ماجه عن عائشة]
موطن الشاهد أن الأم مهمتها تربية الأولاد، وأن الأب مهمته كسب الرزق، وهذا اختصاص، هناك تكامل بين الزوجين، المرأة في الداخل، ولها كل الخصائص والمشاعر، وهو في الخارج، وله كل الخصائص والمشاعر المتعلقة بعمله خارج المنزل.
حقيقة علمية: الأزواج أطول عمرا من غير المتزوجين:
آخر شيء في الدرس أن تقريرًا لهيئة الأمم المتحدة نشر في الشهر السادس من عام تسعة وخمسين وتسعمئة وألف، هذا التقرير مبني على دراسة إحصائية مطولة جداً، يثبت أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن طبيعة الإنسان تتوافق مع الزواج، التقرير طويل، ومعه أدلة كثيرة، وإحصاءات، ولكن ملخصه أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن الزواج عمل وفق عضوية الإنسان.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 7  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:52 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة تذكيرية:
أيها الإخوة الأكارم، في الدرس الماضي بدأنا موضوع الزواج، وكنت قبل أسابيع عدة عالجنا موضوع فقه المال، والذي أراه أن أخطر موضوعين يمسان كل إنسان من دون استثناء، كسب المال وموضوع الزواج، وإن تسعة أعشار المعاصي من كسب المال ومن علاقة الرجل بالنساء.
وقد تحدثنا ملياً عن طرق كسب المال، وعن الطريق المحرمة، وعن الطريق التي أراده الله عز وجل، وانتقلنا إلى موضوع الزواج.

حاجة الناس إلى موضوع الزواج:
قد يقول قائل: إن موضوع الفقه موضوع جاف، حقيقة موضوع الفقه موضوع جاف، وموضوع شائك، يكون جافاً إذا عالج موضوعات بعيدةً عن حياة الناس، مثلاً: موضوع العبيد والإيماء، الآن لا يوجد شيء من هذا، موضوع بعيد عن حياتنا، وعن واقعنا، وعما يحيط بنا، هناك موضوعات في الفقه كثيرة جداً، إذا عالجتها يشعر الناس أنهم ليسوا بحاجة إليك، لكن هناك موضوعات الناس جميعاً في أمسّ الحاجة إليها، لأنه لا يخلو إنسان إن كان شاباً هو في طريق الزواج، وإن كان متزوجاً بإمكانه أن يحسن علاقته الزوجية، يرفع من مستواها، بإمكانه أن يحل المشكلات القائمة بينه وبين زوجته، لأنه إذا رجع إلى الله عز وجل، ووقف عند حدوده صار زوجاً ناجحاً، وإذا عرفت زوجته ربها ووقفت عند حدوده أصبحت زوجةً ناجحة، والحقيقة انه لا يوجد قرار يتخذه الإنسان في حياته أخطر من قرار زواجه، لأن أي شيء آخر غير الزوجة يكون التبديل والتغيير فيه سهلاً، هذا البيت غير مناسب يباع، هذه المركبة غير مناسبة تباع، هذه الحرفة غير مناسبة تستبدل، لكن الزوجة شريكة الحياة، وأم الأولاد، وعلاقات وفي بناء، هذا الطفل هذه أمه، وهذا أبوه، فإذا افترقا مزِّق الطفل تماماً، فما قولك بإنسان ربطت يده ورجله في مركبة، ومركبة في مركبة، والمركبتان تباعدتا عن بعضهما البعض، صدقوني هذا المثل لا يبتعد كثيراً عن الطلاق، فالبناء يتمزق، هذا أبوهم، وهذه أمهم، وقد افترقا، لذلك الطلاق يهتز له عرش الرحمن، لأنه تهديم أسرة، وتشريد أولاد، وتقطيع أوصال، وما دام الطلاق بهذه الخطورة فينبغي أن يكون الزواج في تأنٍ كثير، بدراسة طويلة، ببحث عميق، بحث دقيق، بتريث، بسؤال، لذلك يعد موضوع الزواج، وموضوع كسب المال من أخطر الموضوعات التي يعالجها الفقه الإسلامي، لأن كل واحد من الحاضرين، وأنا معكم إن كان أعزب مقدم على زواج يحتاج إلى نور، كيف يختار الزوجة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
الزوجة إما أن تكون مصدر سعادة لا حدود له لزوجها وأولادها، وإما أن تكون مصدر شقاء لا حدود له لزوجها وأولادها، إذاً أخطر ما في الزواج حسن اختيار الزوجة، الآن فلان تزوج، إذا كنت متزوجاً هذا الموضوع يفيدك في تزويج بناتك، وفي تزويج أولادك، وإذا كنت متزوجاً فهذا الموضوع يفيدك في رفع العلاقة الزوجية من علاقة رتيبةٍ لا معنى لها، من علاقة مصلحية إلى علاقةٍ مفعمةٍ بالود، كل هذا يرفع، لذلك هذا الموضوع من الموضوعات الخطيرة في حياة المسلمين.
وهناك عامل آخر، هو أن الذي يدعو إلى الله عز وجل شاء أم أبى تعرض عليه مشكلات إخوانه، أعجبه أم لم يعجبه، هذا قدره، فالأخ الذي له من يعلمه، وهذا مرجعه، يا سيدي، هكذا حصل معي البارحة، حصل بينهما خلاف، تفعل معي هكذا، وقد يأتي والد الزوجة يتحدث حديثاً مخيفاً عن الزوج، وعن فظاظته، وقسوته، وعن، وعن، هذه المشكلات ترجع في أغلب الأحيان إلى مخالفة الشرع في اختيار الزوجة، لذلك أيها الشباب هذا موضوع دقيق جداً.
مرة ثانية أقول لكم: أخطر قرار يأخذه الشباب من دون استثناء قرار الزواج، لأن الزوجة ليس من السهل أن تفارقها، لأنه بينكما أولاد وبناء، وفي الدرس الماضي تحدثنا عن الزواج وعن زواج الجاهلية.
حُكم الزواج:
واليوم درسنا عن حكم الزواج، هناك زواج واجب يرقى إلى مستوى الفرض، وهناك يوجد زواج مستحب، وزواج مباح، وزواج مكروه، وزواج محرم، وكل واحدٍ له وضع خاص، كل واحدٍ له حكم خاص في زواجه، فما الزواج الواجب ؟ ومتى يكون الزواج فرضاً ؟
1 – الزواج الواجب:
قال العلماء: يجب الزواج على من قدر عليه، صحته طيبة، له دخل، وله بيت، أول شرط يجب الزواج على من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، مقاومته هشة، ويخاف أن تزل قدمه، ولاسيما الذين يتعاملون في مهنهم مع النساء، فأن تزل قدم هؤلاء احتمال كبير، لذلك من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، هذا الإنسان الزواج فرض في حقه، لماذا ؟ لأن الشريعة لها خمسة مقاصد أساسية، والشريعة مصلحة كلها، رحمة كلها، عدل كلها، أول مقصد صيانة الدين هذا، أول مقصد في الحياة، ومن صيانة الدين الزواج، لأنه إذا زلت قدم الإنسان سقط من عين الله، ولأن يسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله، وإذا زلت قدم الإنسان، وشعر أن بينه وبين الله حجباً كثيفة يوشك أن يضل وتحبط معنوياته.
أنا أعلم أن بعض الشباب الذين زلت أقدامهم يتمنون أن يجلدوا في المسجد، لعل الله يغفر لهم، لا أحد يهون من مغبة الانحراف، إذا زلت قدم الإنسان شعر أن بينه وبين الله حجباً كثيرةٍ، وأن التوبة أصعب عليها من كل شيء، لذلك صيانة النفس من معصية الله، ومن زلة القدم هذا مقصد كبير يهون أمامه كل مقصد، لذلك الزواج الواجب، وهذا الكلام بحق الشباب، وبحق الآباء، أقول هذا الكلام مرات عديدة، لأنّ الآن نظراً لما يطفح به الطريق من فساد ومن فتن، ومن نساءٍ كاسيات عاريات، من نساءٍ يبرزن كل ما عندهن في الطريق لهؤلاء الشباب، الأب الذي بإمكانه أن يزوج ابنه، ولا يزوجه إمساكاً وحرصاً، إذا زلت قدم ابنه أقول لكم ولا أبالغ: والله الذي لا إله إلا هو إن زلة قدم ابنه في رقبته يوم القيامة، وربما قال الابن: يا رب، إن أبي كان قادراً على تزويجي، قادراً على أن يحصنني، يا رب لا أدخل النار قبل أن أدخل أبي قبلي، الذي عنده فتاة، وبإمكانه أن يساعد شاب بتأمين مأوى لهذا الشاب إذا تزوج هذه الفتاة *** يفعل قوى، في نفس ابنته الانحراف، وهو لا يدري، وهو لا يريد، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )
يجب أن يكون في ذهن أي أب أن يزوج أبناءه وبناته، أن يقدم ما يستطيع، هذا أعظم عمل، والأبوة الكاملة تؤهل الإنسان لتدخله الجنة، الزواج فرض على من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، هذا الإنسان الزواج فرض في حقه، لماذا ؟ لأن إعفاف النفس، وتحصينها من المعصية مقصد أساسي من مقاصد الشريعة، ولا يتم إحصان النفس ولا يتم إعفافها، ولا يتم للرجل غض بصره إلا بالزواج، كما ورد في بعض الأحاديث مِن قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، لأنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لا أَرَبَ لَهُ فِي النِّكَاحِ ))
[ مسلم]
لذلك الآباء والأمهات والشباب يجب أن يكون هذا ماثلاً أمامهم، أما إذا تاقت نفسه إلى الزواج، وعجز عنه، وخاف العنت ماذا يفعل ؟ هذا قدر الله سبحانه وتعالى، ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )
ما حكمُ من تاقت نفسه للزواج ولم يقدر عليه ؟
تاقت نفسه إلى الزواج، وعجز عنه، وخاف العنت، وهو مؤمن، يا رب إن لم تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن، مثل هذا الإنسان عليه أن يصبر، وعليه أن يصوم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ، أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))
معنى هذا أن الشاب إلى أن يتزوج إذا ملأ وقته في الأعمال الطيبة، في حفظ القرآن الكريم، في العلم الشرعي، في طلب العلم الدنيوي، في تحصيل الشهادات، في إتقان الصنعات، يجب على الشاب المؤمن أن يملأ وقته بالعمل الدنيوي والأخروي، لأن إملاء هذا الوقت، وغض بصره، والابتعاد عن أماكن الشبهات، ومواطن الفتن، وعن رفقاء السوء، وعن قراءة الموضوعات التي تثير الغرائز، والابتعاد عن أجهزة اللهو، وعن المسلسلات، وعن الاختلاط هذا كله يجعله في حصن حصين، وفي حرز حريز، يجعله في طمأنينة ما بعدها طمأنينة، ومتفرغاً لبناء ذاته، هذا الحل الثاني، تاقت نفسه إليه، وخشي العنت، ولم يقدر عليه، فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء، هذا الزواج الواجب.
2 – الزواج المستحب:
أما الزواج المستحب، فإن كان تائقاً له، وقادراً عليه، لكنه يأمن على نفسه من اقتراف ما حرم الله عليه، فإن الزواج مستحب له، تاقت نفسه إليه، وهو يقدر عليه، لكن بعيد عن أن تزل قدمه، ولا يخشى على نفسه العنت، مثل هذا الإنسان الزواج في حقه مستحب، لكن هو أولى من التفرغ للعبادة، لأنه سنة، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي، هذه سنة الله في خلقه، هي أولى من الرهبانية التي ابتدعها النصارى.
نقطة مهمة جداً في آية دائماً أذكرها، وليس لها علاقة بالزواج، لكن سبحان الله ! كلما أقرأ هذه الآية أشعر أن معناها شامل، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء )
إنّ الزوج المؤمن الصادق له أهداف من الزواج نبيلة جداً، أحد أكبر أهدافه إنجاب الذرية الصالحة، أحد أكبر أهدافه أن يكون لك ولد ينفع الناس من بعدك، أن يكون لك ولد يعلم الناس الخير، أن يكون لك ولد يقرب الناس إلى الله عز وجل، لأنّ امتداد الذرية امتداد للآباء، لذلك من أقلّ أهداف الزواج الاستمتاع، لكن أعظم أهدافه الكبرى في نظر المؤمن هي العمل الصالح، الإنسان يتقرب إلى الله بالزوجة الصالحة، بالأخذ بيدها إلى الله عز وجل، بتوجيهها الوجهة الصحيحة، بتربيتها التربية الصحيحة.
روى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن النبي قال:
(( إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة ))
[ ورد في الأثر]
الرهبانية ليست تقرباً إلى الله عز وجل، الله عز وجل لا يتقرب إليه بالحرمان، ولكن يتقرب إليه بتنفيذ أمره ونهيه، الشقاء أو بذل الجهد، والحرمان ليس مطلوب لذاته، المطلوب لذاته أن تطبق منهج الله عز وجل.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ ))
عندنا زواج محرم، وزواج فرض لمن قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، من تاقت نفسه إليه، وخشي العنت، ولم يقدر عليه فعليه بالصبر والصوم، ومن قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، ولم يخش العنت فالزواج مستحب، لكنه أولى من التفرغ للعبادة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ البخاري]
3 – الزواج المحرَّم:
أما الزواج المحرم فيحرم الزواج على كل رجل يخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق، الزوجة لها مطلبان أساسيان، المطلب الأول: أن تعاشرها كزوجة، والثاني: أن تنفق عليها، فمن أخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق هذا حرم عليه الزواج، لأن يفضي إلى ظلم، امرأة تعيش بين أبويها عيشةً رغيدةً هادئةً، طيبةً، ***ا أخذتها من بين أهلها، وظلمتها، وقسوت عليها، وحرمتها، وأهنتها، وضربتها، أنت ظلمت، والظلم ظلمات يوم القيامة، أخطر شيء في الحياة أن تكون سبباً لشقاء إنسان، الإنسان بنيان الله، وملعون من أهان بنيان الله، والله أنا أستمع من بعض الإخوة ممن زوجوا بناتهم لأشخاص ليسوا أكفاء، أستمع عن قسوتهم في المعاملة، وعن وحشيتهم في معاملة الزوجة، وعن ظلمهم لها الشيء الكثير.
هناك أشخاص وحوش، والإنسان من دون علم وحش، إذا تحرك وفق نزواته وشهواته أصبح كالوحش تماماً، قسوة ما بعدها قسوة، قلب كالصخر، كلام أقسى من الحجر، بخل لا يحتمل، بعد عن الله، فظاظة ما بعدها فظاظة، وقد قيل: الزواج رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن بغضها فقد بغضني ))
[ الجامع الصغير عن المسور بن مخرمة ]
البنت غالية جداً، فإذا كان يسلم ابنته لزوج يضربها، لزوج يجيعها، لزوج بخيل كل الخزن مقفلة، الطعام مقفول عليه فقد أهانها، وما من صفة أشد في الرجل من البخل.
يحرم الزواج على كل رجل يخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق إذا علم أن الزوج أنه يعجز عن الإنفاق على الزوجة، أو يعجز عن أن يؤدي لها حقها، فالزواج في حقه محرم، وإذا علمت الزوجة أنها لا تستطيع أن تحصن زوجها، ولا أن تقوم بواجباته فقبولها بهذا الزواج فيه حرمة، يجب أن تنصح، وإذا أخفى الإنسان العيب، ثم كشف العيب فهذا تدليس، وهذا تغرير، وهذا كذب، وهذا يستوجب رد الزواج بدعوى التدليس أو إخفاء العيب.
أحيانا يكون مرض خطير في أحد الزوجين، أو مرض يمنع الزوج من أن يعاشر زوجته، لكن هناك أشياء بسيطة لا داعي أن تذكر، أما العيوب الخطيرة التي تسبب شقاءً زوجياً فهذه يجب أن تعلم، وإلا كان الزواج محرمًا.
4 – الزواج المكروه:
يكره الزواج في حق من يخل في حقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق، لكن لا يقع ضرراً كبيراً بالمرأة، امرأة غنية ليست بحاجة إلى الزوج، ونفسها لا تتوق إلى معاشرته، فتزوجت، وهو أخل بحقها في المعاشرة وبالإنفاق، لكن هذا الإخلال لطبيعتها ولغناها لن يؤثر فيها تأثيراً بليغاً، فهذا الزواج بحق هذا الزوج مكروه، وليس محرماً، أما إذا انتفت الدواعي والمحظورات فالزواج مباح.
فعندنا خمسة أحكام، الحكم الأول الزواج الواجب والمستحب، والمحرم والمكروه، والمباح، من دون دوافع، ومن دون محظورات مباح، بدافع شديد، وهناك قدرة، وهناك طوق، وهناك خوف العنت فهو واجب، هناك قدرة، وهناك توق، لكن لا يخشى العنت، هذا الزواج مستحب.
هناك فروق فردية أيها الإخوة، الإنسان توقه للنساء، وتوق النساء للرجال فيه درجات، هناك حد إن لم يروَ هذه الرغبة، ربما وقع في الزنا، أو وقعت في الزنا، وهذه درجات، كل إنسان له درجة معينة في هذا الموضوع، وهو أعلم بنفسه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التبتل، والتبتل ترك الزواج، والانقطاع للعبادة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:
(( ائْذَنْ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ ))
[ الجامع الصغير ]
هذا تغيير لخلق الله عز وجل، الخالق العظيم خطط، وصمم، وقنن، احترامك لسننه، ولقوانينه، وللفطرة التي فطر الناس عليها، هذا من العبادة، أحد الصحابة أراد التبتل، فنزل قرآن في حقه، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة المائدة )
بالمناسبة، لو فرضنا أن إنسانًا تأخر زواجه، أو أن امرأة مؤمنةً كريمةً فاتها قطار الزواج، أو أنها زوجت وطلقت، لكن إذا كانت تعرف الله عز وجل فالله عز وجل يجعل لها من الأنس بقربه ما يغنيها عن الزواج، وليس بيدها، وهي عليها أن تسعى، فإذا سعت ولم تفلح بالزواج ماذا تفعل ؟ إذا كانت راضية بقضاء الله وقدره ربما كان هذا أنسب شيء لها، والله أعلم، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، وسيدنا علي يقول: << والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً >>، يعني لشدة إيمانه بالله عز وجل يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة )
أحيانا ربنا عز وجل يفرغ هذا الإنسان تفريغاً إجبارياً، وأحيانا يفرغ هذه المرأة تفريغاً إجبارياً، الزواج مشغلة، مجبنة، مبخلة، لا تعرف أين الخير، المؤمن راض بقضاء الله.
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس عنهم معدل وإن عـدلوا
والله وإن فتتوا فـي حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا

أنا علي أن أسعى، فإن فاتني قطار الزواج ماذا أفعل ؟ أحتسب هذا عند الله، وأشتغل بالصلوات، وقيام الليل، والذكر، وطاعة الله، والدعوة إلى الله، ونشر العلم، فإذا كشف الغطاء كانت هذه المرأة التي فاتها قطار الزواج، واشتغلت بطاعة الله أكرمها الله بجنة عرضها السماوات والأرض، لا تعرف الله عز وجل إذا رحم إنساناً يرحمه، وهو أعزب، فيسعد سعادة تفوق المتزوجين، وإذا رحم امرأةً وهي عزباء، أو وهي عانس، ربما رحمها رحمةً تفوق كل ما رحمت به المتزوجات، فعلى الإنسان أن يرضى بقضاء الله وقدره.
عَنْ سَمُرَةَ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ ))
[ الترمذي، ابن ماجه، النسائي ]
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة المائدة )
هل يُقَدَّم الزواجُ على الحج ؟!
عندنا بحث صغير جداً، وهو هل يقدم الزواج على الحج، أم يقدم الحج على الزواج ؟ وإذا قلنا: الحج، نقصد به حج الفرض ؟ فإذا لم يتزوج الإنسان، ولا يخاف، ويتحمل المسؤولية، لا يعمل، يخاف من المال الحرام، هذا صار عضواً أشلَّ، صار إنساناً سلبياً، والجنة لا تدخلها إلا بالعمل، والعمل مجاله التعامل مع الناس، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( المسلم إذا كان مخالطا الناس، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم ))
[ الترمذي، ابن ماجه عن ابن عمر]
فالسؤال الآية الكريمة: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
( سورة النور )
ألا تجدون في المجتمع إنسانًا ملكًا، وعنده زوجة شريرة، أو العكس، امرأة طيبة طاهرة، مؤمنة طائعة لله عز وجل، وعندها زوج كالوحش، فما معنى هذه الآية ؟ وفي المجتمع أمثلة كثيرة ؟ قل: هذه الآية صيغت صياغةً خبرية، لكن المراد منها إنشائي، يعني ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، يا عبادي أنتم خلفائي في الأرض، أنتم مخيرون، دققوا، ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات.
أحيانا يكون عند إنسان بنت طاهرة حافظة للقرآن الكريم، متعلمة العلم الشرعي، يخطبها إنسان جاهل، لكنه غني، فيوافق الأب على هذا الزواج، وافق وما علم أن هذا الزواج قطعة من الجحيم، هو يحتقر علمها، ويحتقر دينها، ويحتقر ورعها، ويعاملها بفظاظة، هذه تحتاج إلى إنسان ديّن يعرف قيمة حفظها لكتاب الله، وقيمة دينها، فالكفاءة في الزواج موضوع مهم جداً، لذلك يقدم الزواج على الحج إذا خشي الزوج العنت، وبعض العلماء قال: يقدم على حج الفرض، إذا خاف أن تزل قدمه، لأنه من تزوج ملك نصف دينه، فليتقِ الله في النصف الآخر.
الحقيقة كلما تعقدت الحياة تأخر سن الزواج، وأبناء الريف يتزوجون في العشرينات، أبناء المدن في الثلاثينات، وكلما تعقدت الحياة ارتفع سن الزواج، وكلما ارتفع سن الزواج كثر خطر الفسق والفجور، فلذلك ما من عمل أطيب من الدعوة إلى الزواج في وقت مبكر، وما من سبيل إلى ذلك الزواج المبكر إلا تذليل الصعاب.
مرة قلت لكم: هناك قرية من قرى دمشق أنا أكبرها، هذه القرية اجتمع كبراءها، وقرروا أن مهر البنت في هذه القرية خاتم وساعة فقط، ولا نريد سوى ذلك، وما من عمل أعظم من تسهيل الزواج، ابنتك خطبت لبسها الزوج سوارا رفيعًا فلا بأس، أو خاتمًا رخيصًا فلا بأس، لا تدقق إطلاقاً، الحياة جوهرها الوفاق الزوجي، هذا الذهب لا يقدم ولا يؤخر، أما إذا شرط ثلاثمئة ألف ذهبًا، وغرفة النوم نحن نختارها، فذهبوا، واختاروا غرفة بثلاثمئة وخمسين ألفًا، فهذه العقبات هي التي تدعو إلى إحلال السفاح محل الزواج، وكلما الطلبات كثرت، وتعقدت صار طريق الزواج مسدودًا، ولحم النساء رخيصًا، وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما قل ماء الحياء قل ماء السماء، هذه قاعدة، أما إذا غلا لحم النساء رخص لحم الضأن، وإذا كثر ماء الحياء كثر ماء السماء، هذه قاعدة، فلذلك هذه دعوة صارخة إلى تخفيف أعباء الزواج، وهناك آية قرآنية تؤكد هذا المعنى، سيدنا موسى حينما تزوج بنت سيدنا شعيب قال تعالى:
﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
(سورة القصص)
هذه الآية يجب أن تكون شعار كل والد فتاة اتجاه من يخطب ابنته، ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ )، كلما كبر عقل الأب والأم لا يدققون لا بغرف النوم، ولا في الذهب، ولا بموقع المنزل، وكلما صار التعلق بالمظاهر والبعدِ عن جوهر الحياة يصير التدقيق، وينتهي هذا الزواج إلى طلاق، ولا يزال في فترة الخطوبة.
قال أب لصهره: أنا سوف أطلب منك النقد بالتقسيط، فقال له: كيف هو هذا التقسيط ؟ قال له: كل يوم تكلم ابنتي كلمة طيبة، كلامك الطيب، ومعاملتك الطيبة، رحمتك بزوجتك هذا هو النقد الذي تملكه.
هناك أشخاص يضعون عقبات، يضع مهرًا كبيرًا، وهو ليس عقبةً، لأن الزوج الفاسق الفاجر يعاملها معاملة تطلب منه بعد حين أن تعفيه من المهر، ليفتح لها الخلاص، فالمهر ليس عقبةً، ابحث عن زوج مؤمن، إن أحب ابنتك أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها، المؤمن وقاف عند كتاب الله، المؤمن يخاف الله، يخشى عقاب الله عز وجل.
أحاديث من السنة في اختيار الزوجة:
الآن بعض البنود التي وردت عن رسول الله في اختيار الزوجة، وهذا كما قلت قبل قليل يتخذه الشاب في حياته.
الحديث الأول:
أولاً: قال رسول الله والحديث ضعيف:
(( إياكم وخضراء الدمن ـ الدمن بقايا القمامة ـ قالوا: وما خضراء الدمن، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء ))
الدمن بقايا القمامة، والعرق أخضر، وأخطر امرأةٍ امرأةٌ نشأت في بيئة فاسدة، هذا بلاء من الله عز وجل، كل إخواننا الكرام لما ينطلقون إلى أعمالهم بالهم طيب اتجاه أزواجهم، لأن الزوجة عفيفة، أما لو كان الأمر خلاف ذلك كانت الحياة لا تطاق، جحيم في جحيم.
الحديث الثاني:
الشيء الثاني: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلا تَزَوَّجُو هُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ ))
[ ابن ماجه]
الجمال مطلوب، لكن إذا تجاوز حداً معيناً يصبح هذا الجمال عبئاً على الزوج، هناك مشكلات، هناك تطلعات، نظرات، قلق، والمقصود لحسنهن فقط، الخرماء هي مشقوقة الأذن، أو مشقوقة الأنف.
هناك شيء سوف أقوله لكم، وهذا لا يعلمه إلا الله، سر المودة بين الزوجين بيد الله، فعندما يختار الإنسان الزوجة المؤمنة، ولو كان مستواها أقلّ من غير المؤمنة، الله عز وجل يخلق الود بينهما، وهذا ليس في يد أحد، وعندما يختار الإنسان الزوجة الأجمل، وأقلّ ديناً يختار هذا الذي يخلقه الله من الود لا يكون بين الزوجين، لذلك يألف جمالها، وتبقى فظاظتها وكبرها، وعنتها وانحرافها، المحصلة سعادة، وهي غير حاصلة.

كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بارك الله لكم، و بارك عليكم، وجمع بينكما في خير ))
[ أبو داود، ابن ماجه عن أبي هريرة]
أحياناً يبارك الله عز وجل لكل من الزوجين في صاحبه، ما معنى يبارك ؟ أي ينشر الحب والود، وإنجاب أولاد بركة في البيت ومحبة، وأحيانا تكون مساحة البيت أربعمئة متر، فيه أثاث بخمسة ملايين، ثلاث مركبات على الباب، ولا سعادة فيه، بل هو جحيم، السعادة بيد الله عز وجل، تأتي بالطاعة، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، حتى الوفاق الزوجي والسعادة الزوجية تحتاج إلى طاعة لله عز وجل.
في كل عقد قران أقول: إذا بني الزواج على طاعة الله، ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه، لا بيت، ولا الدخل كبير، ولا الجمال،، تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وإذا بني الزواج على معصية الله، ولو توافرت له كل أسباب النجاح تولى الشيطان التفريق بينهما.
فمن يبحث عن السعادة الزوجية فليبحث عنها في طاعة الله، في البيت المسلم، ليبحث عنها في أن يقف كل من الزوجين عند الحدود التي أرادها الله عز وجل، أين الصحابية التي كانت تقول لزوجها: يا فلان، اتق الله فينا، نصبر على الجوع، ولا نصبر على الحرام، الآن الزوجة تظل تضغط على زوجها، وتضغط إلى أن يضطر إلى أن يكسب المال الحرام إرضاءً لها، فيفقد دينه وآخرته من أجل زوجته ز
الحديث الثالث:
حديث ثالث، وهذا الحديث رواه ابن حبان:
(( من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً ))
أحيانا يكون أب البنت غنيًّا، ويطمع الخاطب في مالها، ولا يناله شيء يذكر، تساهل في شروط كثيرة، وغض بصره عن هذا العيب، وعن هذا العيب، وعن قلة الدين، وعن الشكل، وطمع في المال، والمال لم يأتِ، وبقيت تلك العيوب، هذا معنى من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، هو ارتقى بالزواج بهذه المرأة فسيطرت عليه، من أبوك أنت ؟ وأين كان بيتكم ؟ كل يوم تقول له: أبي، فلا يتحمل الزوج.
ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره، ويحصن فرجه، أو يصل بها رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها به.
أروع شيء في الزواج النية الطيبة، أن تطلب من الله زوجة مؤمنة، لكن أعتقد أنه لا أحد فهم منكم أن الجمال غير مطلوب، والحسب غير مطلوب، لا، هما مطلوبان، لكن أول طلب أن يكون فيها دين، ومع الدين جمال، دين، ومع الدين حسب، أما أن تطلب الجمال وحده والحسب وحده والمال وحده ولا يكون في دين.
الحديث الرابع:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))
الحديث الخامس:
وفي حديث آخر عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))
ليس أن تكون هي فائقة الجمال، ولكن تعنتي بشكلها، بهندامها، أما هذه التي تعتني بمظهرها للناس كلهم إلا زوجها فهذه امرأة ضعيفة الإيمان وزوجها تهمله.
((... إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))
يغضب الزوج، ويحلف طلاق، لا يحلو لهذه الزوجة إلا أن تقع في هذا اليمين كي تحرجه، أما المرأة المؤمنة إذا أمرتها أطاعتك، هذه المرأة التي وصفها النبي .
والنبي عليه الصلاة والسلام خطب امرأةً اسمها أم هانئ، فاعتذرت، وقالت: إنها صاحبة أولاد، فلعلها تخشى أن لا تقوم بحقه.
الحديث السادس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ))
كثير من النساء عندما يكبر زوجها تهمله، سوف أذهب إلى ابني أزوره سبعة أيام، لا تخبرني بالهاتف، تفتعل الذهاب إلى بلد أجنبي، وتتركه، كلما زاد إيمان المرأة يزداد عطفها على زوجها إذا تقدمت سنه، أما المرأة الدنيوية إذا كان زوجها شاباً تحبه، فإذا تقدمت به السن أهملته.
ثمة رجل خطب امرأة ذات جمال، لكنها عقيم، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام.
الحديث السابع:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
النبي اختار الولود الودود يعني الذي فيها جمال وسط مع مودة، مع طيب، نظرة حانية، مع طاعة هذا يغلب كل الجمال، أما الجمال البارع، والكلمة القاسية، والنظرة المستعلية، والإهمال الشديد، عندئذ يعاف الزوج هذا كله، ويتمنى أقل منها، ولكنها أحناها عليه.
الحديث الثامن:
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))
حق الزوج أن ينظر إلى مخطوبته، والنبي عليه الصلاة والسلام حبذا البكر لماذا ؟ لأن البكر ليس لها تجربة، كل قلبها لزوجها، أما هذه الذي لها خبرة سابقة، تتكلم عن المرحوم في اليوم مئة مرة، تهلكه للزوج، فقال: له هلا بكراً.
الحديث التاسع:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا فَاطِمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ ))
موافقة السن مهمة جداً، لا يوجد أعظم من سيدنا الصديق، والتقارب في الزواج شيء مهم جداً، كيف أن الرجل من حقه أن يختار، وللمرأة من حقها أن تختار، قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
إذا خطبت المرأة من الشاب، فعلى الأب أن يخير ابنته، هل تريدينه ؟ وأن لا يضغط عليها، لأنه من حقها أن تقول: لا، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
لذلك الآن لا يتم عقد الزواج إلا إذا سمع الموظف المأذون بأذنه موافقة الفتاة، تقول السيدة عائشة: << النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته >>.
ويقول :
(( من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها ))
[ روي في الأثر ]
أحيانا يكون الزوج فاسقًا، أهلها ابتعدوا عنها، وسعادة المرأة أن يزورها أهلها، أحيانا يزورها أخوها، يزورها عمها، خالها، سعادة المرأة أن ترى أهلها في بيتها، أما إذا زوّج ابنته من فاسق، والأسرة كريمة كلها تبتعد عنه، والمقاطعة انتقلت إلى الزوجة.
يقول أحد العلماء: " من كان مصراً على الفسوق فلا ينبغي أن يزوج "، إذا كان مصراً على ترك الصلاة، مصر على ارتياد أماكن اللهو، هذا لا يمكن أن يزوج، يقول لك: آدمي، يعني يشبه بني آدم، هذا معنى كلمة ( آدمي ).
سأل رجل سيدنا الحسن بن علي: << إن لي بنتاً، فمن ترى أن أزوجها له ؟ قال: زوجها لمن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها >>.
يقول الإمام الغزالي: " من زوج ابنته ظالماً أو فاسقاً، أو مبتدعاً أو شارب خمر فقد جنى على دينه، وتعرض لسخط الله عز وجل، وقطع رحمه ".
آخر فكرة في الدرس أن النبي الكريم قال:
(( من جاءه بنتان، فزوجهما أو مات عنهما فأنا كفيله في الجنة ))
معنى زواجهما أن يختار لهما الزوج الصالح، أما إن لم يختر لهما الزوج الصالح فلا تنتهي مسؤوليته، يبقى مسؤولا عن كل معصية في بيت ابنته إلى أن يتوفاها الله، أما إذا اختار لها الزوج الصالح تنتهي عندئذ مسؤوليته. والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 8  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:54 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سلسلة دروسٍ تعالج موضوع الزواج، ذلك أن مشكلةً كبيرةً يعاني منها المسلمون، ألا وهي انصراف الشباب عن الزواج لأسبابٍ كثيرة.
من هذه الأسباب أسباب مادية، وهناك أسبابٌ أخرى، وما من بيتٍ من بيوتات المسلمين إلا وفيه فتياتٌ طاهراتٌ مؤمناتٌ عفيفات ينتظرن ما كتب الله لهن من زواج، فهناك مشكلة لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منها، صعوبات وعقبات، تفلُّت أحياناً، وإرجاء تأخير في سن الزواج أحياناً أخرى، هذه كلها تقلق الآباء والأمهات، نريد أن نرى هدي القرآن الكريم، وهدي السنة المطهرة في هذا الموضوع.

دعوة الإسلام إلى الزواج
وصيةٌ قالتها امرأةٌ، تقول في هذه الوصية: " يا بنيتي، لو أن الوصية تركت لفضل أدبٍ تركت لذلك منك، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونةٌ للعاقل، ولو أن المرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، أو لشدة حاجتهما إليها، لكنت أغنى الناس عنها، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خُلق الرجال ".
هذه سنه الله في خلقه، المرأة خلقت للرجل، والرجل خلق للمرأة، وكما قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الشورى )
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت: آية " 37 " )
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الروم: آية " 21 " )
ما من شابٍ من دون استثناء إلا ويتطلع إلى زوجةٍ مؤمنةٍ، تسره إن نظر إليها وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها.
وما من فتاةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ مؤمنةٍ إلا وترجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل زوجها زوجاً مؤمناً، رجلاً كريماً عفيفاً، هذه حاجةٌ أساسية عند الرجال وعند النساء، ***اذا نجد الطرق المؤدية إلى الزواج مغلقة أو ضيقة ؟
أيها الإخوة الكرام، الإنسان خلقه الله عزَّ وجل، وزوَّده بتعليمات، هذه التعليمات هي الشرع الحكيم.
حكم الشرع في الزواج
قبل كل شيء نريد أن نرى حكم الشرع في الزواج، وحكم الشرع في التبتُّل ( الانقطاع عن الزواج )، ولعل هذين الموضوعين تعرفون أكثر تفاصيلهما من دروسٍ وخطبٍ سابقة، ولكن لا بدَّ من هذين الموضوعين كتمهيدٍ لموضوعٍ دقيقٍ جداً ربما نضع فيه اليد على موطن الجُرح.
ما العقبات التي تقف أمام زواج الشباب بالفتيات ؟ وهل هذه العقبات يمكن أن تذلل أو لا يمكن ؟ وكيف تذلل ؟ فلا يخلو رواد المساجد من أن يكون أحدهم شاباً يتطلع إلى زوجةٍ مؤمنة، أو أن يكون أباً يتمنى على الله عزَّ وجل، أن يهبه زوجاً لابنته مؤمناً، يحفظها ويرعاها، ويكرمها ويحفظ لها دينها.
لذلك الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأريد أن يكون هذا واضحاً أمامكم جميعاً، فأنا أعجب أشد العجب من شابٍ في سن الزواج، وبإمكانه أن يتزوج، وعنده البيت، ويتأخَّر، قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء: آية " 3 " )
حينما بوَّب صحيحه الإمام البخاري جعل هذه الآية في صدر باب النكاح، أو باب الترغيب في النكاح، وقال ابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح الإمام البخاري: " إنها صيغة الأمر "، وأقل درجات الأمر، يقتضي الندب، أقل درجات الأمر الندب، فثبت الترغيب في الزواج: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾
كلكم يعلم أن الأمر الشرعي يقتضي الوجوب، والأمر يقتضي الإباحة، والأمر يقتضي الندب، وهناك أمرٌ ينصرف إلى التهديد.
فأما أمر التهديد فنحو قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف: آية " 29 " )
وأمر الإباحة: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾
( سورة البقرة: آية " 187 " )
وأمر الندب: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء: آية " 3 " )
وأمر الوجوب: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾
( سورة البقرة )
ويقول عليه الصلاة والسلام كما يروي عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال لنا النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))
( صحيح البخاري: رقم " 4677 " )
أي أن من بلغ سن الزواج فعليه أن يتزوج، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، وإني أرجو الله سبحانه وتعالى أن يفكر كل أبٍ تفكيراً جدياً بتزويج أولاده وبناته، وأن يفكر كل شابٍ تفكيراً جاداً في البحث عن زوجةٍ، وعن مستلزمات هذا الزواج.
لبعض العلماء رأيٌ دقيق، هو أن الزواج واجب، والواجب يقترب من الفرض ذلك أن التحرُّز من الزنا فرض، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا بشيءٍ فهو فرض، أي أن هذا الشيء الثاني يرتقي إلى مرتبة الفرض، وهذا رأي بعض العلماء، وعلى كلٍ، الرأي الفقهي المعتمد الذي عليه أكثر الفقهاء أن من تاقت نفسه إلى الزواج، وخشي على نفسه العنت، فالزواج في حقه فرض عين، وهذا الزواج مقدمٌ على فريضة الحج.
والإسلام في الآيات الكريمة أيضاً، رغب في الزواج، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾
( سورة الرعد: " 38 " )
يقول الإمام القرطبي في هذه الآية: " هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحضِّ عليه، وتنهى عن التبتُّل، وهو ترك النكاح، وهذه سنة المرسلين ".
ليس هذا فيه خلاف إطلاقاً، لكن الحديث عن العقبات التي سوف نأتي عليها إن شاء الله تعالى.
وقد روى الإمام الترمذي، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ ))
( سنن الترمذي: رقم " 1000 " )
وروى الإمام ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: (( النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ ))
( سنن ابن ماجة: رقم " 1836 " )
فضل النكاح
أيها الإخوة، مهما بلغ الإنسان من العلم فلا يستطيع أن يرقى إلى التشريع الإلهي، هذا التشريع هو الكمال في حقِّ الإنسان، إذًا على الإنسان أن يتطلع إلى هذه السنة التي سنها النبي عليه الصلاة والسلام.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
( صحيح مسلم: رقم " 2668 " )
أي أن أثمن شيءٍ في الدنيا امرأةٌ صالحة، كما قال النبي:
(( تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إن غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها ))
( أبو داود عن ابن عباس )
وأخرج الإمام الطبراني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي قال:
(( أربعٌ من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها وماله ))
لا تظلمه، لا تخونه لا في نفسها، ولا في ماله، أي أنها حافظةٌ للغيب، حافظةٌ لمال زوجها.
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يهتمَّ الآباء اهتماماً شديداً بتربية بناتهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم، في أحاديث كثيرة يقول:
(( من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما، حتى يزوجهما أو يموت عنهما، فأنا كفيله في الجنة ))
( ورد في الأثر )
البنت التي تأتيك لعلها سببٌ لك لدخول الجنة، لكن الشرط أن تحسن تربيتهما، وأن تختار لها الزوج الصالح.
وروى الإمام الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ] وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ فَقَالَ:
(( أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ ))
( سنن الترمذي: رقم " 3019 " )
أي أنّ هذا هو أفضلُ كنزٍ تتخذونه، وهو أفضلُ من الذهب والفضة.
الحقيقة أن هناك زوجة تعين زوجها على دينه، توقظه في صلاة الفجر، وقد كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها قبل أن يغادر البيت: << يا فلان، نحن بك أي نحن نسعد بسعادتك، ونشقى بشقائك، إنما نحن بك نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، فاتق الله فينا >>، أيْ إياك أن تكسب مالاً حراماً، لو عدت إلى البيت بيدين خاليتين نقبل ذلك، أما إذا عدت بمالٍ حرام فهذا يوردنا المهالك.
ومما يدل على فضل النكاح أيضاً، ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( من رزقه الله امرأةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه ))
( الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف )
أحياناً تكون الزوجة عبئاً على زوجها من حيث دينه، فخروجها لا يرضي الله، له منها أولاد، إن فارقها ضيَّع الأولاد، وإن بقيت معه أتعبته، وأحرجته وأربكته، وهو دائماً قلقٌ في علاقته مع الله عزَّ وجل، ماذا يفعل ؟ أيطلقها أم أيبقيها ؟ ينصحها فلا تنتصح، يأمرها فلا تأتمر، يرشدها فلا ترشد، ماذا يفعل ؟ هذه امرأةٌ لا تعين زوجها على دينه، لكن المرأة التي تعين زوجها على دينه هذه امرأةٌ قديسة، ولها عند الله عزَّ وجل مقامٌ كبير.
وفي روايةٍ للبيهقي، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي ))
( الجامع الصغير عن أنس بسند صحيح)
معصية الزنا لها مقدمات
الحقيقة أننا لو درسنا دراسة علمية حالات تفلُّت الإنسان من الدين، ولا أظن أنني أبالغ إنْ قلت: إن معظم هذه الحالات بسبب النساء، لذلك وردت أحاديثٍ كثيرة تحذِّر المؤمنين من فتنة النساء، وقضية النساء قضية لها جانب دقيق جداً، فهي قضية تتطوَّر، فالإنسان إن لم يقف عند الحدود في البدايات، لا يستطيع أن يقف في النهايات، هذا يؤكِّده قول الله عزَّ وجل: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾
( سورة الإسراء: آية " 32 )
الزنا له مقدّمات، فالذي يتورَّط في المقدمات في الأعم الأغلب يصل إلى النتائج المخزية، لكن المؤمن يطيع الله عزَّ وجل، ويبقى بعيداً عن هذه المقدمات.
لذلك هناك معاص لها قوة جذب، لذلك أمرك الله جلَّ جلاله ألاّ تقترب منها.
كنت ضربت على هذا مثلاً دقيقاً: أن خطاً للتوتر العالي شدّته ستة آلاف فولط، هذا الخط إذا أراد وزير الكهرباء أن يحذِّر الناس منه يضع لوحة بعيدة عنه تقول: " لا تقترب "، لا تقول: لا تمسَّ التيار، لو اقترب من التيار أقلّ من ستة أمتار يصبح قطعةً من الفحم التيار، لأن ستة آلاف فولط تجذب، مثل هذا التيار الشديد يحذر منه بالعبارة التالية: " لا تقترب من التيار "، أما إذا قلنا: لا تمس هذا التيار فإنه قبل أن يمسه يحرقه، فكل معصيةٍ لها قوة جذبٍ، لذلك جاء التحذير منها بهذه العبارة: ( لاَ تَقْرَبُوا )
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
( سورة البقرة: آية " 187 " )
أي لا بد لك من أن تدع بينك وبين حدود الله هامش أمان، فالخلوة تَخرِقُ هذا الهامش، وصحبة الأراذل تَخرِقُ هذا الهامش، وقراءة الأدب الهابط تَخرِقُ هذا الهامش، والنظر إلى شيءٍ هابط تَخرِقُ هذا الهامش، فخرق الهامش أصبحت به معرضاً للوقوع في المعصية.
إن هذا تماماً كنهرٍ عميقٍ مخيف له شاطئٌ مائل، عليه حشائش زلقة، ثم هناك أرض مستوية جافة، فالمشي على الأرض المستوية الجافة فيه كل الأمان، أما المشي على الأرض المائلة الزلقة التي تنتهي بالنهر، هذا المكان خطر، لذلك:
(( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ))
هذا معنى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾
( سورة الإسراء: آية " 32 )
وهذا معنى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
( سورة البقرة: آية " 187 " )
وهذا معنى أن كل معصيةٍ لها قوة جذب، جاء النهي عنها بعبارة: أن لا نقترب منها.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ))
( موطأ مالك: رقم " 1566 " )
فاللسان بين اللحيين.
عقد الإمام الغزالي في الإحياء فصولاً مطولةً حول آفات اللسان، ففي الحديث الطويل عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ:
(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2541 " )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))
( صحيح البخاري: رقم " 5997 " )
الغيبة والنميمة والسخرية، والبذاءة والسب واللعن، وما إلى ذلك هذه كلها من آفات اللسان، فاللسان مهلك، وما بين الرجلين مهلك.
فيقول عليه الصلاة والسلام:
((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ))
( موطأ مالك: رقم " 1566 " )
والترغيب الأخير، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه، أنه قال:
(( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ ـ كأنهم عجبوا من هذا ـ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ))
( صحيح مسلم: رقم " 1674 " )
هذا حكم الشرع في موضوع الزواج، فالزواج جزءٌ من الدين، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ))
( ورد في الأثر )
لكن أيها الإخوة، إياكم أن تظنوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يباهي بقية الأمم بالكمِّ مِن أمته، إطلاقاً، لا يتباهى إلا بالنوع، فأمةٌ شاردةٌ ضائعةٌ، أولادها في الأزقة، ليسوا متعلمين، وليسوا مهذبين، بعيدون عن الدين، هؤلاء الأولاد لا يُتباهى بهم يوم القيامة، الأمة التي يتباهى بها النبي يوم القيامة هي أمة الاستجابة التي آمنت، وأقبلت، وارتقت. نهي الإسلام عن الإعراض عن النكاح والأدلة على ذلك
شيءٌ آخر، من لوازم هذا البحث أن الإسلام نهى عن الإعراض عن النكاح، حتى لو كان بغرض الاشتغال بنوافل العبادات، فأنت كونك مؤمنًا ينبغي لك أن تعبد الله لا على مِزاجك، ولا على رؤيتك القاصرة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يُعبَد إلا وفق ما أمر، فأي اجتهادٍ في عبادته مخالفٍ لنص القرآن الكريم وللسنة المطهرة هو اجتهادٌ مرفوض، فينبغي لك أن تعبد الله وفق ما أمر، وقد أمرك بالزواج، أما أن تتوهم أن عبادة الله من دون زواج تكون أقرب، أو أكثر قبولاً، فلا، والنبي عليه الصلاة والسلام قمة البشر في تقواه قال:
(( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ـ ومع ذلك ـ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[متفق عليه]
فالاقتران بامرأة لا يعني أنك أقل مرتبة عند الله مِن الذي لم يقترن، بالعكس فالزواج يستكمل به الدين فليتق الله في النصف الآخر، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
( سورة المائدة )
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: << قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية، في رهطٍ من أصحاب النبي e، قالوا: نقطع مذاكرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض، كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلَّم، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، قالوا: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني ))
هذه الآية نزلت بهذه المناسبة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
ينبغي أن تعبد الله وفق المنهج الذي أراده لك، وفي حديثٍ آخر رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:
(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ـ أي رأوا أن عبادتهم قليلة أمام عبادة النبي e ـ فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ أَحَدُهُم: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
( صحيح البخاري)
وأرقد: رقد، وركض، وركد.. ركد أي سكن، ماءٌ راكد، رقد نام، ركض عدا.
وروى الإمام البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم رد على عثمان بن مظعون التبتل، أي رفض منه التبتل، كلكم يعلم أن أمر النبي سنة، وأن نهيه سنة، وأن سكوته إقرار وهو سنة، وأن صفته سنة أقواله وأفعاله وإقراره وصفاته، كلها من السنن.
فما دام هذا الصحابي الجليل أراد التبتل، وابتعد عن امرأته، وقالت عنه بذكاءٍ بالغ: إنه صوّامٌ قَوّام، أي شكت زوجها للنبي ، بهذه العبارة، إنه صوّامٌ قوَّام، فالنبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان بن مظعون وقال: يا عثمان، أليست لك بي أسوة ؟ أي أن هذا الذي تفعله لا يرضي الله عزَّ وجل، تروي كتب السيرة أنه بعد حينٍ دخلت امرأة عثمان بن مظعون على السيدة عائشة، وقد رأتها نضرةً عطرة، فقالت: << كيف حالك ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس >>.
أي أن عثمان بن مظعون التفت إليها بعد أن تركها، إذن حينما ردَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم على عثمان ابن مظعون التبتُّل، هذا الرد كأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى به عن التبتل.
وروى الإمام أحمد عن أنسٍ رضي الله عنه قال:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
( مسند أحمد: رقم " 13080 " )
نهى نهياً شديداً، وقال: (( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
يقول أحد العلماء تعقيباً على هذا الحديث: " هذا حثٌ على النكاح شديد، ووعيدٌ على تركه يقرِّبه إلى الوجوب ( النكاح ) والتخلِّي عنه، يقربه إلى التحريم ".
وذكر سعيد بن هشام بن عامر أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن التبتل فقالت: << لا تفعل، أما سمعت قول الله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾
( سورة الرعد: آية " 38 " )
فلا تتبتل >>.
وروى الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة عن شداد بن أوس رضي الله عنه، وكان قد ذهب بصره، قال: << زوِّجوني، فإن رسول الله e أوصاني ألا ألقى الله أعزبَ >>.
صار الزواج نوعًا من الطاعة لله عزَّ وجل.
وعن سيدنا معاذ رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه قال: << زوجوني، إني أكره أن ألقى الله أعزبَ >>.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: << لو لم أعش، أو لم أكن في الدنيا إلا عشراً لأحببت أن يكون عندي فيهن امرأة >>، ولو لعشرة أيام.
وسيدنا عمر له قول مؤثر جداً، يبدو أنه قد رأى رجل عزف عن الزواج، ويبدو أنه في مكنته أن يتزوج، فقال رضي الله عنه: << ما يمنعك من النكاح إلا عجزٌ أو فجور >>.
أي أن الذي ينصرف عن النكاح إما يفسَّر هذا بعجزه أو مرضه، أو يفسر بفجوره.
آخر قول للإمام أحمد بن حنبل، يقول: " من دعاك إلى غير التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام ".
وبالطبع أنا لم أضف إلى معلوماتكم شيئاً جديداً، كلكم يعلم علم اليقين أن الإسلام دعا إلى الزواج، وأن الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الإنسان بالزواج يستكمل دينه، إلا أن الموضوع الذي أردت أن أخوضه في هذه الدروس ليس تقرير هذه الآيات والأحاديث، فهذه تعرفونها جميعاً، وما زدت على ثقافتكم شيئاً بتلاوتها على أسماعكم، إلا أنني أريد، أو نريد في هذه الدروس أن نضع اليد على الجروح والعقبات، ما الذي يحول بين الشباب وبين الزواج ؟ هناك أسباب مادية، وهناك أسباب اجتماعية، وهناك فقر حقيقي، وهناك فقر مصطنع.
أسباب العزوف عن الزواج
غلاء المهور والطلبات التعجيزية
الفقر المصطنع، هذا الذي سوف نحاربه، فمثلاً غلاء المهور، أو بيت له صفات معينة ليس في قدرة معظم الناس، أو عمل له صفات معينة، فالناس حينما اتجهوا إلى المباهات في الزواج صارت الطلبات خيالية، أو طلبات كما تسمى تعجيزية، فالآن والحقيقة قبل سنوات كثيرة الزواج طريق إجباري إلى قضاء هذه الحاجة، أما الآن مع ضعف الإيمان هناك آلاف السبل لقضاء هذه الحاجة من دون زواج، وهذا ما تدعوا له المؤسسات غير الإسلامية في العالم، وقد عُقِد مؤتمر السكان في أكبر بلد إسلامي ليحضَّ دول العالم الثالث على تشريعات تبيح العلاقات الجنسية خارج الزواج، فهذا ما أراده مؤتمر السكان في القاهرة.
فحينما نعقِّد الأمور على المتزوجين، حينما نضع العقبات أمام الشباب المسلم، هذا الكلام موجَّه للشباب، ولآباء الشباب، ولآباء الفتيات، وللفتيات، حينئذ يلجأ الناس إلى الحرام.
عندنا حلاَّن، إما أن يغلق باب الزواج إغلاقًا حُكميًّا، طبعاً المغالاة في المهور والطلبات التعجيزية، هذه تحول بين الشباب والزواج، والشباب مع ضعف إيمانهم، ومع يقظة الفتن في أي مكان، في الطريق، وفي البيت، وفي أجهزة اللَّهو، مع يقظة هذه الفتن، وضعف الوازع الديني، فالانزلاق إلى الزنا محتمل، بل إن احتماله كبير جداً، فإما أن نسهِّل سبل الزواج، أو أن يكون السفاح محل النكاح.
وإذا فسد الإنسان في أخلاقه، وإذا زلَّت قدمه في شأن الزواج، فآثر السفاح على النكاح، ينتهي، فالزنا معصية كبيرة، قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
هذه صفات عباد الرحمن، ومن هذه الصفات: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
أدق ما في هذه الآية أن الله عزَّ وجل لم ينهَ عن الزنا، بل في هذه الآية نفى الزنا أصلاً، أي ليس من شأن المؤمن أن يزني، والعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني، والفم يزني، والرجل تزني، ولا يزنون مطلقاً، فليس من شأن المؤمن أن يزني، فالبديل هو الزواج، لذلك لا أبالغ إذا قلت: إن من أعظم الأعمال على الإطلاق التزويج، ولا سيما في زمن الفتنة، في زمن النساء الكاسيات العاريات، هذا من دلائل نبوة النبي e، امرأةٌ كاسيةٌ عارية، إما بالثياب الرقيقة أو بالضيقة، كاسيةٌ عارية، مائلةٌ مميلة، في زمن النساء الكاسيات العاريات، في زمن أن الجنس يحتل أكبر مساحة في حياة هذا العصر، فلو أردت أن تشتري سلعة رخيصة مبتذلة لتلميع الحذاء وجدتَ عليها صورة امرأةٌ شبه عارية، أليس كذلك ؟ تستخدم المرأة في كل شيء، وهذا من هوانها على أهل الكفر، تستخدم كسلعة، المرأة مقدسة في الإسلام، المرأة أم، المرأة زوجة، المرأة بنت، المرأة أخت، لكنها في مجتمعات الكفر سلعةٌ تجارية تباع وتشترى.
ولا أريد أن أذكر في هذا المجلس المقدس ما يجري في شرق آسيا، فقد أسموها تجارة الرقيق الأبيض، فقد بلغ عدد المومسات بمئات الألوف، ويجري هذا في وضح النهار، وفي الفنادق، وفي الطرقات، وفي البيوت، وحتى في المدن الإسلامية بدأت تتسع دائرة الدعارة، فهذا كله حينما نعقِّد الزواج، ونضع العراقيل، ونضع العقبات، ما الذي سوف يكون ؟ يحل السفاح محل النكاح، فالأمر خطير جداً، فلا يقل الإنسان: أنا لا شأن لي بذلك، فابنتك، وابنة أخيك، وابنة أختك، وابنة قريبك في مجتمع مترابط، فإذا ما نهضنا إلى حل هذه المشكلة على قدر المستطاع نقع في الهاوية.
سأضرب لكم بعض الأمثلة:
أنا أتمنى على كل أب أن يجهد، وأن يفكر ليلاً ونهاراً، صبحاً ومساءً، في شأن تزويج أولاده، الذكور والإناث، فإذا كان همّ الأب الأول تزويج أبنائه الذكور عن طريق تيسير البيوت، إذا كان الأب ميسوراً، ما الذي يمنعه أن يوفر لابنته بيتاً ؟ عندئذٍ يأتيه أفضل الشباب خلقاً وديناً، عقبة البيت أكبر عقبة، فكل إنسان ييسر زواج شاب مسلم بشابة مسلمة، فيوفر بيت، أو يقدم بيتًا، يتعاون الناسٌ على شراء بيت، ولا أقول: ما نوع البيت ؟ فنوع البيت انتهى، غرفة ومرافقها فقط في دمشق، في طرف دمشق، خارج دمشق، الموضوع أخطر من أن نطلب صفات البيت، فالقضية أصبحت قضية سفاح أو نكاح لا غير، إما أن يكون السفاح، وإما أن يكون النكاح، بالسفاح ينتهي المجتمع، وبالسفاح انتهت المجتمعات الغربية، فإذا رأيتم أن هذه المجتمعات قائمة فهي قائمة على أدمغة الأجانب، فالجنس والمخدرات، وتبادل الزوجات، وزنا المحارم، والشذوذ، وقد بلغ الشاذّون عشرين مليون شاذ في أمريكا، حتى في بعض البلدان أصبح الشذوذ مشروعًا، لهم حقوق، كالتعويضات العائلية، وغيرها من الحقوق الكثيرة، فإذا ذهب أحدكم إلى أوروبا يعرف كل هذا، فنحن الآن أمام مشكلة سفاح أو نكاح، النكاح يحتاج إلى تسهيلات، ماذا يقول القرآن الكريم ؟
﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾
( سورة القصص: آية " 27 " )

أنا أوجه كلامي لكل أب أن لا يضع شروطًا صعبة، فالحلي والماس أَلْغِها، وليكن الذهب، ففي قرية من قرى غوطة دمشق أنا أكبرها إكباراً شديداً، بلغني أن وجهاءها اجتمعوا واتفقوا على أن خاتماً بسيطاً وساعةً تكفي كمهر لأي فتاة في هذه القرية.
إخواننا الكرام، إذا رأى الإنسان المجتمع في فساد كبير:
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
( سورة الأنفال: آية " 25 " )
فتصور أن أحد البيوت يحترق في آخر الحارة، فإذا كان بينك وبين البيت المحترق عشرة بيوت، إذا لم تخرج وتساهم في إطفاء النار، لا بدَّ من أن تصل إلى بيتك، وإذا ساهم المسلمون المؤمنون في حل هذه المشكلة فلا يصل التأثير إلى بيوتات المسلمين.
والعبد الفقير بحكم عملي في الدعوة إلى الله عزَّ وجل تأتيني معلومات دقيقة جداً، فقد بدأ الفساد ينتشر في بيوت المسلمين، وبدأنا نسمع عن حالات خيانات زوجية كثيرة، وعن حالات زنا كثيرة في بيوتات المسلمين، فالفساد بدأ لوجود المثيرات، والزواج شيءٌ بعيد، أو مستحيل، ولا يوجد بيت، والطلبات عالية جداً، فوجد التفلُّت، فلضعف الإيمان، ولوجود المثيرات، والطرق مسدودة، وعقبات كؤود تجد السفاح يحل محل النكاح.
ما أردت من هذه المقدمة أن أثبت لكم أن الإسلام يحض على الزواج، هذا شيء معروف عندكم، فأنتم طلاب علم شرعي، ولكم باعٌ طويل في العلم، وتعرفون هذا كله، وما أظن أني أضفت على ثقافتكم الدينية شيئاً، إلا أنه لا بد من هذه المقدمة كي نصل إلى معالجة العوائق التي تقف أمام هذا الموضوع.
أهمية السعي والتوسط للتزويج
فأول شيء ممكن أن نذكره، أن إذا كان الله عزَّ وجل على يدك أجرى زواج هذا عمل عظيم، فأذكر أتي قرأت في الأثر: " أن من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ، كان له بكل خطوةٍ خطاها، وبكل كلمةٍ قالها، عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها ".
أما الكلام الذي يقال: " أمشي بجنازة ولا تمشي في زواج "، فهذا كلام الشيطان، فأحد أبواب التسهيل، أنك إن كنت تعرف أسرة محافظة ومسلمة، وعندها فتيات طاهرات عفيفات، وتعرف كذلك شاباً يبحث عن زوجة، فلا مانع أبداً أن تكون وسيطاً بينهما، فتدلَّه على هؤلاء، سيدنا شعيب ماذا قال لسيدنا موسى ؟

﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾
( سورة القصص: آية " 27 " )
هذا هو القرآن، فلا يوجد مانع أبداً إذا كان للإنسان فتاة مناسبة، يثق بدينها وورعها، وبصلاتها، وفِقهها، ورأى شابًا فقال له: يا بني، عندي فتاة تناسبك فأخبر أهلك، وأنا لا ألزمك، لكن لعل هذا الشاب يكون مناسبًا لهذه الفتاة.
إنّ أول شيء أطلبه منكم أن يكون الإنسان واسطة خير، بيوتات المسلمين ملآنة بالفتيات في سن الزواج، وطلاب الزواج قلّة، فقد يمضى شهر أو شهران وثلاثة أو أربعة أشهر، ولا يقول لي واحد: أريد أن أتزوج، وذلك بسبب وجود عقبات كثيرة، والبيوت ملآنة بالفتيات، وبالطبع من عنده بنت قد ربَّاها تربية عالية فمن غير المعقول أن يفرط فيها فيزوجها شابًا جاهلا، أو شابًا ليس عنده دين، أو شابًا بالتعبير الحديث ( اسبور ) مثلاً، هذا غير معقول، هو تعب في تربيتها التربية الدينية، وعلمها الصلاة والاستقامة، وعلّمها تلاوة القرآن، وبعد ذلك لا يليق بفتاة مؤمنة أن يتزوّجها شاب متفلِّت، فتاة تحفظ القرآن، تصلي قيام الليل، محجبة حجابًا كاملا، يأخذها شاب فيضيِّعها، فالأب معه حق، يقول لك: لا أستطيع تزويجها، وقد حضر أول خاطب، والثاني، والثالث، والرابع، فهذه الفتاة رُبِّيَت على الدين من أجل أن يأتيها خاطب مؤمن، فهذا المؤمن لماذا يعزف عن الفتاة المؤمنة، ويبحث عن شيءٍ زائفٍ ؟!! من تزوج المرأة لجمالها، المقصود فقط، لا، الجمال مطلوب، لكن، من تزوجها لجمالها فقط أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك.
أيها الإخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو إخواننا الكرام أقرب الناس، ونحن أسرة واحدة، فحينما أعلم أن هذه الفتاة خطبت من شاب مؤمن، والله أشعر بشعور لا يقدَّر، فأشعر أن فتاة التقت بفتى، وهذه الفتى مؤمن وهي مؤمنة، وأسّسا مشروع بيت إسلامي، وأقول لكم كلمة: هناك آية قرآنية هي للجهاد، ليس لها علاقة بالزواج أبداً، لكن لا أشعر ولا أدري أنني كلما ذكرت موضوع الزواج أذكر هذه الآية:
﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾
( سورة النساء: آية " 104 " )
فعندما يبحث الزوج المؤمن عن زوجة، والبحث عن بيت هو صعب جدًّا، بل شبه مستحيل، حتى لو كان بيت أجرة، أو ملك، أو بعيد، أو قريب، وتأسيس البيت أصعب، وتأمين ثمن الحلي أصعب وأصعب، فالشيء صعب، والمؤمن يجد هذه الصعوبات، وغير المؤمن يجد هذه الصعوبات، لكن شتَّان بين زواج المؤمن وزواج غير المؤمن، فالمؤمن يرجو من زواجه أن يؤسس أسرة إسلامية، هذه الأسرة تكون نموذجًا للبيت المسلم.
فأيها الإخوة، إن شاء الله في دروس قادمة سوف أصل إلى تفاصيل كثيرة عن العقبات، وهذا درس واقعي يعاني المسلمون منه، لأن طرق الزواج أكثرها مغلق.
إنّ الطبقة الغنية جداً لا مشكلة عندها، لكن نحن نعاني، شاب ناشئ في طاعة الله، مثقف، عنده قوت يومه، ولكن ليس عنده بيت، البيت عقبة كبيرة، والله مَرة دُعيتُ، شهد الله، فما شعرت بسعادة تفوق هذه الدعوة، أحد الأطباء الكرام، ممَّن يعمل في الأمراض التناسلية والبولية، فقد رأى تفاقم الأمراض التناسلية بشكل مريع، له في مهنة الطب مثلاً أربعين أو خمسين سنة، يأتيه في الشهر مريض معه مرض تناسلي، يقول: الآن في اليوم الواحد يأتيه عشرة مرضى، كل يوم أمراض تناسلية مخيفة، كلها من الفاحشة والزنا، فدعانا إلى بيته، ودعا بعض الإخوة الدعاة إلى الله عزَّ وجل، ودعا بعض كبار التجار، وقد سمعت أنهم أسسوا بناء، ولتوفير الأبنية لهؤلاء المتزوجين، فهذا عمل طيب جداً، الآن نحن بحاجة إلى مشاريع خيرية.
سمعت عن أحدهم ببعض قرى دمشق أنه قد أسس أربعة أبنية سكنية، كل بناء مؤلَّف من ستة طوابق، وكل طابق به ثماني شقق، ولم يبع هذه البيوت إطلاقاً، ولكنه أجّرها للشباب بأجرة معقولة، فقد حل مشكلة مثلاً مئة أسرة بهذه الطريقة، الآن القضية قضية وكمثل باللَّغة الإنجليزية، " نكون أو لا نكون "، فالآن زواج أو سفاح.
طبعاً المؤمن موضوع آخر، أما هؤلاء الشباب الضائعون الشاردون ضعاف الإيمان، تكون أمامهم عقبات كثيرة في طريق الزواج، ومغريات كثيرة، وفتن يقظة، الحل هو الزواج، وبالزواج يحصَّن الإنسان، كما قال النبي الكريم:
(( فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
أرجو الله سبحانه وتعالى بدءاً من أن تكون وسيطاً بين زواج إسلامي، أو تيسير بيت مثلاً، وإذا كنت أبًا فيسِّر الأمر، فكلما طلب الأب طلباً معقداً يكون بذلك قد سدّ باب الزواج، وهناك آية قرآنية دقيقة جداً: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾
( سورة النور: أية " 33 " )
هل تتصور أن على وجه الأرض إنساناً عنده ذرة من الإيمان يكره فتاته على البغاء ؟ مستحيل، لكن ما معنى الآية، وهي تخاطب المؤمنين ؟ معناها أن الذي يضع العراقيل أمام خطَّاب ابنته، ويطلب شروط معينة، وأشياء معينة، كأنه يقوِّي في ابنته الشهوة، كأنه يقوي في ابنته التفكير بالانحراف، هذا العضل من الكبائر.
فالموضوع إن شاء الله لم نبدأ فيه، فهذا الدرس مقدمة، ففي الدرس القادم إن شاء الله نبحث في العقبات التي يمكن أن تكون عقباتٍ كؤود أمام الزواج، فعندنا عقبة الفقر، وعندنا عقبة الفقر المصطنع، الفقر المصطنع أي المغالاة بالمهور، والشروط الصعبة، وكل إنسان يمكنه أن يتزوج زواج بسيط، أما الزواج الذي يفتخر به فيحتاج إلى ملايين، فحينما نضع هذه الشروط نكون أفقرنا طلاَّب الزواج إفقاراً مصطنعاً.
وإن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نزيد هذا الموضوع دراسةً وبحثاً، لكن أرجو أن يفكر كل شاب في الزواج، وأختم هذا الدرس بهذا الحديث الذي في الجامع الصغير، أين يوجد طائفة أحاديث تبدأ بكلمة حق، حق الأبِ، حق الابن على أبيه، حق الزوجة على زوجها، حق المسلم على المسلم، لكن هناك حديث واحد أنا لا أشك أن واحداً منكم لو قرأه يقشعر جلده:
(( حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف ))
[الجامع الصغير]
<< ما شكا أحدٌ إلى النبي ضيق ذات يده إلاّ قال له: اذهب وتزوَّج >>.
هذا الكلام عميق جداً، فكل شاب يبتغي الإحصان، يبتغي العفاف، يبتغي أن يبقى في طاعة الله، يبتغي رضوان الله، الله عزَّ وجل يعينه بآيةٍ دالةٍ على عظمته، ووالله عندي عشرات ولا أبالغ، بل بضع عشرات القصص التي لا تكاد تصدق لغرابتها، فعندما يعلم ربنا عزَّ وجل من شاب صدقه في الطاعة، وخوفه من المعصية، ورغبته في الإحصان والعفاف ييسّر له الأمور بشكل عجيب، وقد تقولون: لمَ اخترت هذا الموضوع ؟ طبعاً مع شيوع الفساد، ومع إثارة الفتن، ومع النساء الكاسيات العاريات، ومع المجلات الخليعة، ومع الأجهزة الإعلامية التي لا ترضي الله عزَّ وجل، مع هذه الصحون التي زرعت على أسطح دمشق، وكل صحن ينبئ بما في هذا البيت من معاصٍ ومخالفات، مع انتشار هذا الفساد، الحل الوحيد هو الزواج والإحصان، هذا هو البديل، البديل ينبغي أن يكون ميسراً، كل واحد يساهم، إذا كان في مقدور الأب أن ييسر لابنه بيتًا في أطراف المدينة فقد ساهم وزوج ابنًا، وعندما زوج ابنه ستر فتاة مع ابنه، وأمَّن هذه الفتاة المسلمة وأدخل على قلب أبيها السرور، وأدخل على قلب ابنه السرور، فهذا عمل عظيم.
وأنا أقول لكم: الذي حج مرة ومرتين، الذي أدى حجة الفرض، والله الذي لا إله إلا هو أولى له ألف مرة أن يزوج ابنه من أن يحج حجة النفل، ألف مرة، ولا سيما في هذا الزمن، زمن الفجور.
إذاً، حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف، هذا الكلام لكل الآباء، آباء الفتيان، وآباء الفتيات، والفتيان، والفتيات، والحديث يقول:
(( من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ))
من كثرة التفكير بالمصاريف والنفقات لا يتزوَّج، لا بد من الاتكال على الله عزَّ وجل، والله ييسّر، لا بد من خطوة جريئة، أما أن تقول: أنا لا شغل لي بهذا، فهذا كلام مرفوض، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وأنت حينما تنوي الزواج الله عزَّ وجل يعينك.
وشيء آخر، لا يليق بمؤمن له منهج ديني، ويثقِّف نفسه ثقافة إسلامية، ويلتزم شرع الله، أن يبحث في بيوتات غير بيوتات المؤمنين عن زوجة، هذا البيت بيتٌ يُتلى فيه القرآن، والفتيات محجبات، والأب مسلم، والأم طاهرة، مثل هذه البيوت التي تقام فيه شعائر الدين هي أولى بيت أن تطرق بابه.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 9  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 10:56 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عوائق الزواج ومشكلاته
أيها الإخوة والمؤمنون، مع الدرس الثاني من دروس موضوع الزواج الذي أردت أن يكون غِطاءً للمشكلات التي يعاني منها المجتمع المسلم، وقد وعدتكم في الدرس الماضي أن أتحدث عن العوائق التي تقف أمام الشباب إذا أرادوا الزواج.
الحقيقة أن من أكبر هذه العوائق موضوع الفقر، فالإسلام بادئ ذي بدء لم يكتف بالترغيب في الزواج، بل أمر بتعجيله، فقد روى الإمام الترمذي عن عليٍ رضي الله عنه أن النبي قال له:

(( يَا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
الترمذي]
إذا آنت أي آن أوانها، أي دخل وقتها.
ينبغي أن نكون جميعاً من أنصار الزواج المبكر لشبابنا وشابَّاتنا على حدٍ سواء، بل إن تأخير الزواج له مخاطر كبيرةٌ جداً، ليس أقلّها الانحراف:
(( يَا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[الترمذي]
أيها الإخوة الكرام، من بعض مضار تأخير الزواج الوقوع في الحرام، الزواج حصن للفتى وللفتاة.
العائق الأول: الفقر – معالجته
الآن العائق الأول الذي يقف أمام الشباب هو الفقر، فكيف نعالج هذا العائق ؟
أولاً: ينبغي أن يُعالج بما يسمَّى الدعم المعنوي للفقير، والدعم المعنوي يحتاج إلى دعم مادي أيضاً، فماذا نعني بالدعم المعنوي ؟
الحقيقة أن الإنسان إذا افتقر إلى المال ربما فقدَ ثقته بنفسه، وربما جنح إلى الظن أنه عاجزٌ عن أن يُقدِم على هذا المشروع الكبير، وربما توهَّم أن الإحجام عن الزواج خيرٌ له من هذه الورطة الكبيرة، هذه كلها مشاعر نفسية تنتاب من افتقر إلى المال، فتضعف ثقته بنفسه، ويتوهم أن الإحجام عن الزواج خيرٌ له، يشعر أنه يعجز عن الإقدام على هذا المشروع الكبير، بل إن الذي تضيق ذات يده يفقد كثيراً من خصائصه النفسية، فالإنسان له خصائص، وله قدرات، فإذا ضاقت يده عن أن تملك ما يقيم أوْده فَقَد كثيراً من خصائصه الأساسية التي أكرمه الله بها، والناس لضعف إيمانهم ولضعف تفكيرهم لا ينظرون إلى الفقير إلا على أنه فقير، وينسون أن هذا الذي أمامكم إنسان يتمتع بالفكر والعقل، والإدراك والنفس والمشاعر، والمبادئ والقيم، لذلك الناس التائهون الشاردون عن منهج الله عزّ وجل يحجمون عن تزويج الفقير لتوهمهم أنه لا يستطيع أن يُسعد ابنتهم، وقد تكون الحقيقة عكس ذلك.
نحن نعود إلى كتاب الله:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
( سورة النساء: آية " 65 " )
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 36 " )
ماذا قال الله عزّ وجل في القرآن الكريم ؟ قال: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
وأمام هذه الآية وقفةٌ طويلة، ] أَنْكِحُوا[ فعلُ أمرٍ، و]الأَيَامَى[ جمعُ أيّمٍ، والأيِّم أيّ شخصٍ ذكراً كان أو أُنثى لا زوجة له، ]أَنْكِحُوا الأَيَامَى[، والأمر موجه إلى مجموع الأُمة، وإذا وجِّه الأمر إلى مجموع الأمة فهو موجهٌ بالتبعية إلى أُولي الأمر، لأنهم ينوبون عن مجموع الأمة في إدارة أمورهم.
ماذا يقول العلماء الكبار في هذه الآية ؟ يقول ابن العربي في تفسيره: " في هذه الآية دليلٌ على تزويج الفقير، والفقير ليس له الحق أن يقول: كيف أتزوج وليس لي مال ؟ فإن رزقه ورزق عياله على الله عزّ وجل "، وفي القرآن الكريم:
﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
طرق معالجة الفقر: (1) الدعم المعنوي
نبدأ الآن بالدعم المعنوي: يجب على من لا يملك مقومات الزواج أن يشعر أن هذا العمل يغنيه، فإنْ يكونوا فقراء قبل الزواج يغنِهم الله من فضله، والنبي عليه الصلاة والسلام زوَّج صحابيةً من بعض أصحابه، وليس له إلا إزارٌ واحد، وقد زوَّج النبي بعض أصحابه على سورةٍ يحفظها من كتاب الله.
القاضي أبو مسعود يقول: " اطلبوا الغنى في هذه الآية "، أيْ إذا أردت أن تكون غنياً فتزوج، لأنه ما شكا أحدٌ إلى النبي e ضيقَ ذاته إلا قال له: " اذهب فتزوج ".
القصد أن الإنسان الذي لا يملك ما يكفي للزواج أن يشعر أن الله سبحانه وتعالى سوف يغنيه إذا أقدم على هذا الزواج، لكنك إذا أردت أن تكون واقعياً، هذا الغنى الذي يكون بعد الزواج ربما شاءه الله، وربما لم يشأه سبحانه، لكي تكون واقعيًّا، إنْ شاءه فلحكمةٍ بالغة، وإن لم يشأه فلحكمةٍ بالغة، لذلك قال تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
الأصل أن الذي يقدم على الزواج يغنيه الله سبحانه وتعالى إن شاء.
أحياناً الأب يكون غنياً، وهذا ابنه، والأصل أن يعطيه ما يريد، لكن إذا ثبت للأب أن هذا العطاء ربما أضرَّ مستقبله، ربما استخدمه فيما لا يرضي، قد يمنع الأب ابنه من عطاءٍ لحكمةٍ يراها، لذلك الغنى هنا الذي وعد الله به من يقدم على الزواج مرتبطٌ بمشيئة الله عزَّ وجل، ماذا يقول الصديق رضي الله عنه في هذه الآية ؟ يقول: << أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى >>.
ماذا يقول سيدنا عمر عن هذه الآية ؟
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
( سورة النور: آية " 32 " )
يقول عمر رضي الله عنه: << ما رأيت مثل من يجلس أيماً بعد هذه الآية: ] أَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُم[ >>.
ما رأيت: أي أنا أعجب أشدَّ العجب مما يبقى أيماً بعد هذه الآية، هذا قول سيدنا عمر.
ويقول أيضاً: << التمسوا الغنى في الزواج >>.
الإمام البخاري في صحيحه عقد باباً تحت عنوان تزويج المعسر لقوله تعالى:
﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
في شرح ابن حجر العسقلاني لصحيح البخاري، يقول ابن حجر: " إن الفقر في الحال لا يمنع التزويج لاحتمال حصول المال في المآل ".
هناك مناقشة دقيقة أرجو أن تكون واضحةً لديكم، الله عزَّ وجل يغني الأعزب أو يفقره، ويغني المتزوج أو يفقره، مادام الغنى الذي وعد الله به منوطاً بمشيئة الله معنى ذلك أن يمكن للإنسان أن يتزوج ولا يغتني، أو يكون أعزب وهو فقير، وقد يكون أعزب وهو غني، ومادام هذا منوطاً بمشيئة الله عزَّ وجل ***اذا ربط الله الغنى بالزواج ؟ حسب المعنى الدقيق للآية يمكن أن يغني الله الأعزب أو يغني المتزوج، أو يفقرهما معاً، ***اذا ربط الله عزَّ وجل الغنى بالزواج ؟
يجيب العلماء بأن الإنسان في الأعم الأغلب يتوهم أن الزواج إنفاق المال وإنجاب الأولاد، وتأمين الطعام والشراب والكساء، ففي توهم بعض الناس أن الزواج يعني المزيد من المال، وأن العزوبة ربما كانت أخفُّ إنفاقاً من الزواج، لأنه نظر إلى الأسباب، ولم ينظر إلى المسبِّب، فلذلك طمأننا ربنا جلَّ جلاله وقال: لا تربطوا بين الزواج والفقر ولا بين الغنى وترك الزواج، فالله سبحانه وتعالى هو المغني، وهو المعطي، وهو الذي يرفع الإنسان من حالٍ إلى حال.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ثلاثةٌ حقٌ على الله... ))
بالمناسبة إذا وردت كلمة على مع لفظ الجلالة فهي تفيد الإلزام، لكن الله من يلزمه ؟ قال العلماء: إذا قال الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود)
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود: آية " 6 " )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
أي أن الله جلَّ جلاله ألزم نفسه إلزاماً ذاتياً أن يعين كلَّ طالب عفاف من دون استثناء، أفلا يكفي هذا الحديث: (( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
[الترمذي]
هذا الذي أريده من كلمة دعم الفقير الدعم المعنوي، أي أن الفقير ينبغي أن يقدم ينبغي ألا يحجم، لأنه من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا، بل يجب أن يأخذ بالأسباب، وأن يتوكل على رب الأرباب، لا ينبغي أن يتردد، أما بالحساب فربما عزف الإنسان عن الزواج كلياً، أما بالتوكل على الله اعتماداً على هذه الآية العظيمة: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة النور )
فإنه يقدم على الزواج.
(( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
و: << ما شكا إلى النبي e أحدٌ ضيق ذات يده إلا قال له: اذهب فتزوج >>.
لقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال سيدنا سعد بن أبي وقاص: << ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى...>>.
هذه الفقرة الأولى من الدرس.
الفقر لا ينقص من قدر الإنسان
الفقرة الثانية، الفقر ليس ينقص من قدر الإنسان، دققوا لماذا جعل الله بعض الأنبياء فقراء ؟ لماذا جعل الله بعض الأنبياء أولادهم ليسوا على مذهبهم ؟ سيدنا نوح، ولماذا جعل الله بعض الصديقات آسية امرأة فرعون صديقة وزوجها فرعون نبيٌ كان ملكاً، ونبيٌ كان راعي غنم، ونبيٌ كانت له زوجةٌ سيئةٌ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾
( سورة التحريم )
إنّ الفقر لا يزري بصاحبه، بل إن النبي كان عليه الصلاة والسلام كان فقيراً، وقد كان يدخل إلى البيت فلا يجد أكلا، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ:
(( يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ ))
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[الترمذي]
مر رجل على رسول الله وكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، ويبدو أن هذا الرجل غني، فعَنْ سَهْلٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(( مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ـ أن يزوَّج ـ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ ـ يبدوا أنه فقير ـ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا ـ يعني الفقير ـ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ))
[البخاري]
الفقر لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرفع ولا يخفض، ولا يعز ولا يذل، هذا عند التائهين، عند الشاردين عند الماديين، عند أهل الدنيا، لكن الفقر في عالم الإيمان شيءٌ عرَضي، قدَّره الله عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة، إما امتحاناً، وإما تأديباً، وإما حفظاً.
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِي عَبْدَه الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يَحْمِيهِ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ ))
[أحمد]
هذا الحديث يكفي، إن هذا، وأشار إلى الفقير، خيرٌ من ملء الأرض من هذا، وهذا الحديث ورد في صحيح البخاري وهو من أصح الأحاديث.
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
[الترمذي]
كيف ؟ كلما طرق بيت المسلم خاطبٌ فقير ردَّ لفقره، هذه الفتاة بقيت بلا زواج، وكلما طلب فتىً فقير للزواج رد لفقره فبقي هذا الفتى بلا زواج، ما الذي سيحصل ؟ نحن أمام أعداد كبيرة جداً من الفتيان والفتيات فاتهم قطار الزواج، لا لشيء إلا لأنهم فقراء، وحينما يفوت الإنسان قطار الزواج يصبح أكثر عرضةً للفساد مما لو تزوج، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))
( صحيح البخاري عن ابن مسعود)
تعريف دقيق: (( أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.. إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
من رغب في الفتاة لأنها غنية، ما الذي يحصل ؟ روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال:
(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ `
[البخاري]
في حديث آخر أرويه لكم دائماً:
(( من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك ))
[ورد في الأثر]
ويقول ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث: " يليق بالمؤمن الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمحه في كل علاقاته الإنسانية، ولا سيما إذا كانت العلاقة مديدةً، وهل من علاقةٍ أطول من علاقة الزواج ؟ ".
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ ))
طبعاً لو قلنا: لحسنهن أي لحسنهن فقط، أي أنه لم ينتبه للدين، انتبه إلى الجمال فقط، خرماء أي أنها مقطوعة الأنف، مثقوبة الأذن.. ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ، كيف لا و الله عزَّ وجل يقول في القرآن الكريم: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
( سورة البقرة: آية " 221 " )
الآن هذا هو الدعم المعنوي.
طرق معالجة الفقر: (1) الدعم المادي
لكن نحن نريد الدعم المالي للفقير، هذا الدعم موزع على ثلاث جهات: موزعٌ على عاتق الآباء، وموزعٌ على عاتق المجتمع الإسلامي، وموزعٌ على عاتق أولي الأمر، أي واجب الأولياء، وواجب المسلمين جميعاً، وواجب أولي الأمر أن يقدموا يد العون لتزويج الشباب، وبعضهم يقول: ينبغي أن يكون الدرس مؤصلاً، ومعنى مؤصلاً، أي معتمداً على أصول، وهي الكتاب والسنة، لأنه درس دين هذا، فالأصل الكتاب والسنة.
واجب الآباء في تزويج الأبناء
الآن كيف أن تزويج الأبناء من واجب الآباء، هذا شيء نحن نقبله، ونرحب به، ونثني عليه، لكن النبي أوجب الآباء أن يزوِّج الأبناء ؟ استمعوا قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ وَلَدَ لَهُ وَلَدٌ... ))
نسميه مثلا عبد الله، أو عبد الرحمن، أو محي الدين، هناك أسماء لطيفة جداً أسماء دينية، أسماء جمالية، أسماء فيها مكارم أخلاق، صالح مثلاً، عمر.
(( مَنْ وَلَدَ لَهُ وَلَدٌ فَلْيُحْسِنْ اِسْمَهُ وَأَدَبَهُ، فَإِذَا بَلَغَ فَلْيُزَوِّجْهُ، فَإِنْ بَلَغَ وَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَأَصَابَ إِثْماً فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى أَبِيهِ ))
[ورد في الأثر]
أن يسميه جعيفص مثلاً، فما هذا الاسم ؟!! سمِّه عبد الله، عبد الرحمن، محي الدين، فهناك أسماء لطيفة جداً، أسماء دينية، وأسماء جمالية، أسماء فيها مكارم أخلاق كصالح مثلاً، أو عمر.
هذا كلام النبي الذي لا ينطق عن الهوى.
أيها الآباء دققوا، وقبل أن ترفض أن تقدم لابنك المساعدة فكِّر في هذا الحديث، أنا عصامي يا بني، وأنت كن عصاميًّا مثلي، اذهب واشتغل، لا يجوز هذا، فالآن الأمور معقدة جداً، الأمور معقدة إلى درجة لا يمكن أن يتم زواجٌ من دون مساعدة من الأهل.
والله هناك أب أنا كلما ألتقي به والله في قلبي احترام له لا حدود له، سكن في بيت في أحد أحياء دمشق الراقية، اشتراه قبل أربعين أو خمسين سنة، والبيت أصبح ثمنه غاليًّا جداً، وهو موظف ودخله محدود، وعنده أولاد شباب، فباع البيت، واشترى لأولاده جميعهاً بيوتاً، وسكن معهم خارج دمشق، هذه بطولة كبيرة جداً، أن يؤمِّن الإنسان أولاده كلهم، طبعاً هيأ لأولاده بيوتاً على حسابه، خرج من هذا البيت الفخم، ومن هذه المساحة الكبيرة، ومن هذا الحي الراقي، وسكن خارج دمشق، واشترى لكل ولدٍ بيتاً.
وفي روايةً أخرى للإمام البيهقي عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك:
(( مَنْ بَلَغْتْ ابْنَتُه اثنتي عشرة سنة ولم يزوجها فأصابت إثماً فإثم ذلك عليه ))
قلت لكم مرةً، وَوالله لا أتمنى أن أعيد هذه الكلمة لأنها خشنة، لكنها وقعت: أبٌ على فراش الموت تقول له ابنته: والله لا أسامحك، والله لا أسامحك، والله لا أسامحك، وربما قالت: حرمك الله الجنة كما حرمتني الزواج، كلما جاء خاطبٌ رده لسببٍ تافه فبقيت بلا زوج.
وذكرت لكم سابقاً أن أقوى دافعٍ في الجنس البشري دافع الأمومة، لذلك الأب يجب أن يفكِّر ملياً، وأن يسعى حثيثاً، وأن يأخذ بالأسباب في تزويج بناته، أما أن يكون هو مرتاحاً ليس عنده هذا الضغط الذي أودعه الله في الأنثى وفي الرجل على حدٍ سواء، فبدأ يحاسب هذا الخاطب، أين سوف تسكن لي ابنتي ؟ يقول له: والله أنا عندي بيت خارج الشام، فيجيبه: لا.. لا.. نحن نريد في الشام، فإذا أمّن بيتاً في الشام، قال: كم مساحته ؟ لا، هذا صغير مثل اللعبة، كلما قدم شيئًا رفضه، والبنت على أحرَّ من الجمر، والأب قاسٍ وجبار، إلى أن فاتها قطار الزواج.
في المذهب الشافعي يجب على الرجل إعفاف ابنته إذا احتاجت إلى النكاح، كيف يجب عليه إعفاف ابنته ؟ أي إذا كنت ميسور الحال جداً، وأمَّنت لها بيتًا، وأنت في كامل قواك العقلية والشرعية، يأتيك أحسن الخطّاب لهذه الفتاة، هذا حل كبير، أنت حينما قدمت لها البيت، جاءك من تثق بدينه، وانحلّت عقبة، لكن لا تقدم لها بيتاً، وأنت غنيٌ كبير، لماذا ؟ لماذا قدمت لابنك ولم تقدم لابنتك بيتاً ؟
مسؤولية المجتمع في تزويج الأبناء
أما مسؤولية المجتمع الإسلامي عن تزويج الأيامى فلقول الله عزَّ وجل: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
علماء الأصول لهم توجيهٌ لطيف في هذه الآية، الآيات التي توجه إلى مجموع المؤمنين هي موجهةٌ حكماً إلى أولي الأمر، لأن أولي الأمر هم الذين يديرون شؤون المسلمين، إذاً الحاكم المسلم مكلفٌ أن يسهِّل سُبل الزواج.
كنت في أحد عقود القران، وطُلِب مني أن أتكلم في الحلول العملية، أي لو هيأنا بيوتًا لا للبيع، بل للإيجار، شاب متفوق نال شهادة عليا، له راتب يكفيه طعاماً وشراباً ولباساً، لكن هذا الراتب لا يكفيه شراء بيت، فإذا أخذنا منه ثلث دخلّه كأجرة بيت حُلّت القضية، أنا أقول: الآن القضية متمركزة في البيت، لذلك أرجو الله عزَّ وجل أن ينهض المسلمون بتأمين البيوت الإيجار، فالبيع صعب، أقل بيت ثمنه ثلاثة ملايين، كيف يجمع هذا الشاب هذه الملايين الثلاثة ؟ هذا شيء فوق طاقته، لكن لو قلنا له: لك دخل ستة آلاف هات ألفين منها، يقول لك: حباً وكرامة، أتمنى أن تنشأ بيوت من غرفتين فقط، غرفة ومنافعها بأقل كسوة ممكنة، وأن تؤجر هذه البيوت للشباب المؤمنين الطيبين.
قلتُ سابقاً إنني سمعت عن رجل في قرية من قرى دمشق عمَّر أربع بنايات، وطوابق عديدة، وشققًا عديدة، وقال: هذه لن أبيعها إطلاقاً سأؤجرها للشباب المؤمن، آخذ على كل بيت ألفين في الشهر، هذا عمل صالح وكبير جداً، أنت لا تعرف مقدار السعادة.
أرو لكم هذه القصة: أعرف أخًا سكن في بيت مستأجر، فقالت له صاحبة البيت: أتعدني أنني إذا طلبت البيت أن تخرج ؟ قال: نعم، تركته في البيت سنوات عشرًا، وفجأةً طالبته بالبيت، هو يروي لي هذه القصة، قال لي: والله استجبت لها، وجئت في الموعد المخصص، فرأيت محاميًّا من ألمع محامي دمشق، كتبت التنازل، قال لي بعد أن وقَّعت التنازل: أمجنونٌ أنت ؟ أنت صرت في الطريق، والقصة طويلة طبعاً لا يتسع الدرس لسردها بتفاصيلها، لكن بقدرة قادر، وبشيء يعدُّ خرقاً للعادات يسَّر الله له بيتاً جيداً مفتوحاً على أربع جهات في طابقٍ مرتفعٍ يكشف الشام كلّها، ولم يكن يملك من ثمن هذا البيت شيئاً، ولأن القصة طويلة فلن أرويها كاملة، اشترى هذا البيت، وسكن فيه، وآوه الله فيه، ولكن القصة أين عبرتها ؟ أن صاحبة البيت لماذا طلبت البيت ؟ لها ابنة فاتها قطار الزواج، ثم جاءها خاطب، لكن ليس له بيت، قالت البنت لأمها: يا أمي اطلبي من فلان المستأجر أن يعطينا البيت، فلعل البيت يكون سبباً في هذا الزواج، ***ا لبى دعوتها، وأعطاها البيت، ذهبت هذه الفتاة إلى أداء العمرة، وطوال الطريق وفي مكة المكرمة وعند رسول الله صلى الله عله وسلم تدعو وتقول: اللهم هيئ لفلان بيتاً خيراً من بيتي، لأنه جبر خاطري، فأكرمه الله ببيت.
عندما تهيئ بيتًا لإنسان فيتزوج، وتطمئن نفسه، ويتزوج فتاة مؤمنة تطمئن نفسها، أنت عملتَ عملا عظيمًا.
لذلك أيها الإخوة، المشكلة الآن متركزة في البيوت، إن شاء الله يتعدَّل قانون الإيجار، وقد علمت أنه سيعدل، وثمة سبعمئة ألف شقة في الشام مغلقة تنتظر تعديل قانون الإيجار، فإذا أصبح القانون ساريًا فالعقد ينفَّذ بشروطه ولمدته، فجأةً تجد سبعمئة ألف بيت في الشام معروضة للإيجار، ولا تحلُّ هذه المشكلة إلا بتوافر بيوت للإيجار لا للبيع، فالبيع طريقه مسدود.
إذاً:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
أي أن هذا طلب من أولي الأمر أن يسهِّلوا سبل الزواج لتيسير البيوت لطالبي الزواج.
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: " زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف ".
ويقول مفسر آخر: " هذا أمرٌ للجماعة بتزويجهم "، وبالطبع الأمر أمر ندب كما قلت قبل قليل، فهو أمر ندب وأمر وجوب، أمر ندب في حق طالبي الزواج، لكنه أمر وجوب في حق أولي الأمر، أي أن أي إنسان رغب في الزواج يجب على أولي الأمر أن ييسروا له الزواج.
لما خطب سيدنا علي فاطمة رضي الله عنها قال رسول الله صلى اله عليه وسلم
عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَقَالَ فُلَانٌ: عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذُرَةٍ ))
[أحمد]
معنى ذلك أنه كان بينهم تعاون إلى أن أصبحت الوليمة جاهزة. قــصــة بلــيغة
ثمة قصة بليغة جداً حول هذا الموضوع، فقد روى الإمام أحمد عن ربيعة الأسلمي قال:
كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مَا عِنْدِي مَا يُقِيمُ الْمَرْأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْكَ شَيْءٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَخَدَمْتُهُ مَا خَدَمْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِيَ الثَّانِيَةَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ ؟ فَقُلْتُ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ، مَا عِنْدِي مَا يُقِيمُ الْمَرْأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْكَ شَيْءٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُصْلِحُنِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَعْلَمُ مِنِّي، وَاللَّهِ لَئِنْ قَالَ: تَزَوَّجْ لأَقُولَنَّ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى آلِ فُلانٍ حَيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ فِيهِمْ تَرَاخٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلانَةَ لامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلانَةَ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ لا يَرْجِعُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلّا بِحَاجَتِهِ، فَزَوَّجُونِي، وَأَلْطَفُونِي، وَمَا سَأَلُونِي الْبَيِّنَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينًا فَقَالَ لِي: مَا لَكَ يَا رَبِيعَةُ ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُ قَوْمًا كِرَامًا فَزَوَّجُونِي، وَأَكْرَمُونِي، وَأَلْطَفُونِي، وَمَا سَأَلُونِي بَيِّنَةً، وَلَيْسَ عِنْدِي صَدَاقٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ، اجْمَعُوا لَهُ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَجَمَعُوا لِي وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَأَخَذْتُ مَا جَمَعُوا لِي، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَيْهِمْ فَقُلْ: هَذَا صَدَاقُهَا، فَأَتَيْتُهُمْ فَقُلْتُ: هَذَا صَدَاقُهَا، فَرَضُوهُ، وَقَبِلُوهُ، وَقَالُوا: كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينًا فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ حَزِينٌ ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَكْرَمَ مِنْهُمْ رَضُوا بِمَا آتَيْتُهُمْ، وَأَحْسَنُوا، وَقَالُوا: كَثِيرًا طَيِّبًا...
( من سنن أحمد )
جمعوا له، وهذا الذي أتمناه على كل إخوتنا، في مثلِ شابٍ أقدم على الزواج ضمن الإمكانات، يجب أن تقدم له شيئًا ضمن إمكاناتك، عشرة قدموا سجادة، خمسة عشر قدموا برادًا جيدًا، كل إنسان يقدم شيئًا، أنا أكاد أن أقول: هدية الزواج واجبة، واجبة لا مندوحة منها من أجل التعاون.
ماذا ألبسك ؟ الذهب، من الآن الذي يلبِّس الذهب !!!، هكذا الناس الآن، إلى أن جمع ثمن الذهب تكون روحه قد خرجت، وفرح كثيراً، وقدم الإسوارتين، فتقول لها عمتها: من الذي الآن يلبس ذهب، الآن يعتبر الذهب غير كافٍ ـ ماذا قالوا ؟ قالوا: كثيرٌ طيب.
والله أيها الإخوة الموقف الكامل لا يقدَّر بثمن، شاب فقير خطب، وأخلاقه عالية، ومؤمن، قدم شيئًا، فالمؤمن الكامل يثني على هذا الشيء على طول، والله شيء جميل، الله يجزيك الخير، رائع، جميل، لطيف، هكذا المؤمن، قالوا: كثيرٌ طيب.
(( ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينًا فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ حَزِينٌ ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَكْرَمَ مِنْهُمْ رَضُوا بِمَا آتَيْتُهُمْ، وَأَحْسَنُوا، وَقَالُوا: كَثِيرًا طَيِّبًا، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُولِمُ، قَالَ: يَا بُرَيْدَةُ اجْمَعُوا لَهُ شَاةً. قَالَ: فَجَمَعُوا لِي كَبْشًا عَظِيمًا سَمِينًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَقُلْ لَهَا فَلْتَبْعَثْ بِالْمِكْتَلِ الَّذِي فِيهِ الطَّعَامُ ـ من بيته ـ قَالَ: فَأَتَيْتُهَا فَقُلْتُ لَهَا مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: هَذَا الْمِكْتَلُ فِيهِ تِسْعُ آصُعِ شَعِيرٍ لا وَاللَّهِ إِنْ أَصْبَحَ لَنَا طَعَامٌ غَيْرُهُ ـ قدمت له الشعير ـ خُذْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرْتُهُ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَيْهِمْ فَقُلْ: لِيُصْبِحْ هَذَا عِنْدَكُمْ خُبْزًا، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَذَهَبْتُ بِالْكَبْشِ، وَمَعِي أُنَاسٌ مِنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ: لِيُصْبِحْ هَذَا عِنْدَكُمْ خُبْزًا، وَهَذَا طَبِيخًا، فَقَالُوا: أَمَّا الْخُبْزُ فَسَنَكْفِيكُمُوهُ، وَأَمَّا الْكَبْشُ فَاكْفُونَا أَنْتُمْ، فَأَخَذْنَا الْكَبْشَ أَنَا وَأُنَاسٌ مِنْ أَسْلَمَ، فَذَبَحْنَاهُ، وَسَلَخْنَاهُ، وَطَبَخْنَاهُ، فَأَصْبَحَ عِنْدَنَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَأَوْلَمْتُ، وَدَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي أَرْضًا... ))
هكذا فعل النبي ، فلا شيء عنده، أمره: اخطبْ من بيت فلان، واجمعوا له المهر، واجمعوا له ثمن الوليمة.
إخواننا الكرام... الذين يبحثون عن السعادة والله لو عرفوا أن هذه السعادة في إكرام الناس لسعدوا أضعافًا مضاعفة مما لو استهلكوا هذا المال في شهواتهم ومتعهم، فالذي يعطي يشعر بسعادة كبيرة جداً.
مسؤولية أولي الأمر في تزويج الأبناء
بقيت فقرة أخيرة في الدرس: مسؤولية أولي الأمر عن تزويج الشباب.. جاء رجلٌ إلى النبي فقال:
(( إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا ؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئًا ؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا ؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ ـ النبي ما رضي أن يكون هذا المهر غالياً، أربع أواق من الفضة ـ مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ ))
(مسلم )
لذلك أعظم النساء بركةً أقلهن مهرا.
عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً ))
( من سنن أحمد )
طلباتها قليلة.
(( كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ ؟ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ ))
النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القصة لا يمثل النبوة، بل يمثل أولي الأمر، فقد هيَّأ له عمل كي يكون قواماً له على الزواج.
إذاً واجب أولي الأمر: تيسير الأعمال، ماذا قال عمر رضي الله عنه ؟ قال: << إن هذه الأيدي خُلِقتْ لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
توفير فرص العمل من أعظم الأعمال، لماذا كان الربا حرامًا ؟ أنت معك مثلاً خمسة ملايين لو وضعتها في مصرف، وأخذت الفائدة تكفيك مصروف سنة، أما لو أسست بها مشروعاً، فأنت بحاجة إلى محاسب، بحاجة إلى دفتر فواتير، شغلت المطبعة، أنا لا أبالغ أنّ أيّ مشروع مهما كان صغيرًا يشغّل خمسمئة جهة، بحاجة إلى نقل البضاعة، إلى مستودع، إلى أمين مستودع، بحاجة إلى ورق المراسلات، إلى طبع، بحاجة إلى أجهزة اتصال مثلاً.
مرة قرأت عن معمل من معامل السيارات يشغِّل مئتي ألف معمل، لذلك طرحُ المال في الأعمال التجارية والصناعية والزراعية يؤمِّن فرص عمل.
الأخبار بالصحف، يقول لك: هذا المعمل يؤمن خمسمئة فرصة عمل، معنى ذلك أن أكبر مهمة من مهمات أولي الأمر توفير فرص العمل للشباب، فإذا صار للشاب له عمل، وأصبح له دخل يقول لك: أريد أن أخطب، أول عمل بعد العمل يريد أن يخطب، ومعه حق، لكن بلا عمل هذا مشكلة، فمسؤولية أولي الأمر في توفير الأعمال.
هناك قصة مهمة جداً، سيدنا عمر رضي الله عنه أعطى ابنه من بيت مال المسلمين، وليس كعمر إنسان بورعه، ومع ذلك رأى أن واجب أولي الأمر أن يعينوا على تزويج الشباب، فقد روى أبو عبيد القاسم عن عاصم بن عمر رضي الله عنه، قال: << لما زوجني عمر ـ أي أبوه ـ أنفق علي من مال الله شهراً، ثم قال: يا يرفأ احبس عنه، ثم دعاني، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لم أكن أرى أن هذا المال يحل لي إلا بحقه، ولم أحرمه عليك حين وليت هذا الأمر، وقد أنفقت عليك من مال الله شهراً، ولن أزيدك عليه >>.
فسيدنا عمر رأى أن من واجبه أن يزوج ابنه من بيت مال المسلمين، وقد أنفقت عليك من مال الله شهراً، ولن أزيدك عليه، أي أنه أعانه، إذاً هذا الشيء يجب أن يكون لكل شباب المسلمين، إذاً من واجب أولي الأمر الدعم المادي المباشر، إما توفير الأعمال أو الدعم المادي المباشر.
هناك قصة أخرى، سيدنا عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن وهو بالعراق: << أن أخرج للناس أعطياتهم، فكتب عبد الحميد: " إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مال ـ أي أنه أعطى رواتب لكل الموظفين ـ فكتب إليه: " انظرْ كلَّ من أدان من غير سفهٍ، ولا سرفٍ فاقضِ عنه ـ كل إنسان غارم استدان مبلغًا من المال من غير سرفٍ، ولا سفهٍ فاقضِ عنه ـ فكتب إليه: " أني قد قضيت عنهم وبقي في بيت المال مالٌ، فكتب إليه: انظرْ كل بكرٍ ليس له مالٌ فشا ـ أي نما ـ فزوِّجه، فزوجت الشباب والفتيات >>.
هذا توجيه من سيدنا عمر.
أولاً: أعطي الأعطيات، ودفع الرواتب، قال له: بقي مال قاله له: اقضِ عن الغارمين من غير سفهٍ ولا سرفٍ، قال له: قضيت عنهم، وبقي مال قال له: زوج الشباب منهم بمال بيت المال.
أيها الإخوة، إلى هنا ينتهي الموضوع اليوم، وهو إزالة العقبات الكبيرة، ومن أكبر العقبات الفقر، ندعم الفقير معنوياً نبيِّن له الآيات والأحاديث، ثم ندعمه مالياً عن طريق والده، وعن طريق مجموع المؤمنين، وعن طريق أولي الأمر.
وفي الدرس القادم نتحدث إن شاء الله عن الفقر المفتعل، الفقر المصطنع، فهذا هو الفقر الحقيقي.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو الخطاب
الصورة الرمزية ابو الخطاب


رقم العضوية : 12
الإنتساب : Feb 2008
العمر : 36
المشاركات : 238,128
بمعدل : 105.51 يوميا
النقاط : 246
المستوى : ابو الخطاب will become famous soon enoughابو الخطاب will become famous soon enough

ابو الخطاب غير متصل عرض البوم صور ابو الخطاب


  مشاركة رقم : 10  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:12 PM

جزاك الله خيرا طيبا
بارك الله بجهودك اخى الكريم



اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعياضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي




 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 11  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:12 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث من الدروس الاجتماعية المتعلقة بشأن الزواج، تحدثنا في الدرس الماضي عن معالجة الفقر الحقيقي، واليوم ننتقل إلى موضوعٍ آخر وهو معالجة الفقر المفتعل.


عقبات الفقر المفتعل
الفقر المفتعل معناه أنك إذا كنت بحاجة ماسة إلى مدفأة تتقي بها البرد، وثمن المدفأة المعتدل ألف ليرة، ومعك ألف ليرة، فتوجهت إلى بائع المدافئ، فإذا ثمنها عشرة آلاف ليرة، هذا الثمن غير صحيح، وغير معقول ومفتعل، أنت كنت قادراً على شراء هذه المدفأة، لكنك الآن أصبحت عاجزاً، فهذا بشكلٍ مبسط هو الفقر المفتعل.
أولاً: حينما شرع الشرع الحكيم المهر للمرآة شرعه تكريماً لها، فالمرآة شيء ثمين، وشيء نفيس، لا يمكن أن تأخذها بلا شيء.

من أخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم البلاد
***

مشروعية المهر لضمان كرامة المرأة
أحياناً لسبب أو لآخر يقال لك: المهر درهم فضة، شيء جميل، لكن من مضاعفات هذا التصرُّف أن الزوج إذا غضب من زوجته لسبب تافهٍ جداً طلّقها، ومفارقة الزوجة أو تطليقها أمرٌ يسير، لا يكلف شيئاً، دائماً يكون الطلاق سيفًا فوق رقبتها، فحينما يكون لها مهر، والمهر معقول، فقبل أن يقول لها: طلقتك، أو قبل أن يهددها بالطلاق، أو قبل أن يستهين بها عليه أن يفكر مرات كثيرة، لذلك جعل الله المهر للزوجة تكريماً لها.
لكن الشرع الحكيم ما أراد أن يكون المهر عقبةً دون الزواج منها، في الأصل هو تكريمٌ لها، لكن مع الممارسات الخاطئة صار المهر عقبةً تمنع الزواج منها، لذلك كانت المغالاة في المهور أحد بنود الفقر المفتعل.
شيء آخر، سألني أخ كريم: أليس من واجب الزوجة أن تخدم زوجها ؟ قلت: نعم، إلا أن هذا إذا نُصَّ في العقد، في عقد الزواج صار هذا عقد خدمة لا عقد زواج، فمن باب تكريم المرأة التكريم الأمثل أن موضوع الخدمة لا يدخل في عقد الزواج.
لكن الأعراف، وهي أحد مصادر التشريع تقتضي أن الرجل يكسب الرزق، والمرأة تقوم بشؤون البيت، أما إذا أدخلنا هذا في صلب العقد فقد قلبناه من عقد زواجٍ إلى عقد خدمة.
هناك قصة توضح هذا المعنى، رجل كريم يحمل إجازة في اللَّغة، يترجم، فعمل عند مكتبٍ تجاري، فهذا الأخ المترجم لكرم أخلاقه ولتواضعه ولحبه لأصحاب هذا العمل كان إذا جاءهم ضيف كان يقوم، ويبادر إلى صنع الضيافة المناسبة لهم، تواضعاً ومحبةً وتبرعاً، وتفانياً في عمله، لكنه إنسان يحمل إجازة مترجم، وهم تقبلوا هذه المبادرة بكل امتنان، بعد حين تغيَّر مدير المكتب، فأراد أن يضع عقوداً يوضّح بها، أو قرارات تنظيمية ينظم فيها أعمال من في المكتب، فهذا الذي كان يقدم الضيافة طوعاً ومحبةً وتواضعاً لأصحاب المكتب التجاري عندما رأى في مهماته الأساسية صنع هذه الضيافة ترك العمل كله، ومعه الحق.
الموضوع دقيق جداً، إذا نص في عقد الزواج على وجوب الخدمة انقلب العقد من عقد زواجٍ إلى عقد خدمةٍ، وهذا امتهانٌ للمرأة، لكن المرأة الكريمة لا تستنكف أن تطبخ، وأن تنظف، وأن تعتني بأولادها، وأن تعتني بزوجها، وأن تهيئ لزوجها اللباس والطعام والشراب، وكل ما يؤمِّن له راحته، هو خارج البيت يكسب الرزق، وهي داخل البيت تعتني بشؤون زوجها وأولادها، أما إذا نُصَّ هذا في العقد فقد صار عقد خدمةٍ، وعقد الزواج أشرف من هذا بكثير، إنه أقدس عقد بين إنسانين على الإطلاق.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
( سورة النساء )
إذاً: شُرِعَ المهر في الأصل تكريماً للمرأة، وتعبيراً عن مكانتها، وعن كرامتها، أما أن يكون المهر عقبةً يمنع زواجها فهذا ما أراده الشارع الحكيم، ولا قضت به السنة النبوية الشريفة، إنه من انحراف المسلمين في عصور تخلُّفهم، ومن جعل الفتاة سلعة يُبتز بها الرجال. أفضل الصداق أيْسره
الآن ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أخرج أبو داود والحاكم وصححه، وقد ورد هذا الحديث في نيل الأوطار، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خير الصداق أيسره ))
[أبو داود بلفظ: خير النكاح أيسره]
الصداق هو المهر، وقال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قد طلب منه أن يزوجه بامرأة قد وهبت نفسها للنبي قال له:
(( اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
من منكم يستطيع أن يعرب خاتماً، كان، فل ماض ناقص، فما الذي حذف إذاً ؟ حذفت كان واسمها وبقي خبرها، أي اذهب والتمس، ولو كان الملتمس خاتماً من حديد.
إذاً الفكرة الأولى: إن أفضل الصداق أيسره، هذا الكلام موجَّه إلى أولياء الفتيات.
أوهام منتشرة والرد عليها
الوهم الأول: عِظَم المهر يحول دون الطلاق
بالمناسبة، إذا كنت أيها الأخ الكريم ولياً، كنت أو زوجاً أو أباً، إذا توهمت أن عِظَم المهر يحول دون طلق المرأة فأنت واهم، لأن الزوج بإمكانه أن يكاره زوجته مكارهةً لا تحتمل حتى تطلب الخلع، وأن تهب له كل شيء، لا يمكن أن تقوم سعادة زوجية على ضمانات مالية أبداً، لا يمكن أن يكون الزواج الناجح مبنيًّا على ضمانات مالية، السعادة الزوجية أساسها حسن الاختيار والثقة المتبادلة بين الزوجين، فهذا الذي تسمح له أن يتزوج ابنتك إن كنت واثقاً من أخلاقه، ومن دينه، ومن أمانته، إياك أن تحاسبه يسيرا، وإياك أن تعُدَّ المال ضمانة لنجاح الزواج، أما إذا لم يكن موضع ثقة، لو كتب لها خمسة ملايين فلا يكفي هذا ضماناً لسعادتها.
إذاً المهر شرع تحقيقاً لكرامة المرأة، ولم يشرَّع عقبة يحول بينها وبين الزواج وإذا توهم الإنسان أن المهر يحول بين الزوج والطلاق، فالذي يعتقد هذا واهم، لأن الزوج بإمكانه أن يكاره زوجته حتى تطلب المخالعة، ومعلومٌ عندكم أن التي تطلب المخالعة ليس لها شيء.
الوهم الثاني: ارتفاع المهر يضمن مستقبل الفتاة
عندنا اعتقاد خاطئ آخر، أن ارتفاع المهر يضمن للفتاة مستقبلها، ماذا قال الله عزَّ وجل ؟ ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾
( سورة الكهف )
بعضهم قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، إذا قلنا لأن ثمة تفسيرًا لهذا، فالإنسان إذا سبَّح الله، وحمده، وكبره، ووحده فقد عرفه، وإذا عرفه سار على منهجه، وإذا سار على منهجه سعد في الدنيا والآخرة.
هناك تفسير آخر وجيه:
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
أي الأعمال الصالحة، لكن أدق ما في الآية: ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾
أي إذا كنت تتأمل أن المال يسعد فأنت واهم، عملك الصالح وتطبيق السنة، هو ضمان نجاح هذا الزواج، فنجاح الزواج لا يكون بالمال أو البيت، فأحياناً الأهل يقولون لك: بيت بالحي الفلاني بالمساحة الفلانية بالفرش الفلاني بالحلي الفلانية، بتحديد قيم الحلي ونوع الحلي، ثم العمل، فالعمل يجب أن يكون لك اسم في الشركة، فلا نقبل العمل عند أبيك، يتوهم الآباء أن هذه الضمانات تضمن لفتاتهم السعادة الزوجية، وهي في الحقيقة لا تضمن، العمل الصالح وتطبيق منهج الله عزَّ وجل هو الضمان، ( خَيْرٌ أَمَلا )، أي: لا تعقد الأمل لا على المال، اعقده على توفيق الله عزَّ وجل، اعقده على حفظ الله، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة: آية رقم " 153 " )
هذه المعية معيةٌ خاصة، فالله عزَّ وجل مع المؤمنين بالتأييد والنصر، والتوفيق والحفظ، هذه معية خاصة، ولكن إذا قال الله عزَّ وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد: آية رقم " 4 " )
فهذه معيةٌ عامة مع كل الخلق، معهم بعلمه، لكنه مع المؤمنين بحفظهم وتأييدهم، ونصرهم وتوفيقهم، وهذه المعية الخاصة لها ثمن، وقال الله: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة المائدة: رقم الآية " 12 " )
لذلك الاعتقاد الخاطئ أن المهر الغالي أو أن المغالاة في المهر تضمن مستقبل الفتاة، هذا وهمٌ كبير، لا يضمن مستقبل الفتاة إلا أن تكون في طاعة الله، وإلا أن يكون زوجها، وأهل زوجها صالحين، فالله سبحانه وتعالى يتجلى على كل بيتٍ تقام فيه شعائر الله، وفي هذا البيت يقام فيه الإسلام.
يقول عملاق الإسلام عمر رضي الله عنه: << ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته حتى يبقى له في نفسه عداوة >>.
أحياناً يُضغَط على الزوج ضغطًا مع ضغط مع ضغط مع تعنت، نريد كذا، حفلة فلانية، ضيافة فلانية، الحلي الفلانية، البيت الفلاني، وهو متعلِّق بهذه الفتاة، لكن مع تتالي الضغوط ينشأ الحقد، لذلك حينما تأتي هذه الفتاة إلى البيت ينتقم منها أشد الانتقام، يقمعها قمعاً شديداً، يمارس عليها كلَّ ألوان الشدَّة، ويحدث الحقد، فالضغط الشديد على الخاطب من أجل الظهور بمظهر فخم أمام الأسر وأمام الناس، هذا من شأنه أن يولَّد الحقد في نفوس الخاطبين، << ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته حتى يبقى له في نفسه عداوة >>.
ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده:
(( إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً ))
هذا الاعتقاد الثاني أيضاً خاطئ. الوهم الثالث: المغالاة في المهور مظهرٌ للافتخار والشرف
الاعتقاد الثالث: أن المغالاة في المهور مظهرٌ للافتخار والمباهاة والشرف، وهو عكس ذلك، لكن مِن أين يأتيك الشرف ؟ من البذل لا من الأخذ، الأخذ اسمه ابتزاز، وهو خُلق دنيء، فإذا أردت أن ترفع ثمن البضاعة، وأن تستغل حاجة الشاري إليها، وأن تستغل أن هذه البضاعة مفقودة، وليست موجودة في السوق، وهي عندك وحدك، وأن الذي يطلبها في أشد الحاجة إليها، إذا رفعت السعر عليه أضعافاً مضاعفة ألا تشعر بالدناءة ؟ هذا هو الابتزاز، فالشرف ليس في الأخذ، الشرف في العطاء، في البذل، الأخذ ابتزاز، أما العطاء فهو الشرف، فكل من يتوهم أننا لو فرضنا على الخاطب مئتي ألف، ومئتي ألف، ونصف مليون، ونصف مليون، وهناك في العملة الصعبة ضمان للتضخم النقدي، فإن أكثر الآباء يحسب حساب طلاق ابنته قبل أن يزوجها، وكأن الأصل هو الطلاق، لذلك إذا قال: أريد مئتي ألف بالعملة الصعبة، ويحسبها على العملة الصعبة أو على الذهب، استبدله بالعملات الأخرى، فهذا ليس فخراً، وليس شرفاً، الشرف في البذل وفي التساهل.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى ))
[البخاري]
فطبعاً هذا ليس بيعًا وشراء، لكن يقاس عليه التعامل مع الخاطب.
يقول سيدنا عمر رضي الله عنه، يقول: << ألا لا تغالوا في مهور النساء، فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا، وتقوى عند الله عزَّ وجل، لكان أولاكم بها نبي الله، ما علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية >>.
أي ألف وخمسمئة ليرة، فلا تزوج بمهر أعلى، ولا زوج بناته بمهر أعلى، والآن هناك مهر المثل، وإخواننا القضاة الشرعيون جزاهم الله عنا خيراً يعرفون مهر المثل، فكل فتاة بحسب مستواها، ومستوى أبيها لها مهر، هذا المهر مقبول، أما إذا رفعنا المهر بلا سبب، أو إذا ألغيناه، وبالمناسبة إلغاء المهر يجعل العقد فاسداً، لا أقول: باطلاً، يجعله فاسداً، لذلك هذا العقد الفاسد، يصحح بمهر المثل، فالمهر تعبيرٌ عن كرامة المرأة.
هناك أولياء أمور وآباء يسعون إلى التكسُّب عن طريق تزويج بناتهم، لذلك هذا الولي ليس من شأنه أن يقبل خاطباً فقيراً، لا يقبل إلا خاطباً غنياً يحل مشكلات الأسرة، وفي الأعم الأغلب أن الولي الفقير لا يأتيه خاطبٌ غني، فالناس يميلون دائماً إلى المشابه لأحوالهم حين زواجهم، فغالباً الذي يطلب المهر الغالي ليغتني عن طريق ابنته لا يأتيه هذا الخاطب، ما الذي يحصل ؟ هذه الفتاة يفوتها قطار الزواج، والحقيقة في آية قرآنية ذكرتها لكم كثيراً حار فيها العلماء، حينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾
( سورة النور: آية " 33 " )
فأنا لا أصدق أن في الأرض كلها أدنى المؤمنين إيماناً يمكن أن يجبر فتاته، أي ابنته، أو جاريته، كما يقول بعض المفسرين، لا يمكن أن يجبر فتاته على الزنا من أجل أن يكتسب منها، لكن بعض المفسرين قالوا: " إن عضل الفتاة وعدم تزويجها، ربما قوَّى فيها، دافع الشهوة "، ربما قوى فيها دافع الخروج من البيت.
أعرف قصصاً كثيرة أن آباء متعنتين غالوا في مهور فتياتهم، وضعوا الشروط التعجيزية لخاطبين فتياتهم، حتى انتهى به الأمر إلى أنه استيقظ *** يجد ابنته في البيت، هربت مع فتى أحلامها، ما الذي قوى فيها دافع الشهوة ؟ تعنته ووضعه الشروط القاسية، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾
عادة سيئة: أخذ الولي من مهر الفتاة
شيء آخر، في عادات سيئة جداً في بعض المناطق في البلاد الإسلامية، أن المهر هو للأب، يقبض الأب مهر ابنته كاملاً، ويضعه في جيبه، وانتهى الأمر، لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾
( سورة النساء، آية " 4 " )
المهر تستحقه المرأة، المرأة التي تزوجت المهر لها وحدها، قال بعض المفسرين: أضاف الله سبحانه وتعالى صدقاتهن، أي المهور، إضافة ملك، أحياناً الإضافة تكون إضافة تشريف، الدليل: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾
( سورة الطلاق: آية " 1 " )
البيت لزوجها، وفي السجلات باسم زوجها، لكن الله أضافه إليها لا إضافة ملك، ولكن إضافة إشراف، فالزوجة بيتها مملكتها، هي الآمرة الناهية في البيت، وفي شؤون البيت، وهذا مما يؤكد شخصيتها، ويثبت أنوثتها.
شيء آخر، هذه الآية نزلت في مناسبة، أنَّ بعضاً ممن كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ مهرّ ابنته، فجاءت الآية لتنهى عن أن تُؤخذ المهور، بل أن تدفع إلى الزوجات، لأن المهر في الأصل تمليكٌ لها.
لقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب في وليّ زواج امرأةٍ، واشترط على زوجها شيئاً لنفسه، و قد يكون وليّ المرأة عمها، قد يكون أخاها، قد يكون أبعد من ذلك، ***ا جاءها الخاطب قال له: هذه المرأة مهرها مئة ألف، وخمسين ألف لي، هذا هو الشرط، فرفعت هذه القضية لسيدنا عمر، بماذا حكم، ذكر الأوزاعي أن سيدنا عمر قضى أن هذا المبلغ الذي دفع إلى ولي الزوجة، وقبضه هو للزوجة، وأعاده إليه "، فالمهر كلُّه للزوجة.
ورجل آخر زوج ابنته على ألف دينار، وشرط على الخاطب ألف دينارٍ أخرى، فقضى عمر بن عبد العزيز للمرأة بألفين.
إذاً تأتي النصوص والأحكام لتؤكِّد أن المهر للمرأة.
لكن كما قال الله تعالى عزَّ وجل:
﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ﴾
( سورة النساء: آية " 4 " )
المهر للمرأة.
جواز أخذ الأب خاصة من مهر الفتاة
لكن إذا كان أبوها فقيرا فدفعت له جزءاً منه هذا موضوع ثانٍ، لأن العبد عندما يسامح الشرع لا يتدخل، لو أنها وهبت أباها بعض مهرها فهذا شيء آخر، لو أنها أعطت زوجها بعضاً من مهرها فهذا شيء آخر أيضًا.
لكن بعض الأئمة ذكر أن الأب وحده يمكن أن يأخذ جزءاً من مهر ابنته، ولأسبابٍ، وهي مقبولة عند الله عزَّ وجل، أما العم، أو الأخ، أو ولي الزوجة، هؤلاء جميعاً لا يمكن أن يأخذوا شيئاً، لكن الأب جاز أن يأخذ.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ))
[ابن ماجه]
أحياناً هناك ضرورة، والفتاة تأذن وتهب، أصبح هذا موضوعاً آخر، على ألا يجحف بهذا الأخذ، إن كانت هي في أشد الحاجة إليه، ينبغي ألا يظلمها في هذا الأخذ، والحديث معروف:
(( من أكل من مال ابنه شيئاً فليأكل بمعروف ))
[ورد في الأثر]
الأثر السيئ في المغالاة في المهور
حينما نغالي في المهور تكسد سوق الزواج، وتنشأ سوق السفاح، دائماً وأبداً، إما نكاحٌ أو سفاح، إذا وضعنا العراقيل، والسدود، والمثبطات أمام سبيل الزواج، فالبديل هو السفاح، وإن لم يكن السفاح يصبح الناس أَيامى، معنى أيامى أي لا أزواج لهم، ولا أزواج لهن، وهذا شعور بالحرمان، شعور بالوحشة، ثم إن هذه المهور إذا غلت أنفقت إسرافاً وتبذيراً، وهذا منهيٌ عنه.
وحينما يرفع المهر، ماذا يفعل الأب حينما يرفع مهر ابنته ؟ كأنه يغشها بوضع العراقيل أمام زواجها، لأنه قد ينفر الخاطب، قد يعود خائباً، قد لا يستجيب، قد يشعر بالابتزاز فيرفض، فأحد أسباب عضل الفتاة، وعدم تزويجها المغالاة في مهرها.
والله أنا أقول لكم: إن عشرات القصص، وأعرف أن زواجاً ناجحاً موفقاً لشاب مؤمن، مكتفٍ، ولطلبات أهل الزوجة غير المعقولة، انصرف عن هذا البيت، وانصرف خاطبٌ ثانٍ وثالثُ ورابع، وأصبحت الفتاة كاسدةً فاتها قطار الزواج.
ومرةً ثانية، وثالثة أقول: إن أقوى دافعٍ على الإطلاق في الجنس البشري دافع الأمومة، والذي يحرم ابنته حقها في الزواج، وحقها في أن تكون أماً فقد أساء إليها أبلغ إساءة.
فبعض الآباء السذج يقول: يا بنيتي، صدر البيت لك، هذا كلام ليس له معنى أبداً، إنه يطعمها، والأكل موجود.

الإسراف في تجهيز البيت وتأثيثه
ثم إن عقبةً ثانيةً ترد في موضوع الفقر المفتعل، هو الإسراف في تجهيز البيت وأثاثه، والحقيقة كلَّما بالغنا في المظاهر سدَّ طريق الزواج، وكلكم يعلّم أن غرفة الضيوف أحياناً لا تستخدم إلا مرةٌ أو مرتين في العام، غرفة في البيت ثمنها مليونان، ثمن الغرفة خمسمئة ألف، غرفة جلوس جيدة تصلّح لاستقبال الضيوف، غرفتين كانطلاق للزواج جيد، غرفة نوم، وغرفة جلوس تصلح لاستقبال الضيوف، ممكن، لكن تجميد غرفة لاستعمالها في العام يوم أو يومين أو خمسة أيام بملايين الليرات هذا لا يجوز، لذلك المغالاة في المساحات و المغالاة في الفرش، والأساس، و المغالاة في غرف الطعام، في غرف طعام، بمئات الألوف، والزوج بخيل، ما دعا شخصا لتناول الطعام، لا يوجد داعٍ، مادام ليس هناك نية لإقامة ولائم مثلاً ***ن هذه الغرفة إذاً ؟.
سيدنا علي رضي الله عنه، يقول: <<في آخر الزمان قيمة المرء متاعه >>.
فالإنسان لضعف إيمانه، ولانحرافه عن الطريق السوي، ولضعف دينه، وقلّة أعماله الصالحة يستنبط مكانته من مساحة بيته، ومن أثاث بيته، ومن نوع مركبته، ومن موقع بيته، فقيمة المرء متاعه، لكن قيمة المرء في الحقيقة هي إيمانه وعمله الصالح.
النبي عليه الصلاة والسلام جهز فاطمة الزهراء فلذة كبده وريحانة فؤاده، جهزها في خميلةٍ وقُربةٍ ووسادةٍ، الخميلة من نوع المخمل، خميلة، وقربة ووسادة، وقال:

((إنما فاطمة بضعةٌ مني، يؤذيها ما يؤذيني ))
كان النبي e قدوة، ولما طلبت السيدة فاطمة خادماً قال لها كلمة لو عرفنا أبعادها لسعدنا، قال:
((والله يا فاطمة لا أوثركِ على فقراء المسلمين ))
[ورد في الأثر]
ما عدَّ نفسه وأسرته فئة والناس فئة ثانية، بل عدَّ النبي الكريم نفسه وأسرته والمسلمين أسرة واحدة، فأن يخص ابنته بخادمة لعل هذا على حساب فقراء المسلمين، قال لها:
((والله يا فاطمة لا أؤثركِ على فقراء المسلمين ))
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود:
((أَحَقُّ مَا يُكْرَمُ الرَّجُلُ بِهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ ))
إكرام أهل الزوجة من إكرامها
أي أن إكرام الفتاة وإكرام الأخت كما فسر العلماء هذا الحديث بإكرام أهل زوجها، فالعلاقات الطيبة مع أهل الزوجة، فقد تجد أسرّ كثيرة لا يوجد أي علاقة بين أهل الزوج وأهل الزوجة، فبينهم عداوة، و بغضاء، وهذه العداوة لا بدَّ أن تنتقل إلى الفتاة، لذلك إكرام أهل الزوجة، والعناية بهم، والترحيب بهم، وزيارتهم، هذا من إكرام الفتاة.
فمن عنده بنت زوجها فإن أحد أكبر أبواب إكرامها إكرام أهل زوجها، يدعوهم، يزورهم، تستأنس، أحياناً لا ينتبه الإنسان إلى هذه النقطة، الزوج يقسو على زوجته في شتم أهلها، وفي بيان نقائصهم، تتمزق الفتاة، هم أهلها، أمها وأبوها، وزوجها يكرههم.
إخواننا الكرام، نصيحةٌ لوجه الله، الزوج العاقل الذي يريد ولاء زوجته له أحد أسباب ولاء الزوجة إكرام أهلها، لو لم تكن قانعاً بمواقفهم، يوجد عندنا قاعدة رائعة جداً، " أدِ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك "، فأنت كنْ كاملاً، هذه أمها، وهذا أبوها، وهذا أخوها، فإذا أكرمتهم فإكرامهم ليس لهم، إنما إكرامهم لزوجتك، فلذلك من إكرام الزوجة أن تكرم أهلها، يوجد أزواج و أصهار يحاسبون أهل زوجاتهم حساباً عسيراً، قناص للكلمات، كل غلطة بكفرة، هكذا أبوك قال لي، هذه لم تناسبني، لن أدخل إلى بيته بعد الآن، ولأتفه سبب، وضعوا الخبز، ولم يكن ساخناً، هذا إهمال، فيتخذ حجة واهية جداً في الضيافة، أو في الزيارة، ويقطع العلاقة نهائياً، الزوج من عدم حكمته عندما قطع العلاقة مزَّق زوجته، الأب أب، والأم أم، وغضب الزوج من أهل زوجته لا يحيل هذه العلاقة مقطوعة.
لذلك أيها الإخوة إن من إكرام المرأة إكرام أهلها، إكرام أهلها إكراماً لها، وإكرام أهلها يعود خيره على الزوج، فتطمئن الزوجة، أما الذي أظنه أن أسعد زوجةٍ في الأرض هي التي تشعر أن أهلها وأهل زوجها على وفاق، ترتاح، لأن هذا زوجها، وهؤلاء أهلها، ومن الصعب جداً أن تميل بجانبٍ على جانبٍ آخر.
من عقبات الفقر المفتعل: بذل الأموال الطائلة في الولائم
الآن العقبة الثالثة من عقبات الفقر المفتعل، بذل الأموال الطائلة بمناسبة الولائم.
الحقيقة أني أشعر بوجود ظاهرة الآن ليست وسام فخر، البذخ والإسراف الشديد في ولائم الأعراس، وفي الاحتفالات، لدرجة أن نفقة عرسٍ واحد، أو عقد قرانٍ واحد مع الإسراف والتبذير، يكفي لتزويج عشرة رجال، أو مئة أحياناً، ومرة خمسمئة، شاب يحتاجون أشدَّ الحاجة إلى غرفةٍ تؤويهم، وإلى زوجةٍ تكفيهم، فلا يجدون، وعرس واحد في فندق فخم تزيد نفقته على تزويج مئة شاب. إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ

لذلك إخواننا الكرام،( إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، أي أن إنفاق الأموال كأن تحضر الزهور بالطائرة من هولندا، والثياب من فرنسا، والطعام من مكان كذا والعرس مختلط، ووزعت فيه الخمور، وجلبت الراقصات، وعلى بطاقة الدعوة: الطيبون للطيبات.
﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾
( سورة الإسراء )
الآن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي أورده الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام:
(( طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ ))
فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يريدنا أن ننزلق إلى إطعام الطعام من أجل التفاخر، وليمة العرس سنة، أن تدعو الناس إلى طعامٍ بمناسبة الزواج هذا سنة، والآن بعد الطعام الاحتفال، عقد قران تتلى فيه المدائح النبي e، تلقى كلمات توجيهية، يوزَّع نوع من الحلوى في الصيف، وفي الشتاء نوع آخر، فإطعام الطعام من السنة، والاحتفال من السنة، وأنا أفضل ألف مرة أن يكون هناك حفل عقد قران، أولاً ما الفرق بين النكاح والسفاح ؟ النكاح إعلان، حينما تدعو مئتي رجل لحضور عقد قران، وتتلى في هذا العقد قصة المولد، وتتلى مدائح النبي عليه الصلاة والسلام، تلقى كلماتٌ توجيهية، هذا اسمه إعلان، فالإعلان من لوازم النكاح، لكن من دون إسرافٍ ولا مخيلة، والآن في هناك تقليد والله أنا أشجعه كثيراً، يوزع كتاب قيم، وما من بيت ما فيه مصحف بل فيه عشرون مصحفا، خمسين، مع أنه أعظم الكتب على الإطلاق، لكن لما توزع مصحفا ما أضفت شيئاً جديداً، البيت فيه مصاحف، لكنك إذا وزعت كتاباً في الحديث الشريف، كتاباً في الفقه، اسأل أهل العلم في اختيار هذا الكتاب، أحياناً كتاب قيم جداً، هذا الكتاب إذا وزع مع مضي الزمن تتشكل مكتبات إسلامية في البيوت، الآن تتشكل مكتبات كلها صحون، فلو وزع كتاب قيم بثمن الهدية تتشكل مكتبات في البيوت جميعاً، شيء جميل جداً، وأنا أفضل إذا كان أحب أخ أن يوزع كتابا يسأل أهل العلم عن أي كتاب يشتري، كتابا في الأدعية، كتابا في الأحاديث، كتابا بالفقه مختصر، كتابا ملخص إحياء علوم الدين، الآن له ملخصات جيدة، كتاب قيم جداً يوزع هدية.
وقد أعجبني جداً تقليداً آخر، فقد حضرت عقد قران لم يوزع شيء، العادة توزع الهدية مع بطاقة الدعوة، والذين يدعون إلى هذا العقد من أغنياء البلد، لم يوزعوا شيئا ففوجئت وقلت: لعل التوزيع في أثناء الحفل، وفي الحفل لم يوزعوا شيئا، لكن خطيباً قام يخطب وقال: "أصحاب الدعوة توقعوا أن يكون ثمن هذه الهدايا قريباً من سبعمئة ألف ليرة، والحاضرون يبلغون ألف شخص، وكل شخص هديته ثمنها سبعمئة ليرة، فالمبلغ سبعمئة ألف، أودعت عند رجل موضع ثقةٍ، ليزوج بها الشباب المسلمين ".
حضرت أربع عقود مثل هذا العقد، المبلغ تسعمئة، أو ألف، أو مليون تقريباً كل عقد، هذا المبلغ هو ثمن الهدايا، رصد لتزويج الشباب المسلم، هذا أيضاً تقليد، إلى متى نحن نتباهى بهذه العلب، وهذه الصحون، ونشتريها من بلادٍ بعيدة، ويذهب ثمنها من إنتاجنا ومن قوتنا ؟ إما أن تقدم كتاباً يسهم في تشكيل مكتبة في بيوت المسلمين، أو أن تسهم بتزويج شابٍ.
لذلك المتباريان، من هما المتباريان ؟ اللذان يصنعان الولائم للتباهي وللتنافس، المتباريان لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما.
روى أحد أصحاب رسول الله أن النبي أولم على بعض نسائه، بِمُدَّيْنِ من شعير، ويروي لنا أنسٌ رضي الله عنه قصة وليمة أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أقام النبي عليه الصلاة والسلام بين خيبر والمدينة ثلاثاً يبني عليه لصفية بنت حييّ، فدعوت المسلمين إلى وليمته، ما كان فيها إلا خبزاً ولحماً.
إنه طعام طيب، لكنه معقول، أحياناً ترى شيئًا يدمي القلب، أربعة أخماس الطعام ألقي في القمامة، طعام نفيس جداً، وسمعت الآن خبرا سارا، أن جمعيةً تعمم على كل المحتفلين بأعراسهم، وإقامة الولائم في بيوتهم، أو في بعض الصالات، يخبرونها، فتأتي عند انتهاء الوليمة، فتأخذ كلّ ما على الطاولات، وبأساليب جيدة جداً توضع في أطباق، وفي أكياس محكمة، وتوزع على بيوتاتٍ فقيرةٍ فوراً.
مرة حضرت دعوة عقد قران مع طعام عشاء، دهشت أن هذا الطعام كثير جداً، والضيوف لم يأكلوا خمسه، بقي في نفسي تساؤل، في اليوم التالي سألت أحد المقربين من الداعي، قال لي كلمةً والله أثلجت قلبي، قال لي: والله ما ضاع من هذا الطعام حبة رزٍ، كلِّ هذا الطعام وضع في علب، وفي أطباق، وذهب به إلى بعض المياتم، وأكل هؤلاء الأيتام، أطيب الطعام، أسبوعاً بأكملّه.
فإذا أحب إنسان أن يقيم وليمة، وحفظ الباقي من الطعام في عناية فائقة، يوزع على بيوتات فقيرة فلا مانع، بل هذا شيء جميل جداً، القصد أن تُحفَظ هذه النعمة، دققوا في قول النبي عليه والسلام:
((يا عائشة، أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود ))
والله أيها الإخوة، أعرف أشخاصاً كانوا يلقون الطعام في القمامة، والله وصل بهم الفقر إلى أنهم ينقبوا في القمامة، فإتلاف الطعام، إلقاء الطعام في القمامة، الترفُّع عن بقايا الطعام هذا لا ينبغي. ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾
( سورة الأعراف: آية " 31 " )
قال: ما أولم النبي على شيءٍ من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة.
ويا أيها الإخوة، لا زلنا في مبحث الفقر المصطنع الذي يضعه أولياء الفتيات أمام خاطبي فتياتهم، بحيث تغدو هذه الطلبات تعجيزية، وبحيث تجعل الزواج شبه مستحيل، عندئذٍ ينحرف الشباب، كما هو موجودٌ في واقعنا.
الموضوع الذي سنأخذه في الدرس القادم موضوعٌ مهمٌ جداً، كيف أن أولياء الفتيات يكونون عقبةً أمام زواج فتياتهن ؟ وما حكم الشرع حينما يغدو الولي عقبةً كأداء أمام زواج الفتات ؟ كيف أن القاضي هو ولي من لا ولي له، أو ولي من كان وليه متعنتاً، موضوعٌ دقيق جداً نحاول أن نأخذه في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 12  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:14 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج، وتحدثت عن الفقر المصطنع، حينما يغالى بالمهور، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق، يصبح فقيراً لا لأنه فقير، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته.

الولاية في الزواج
وننتقل اليوم، إلى موضوع الأولياء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه:
(( لا نكاح إلا بولي ))
[الترمذي عن أبي موسى ]
وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال، قد يعجبها شكله، ولكن لا تستطيع أن تختبره، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً، هذه الخبرات في معرفة الرجال، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها، أو لئلا تخدع، أو لئلا يستغل طيبها، وسذاجتها أحياناً، أو عدم معرفتها بالرجال، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج، هذه الضمانة هي موافقة الولي.
من هو الولي ؟
من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها، أكثر الناس حباً لها، أشدُّ الناس حرصاً عليها، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه، أو الأم بابنتها، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد.
حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e، فتوفي بالمدينة، فقال عمر رضي الله عنه:
<< أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه *** يرجع إليَّ شيئاً، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ، فأنكحتها إياه >>.
وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها
ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً، ويتحرك، ويسعى، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته، فهذا موقفٌ نبيل، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها، وحفظ لها دنياها، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته، فيتكبر على الخطَّاب، ويضع الشروط التعجيزية، ولا يبالي، بل إن بعض الجهلّة يقولون: " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي "، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر، هذه تركتها لشيخوختي، لا يحب أن يزوجها.
قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها، تخدمه خدمةً فائقة، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها، إنه سعيدٌ بخدمتها، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته، ومن خلال خدمة ابنته له، على صالح ابنته، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر.
لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان، ثم عرضها على سيدنا الصديق، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها، فأنكحها إياه.
فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد، ولا ترضى بأحد، بعد حين يفوتها قطار الزواج، بعد حين تتألم أشدَّ الألم، تتعقد أحياناً، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي، فالسعي مطلوب.
إخواننا الكرام، فهنا نقطة دقيقة جداً.
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
( سنن أبي داود )
هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك، واسعَ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( القصص )
فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها، عليه أن يقدِّم ما يستطيع، أن يتساهل، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل، هذا إنسان أحمق، إما أن يقدِّم، وإما أن يتساهل. السلطان وليُّ مَن لا ولي له
الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته، لو أنه غير موجود، فلو أنه كان مسافراً، أو لو أنه غائب، لو أنه في السجن، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا: " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً ".
معنى: موجودا حقيقةً: ليس لها أب، كأن يكون الأب متوفى.
ومعنى: حكماً كأن يكون مسافرًا، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته.
الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين: رضي الله عنه، كما تعلمون هذه العبارة دعائية، أما إذا قلنا: عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه، فهذه تقريرية، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ: " لقد أغناك الله، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك: أغناك الله "، الأولى دعاء، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء والمحدثين: رحمه الله تعالى، هذه تنفي الإشكال، أما لو قلت: رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين، هذه دعائية، أما إذا ذكرت صحابياً، وترضَّيت عنه هذه تقريرية، والفرق بينهما كبير.
فسيدنا بن عباس رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ ))
قالوا: " والسلطان وليُ من لا وليَ له، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ".
هذه أول قضية حُلّت، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء: " نائب الحاكم ولي، أمير الأعراب ولي، رئيس القرية ولي ".
فالقرية لها مختار، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة، وفي المدينة القاضي الشرعي، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها.
بعض العلماء يقول: " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب، أو يصلُّ فلا يجيب عنه، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان ".
يوجد عندنا حل آخر، الأب ولي، وهو غائب لا نعلَّم أين هو، أو نعلم أين هو، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية، أخوها فالأخ ولي، وعمها وخالها، وهكذا، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها.
إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، وهكذا، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها.
هناك سؤال: أيهما أفضل إذا غاب وليها، أن يزوجها وليها الأبعد، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها.
النقطة الثانية: أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته، وانتقلت الولاية إلى غيره، أو إلى من هو أبعد منه، وهذه بحسب الأعراف والعادات، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد، فهناك سفر معقول ضمن العمل، لكن إذا انقطعت الأخبار، وطالت المدة، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها.
أحياناً الرق والصبي، والمجنون والمختل، والهرم ومن أصابه خبل، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان.
حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية
أحياناً يأتي خاطب، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم، فالأم تريد، والأب لا يريد، الأب يريد، والأم لا تريد، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه، فرضاً، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة.
وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم:
((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ ))
إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء، لها خمسة إخوة، وأبوها متوفَّى، فإذا قلت: المتوفِّي غلط، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله، توفَّى، يتوفَّى، المتوفِّي، الصواب متوفَّى، الإنسان متوفَّى، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً.
أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته، إما أن هذا الرفض معقول، وإما أنه غير معقول، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض، والزواج لا يناسبها أبداً، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي.
روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال:
((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ]فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ))
أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل، فيقول له: والله لا أزوجك أبداً، فمن الضحية ؟ الفتاة، هذا اسمه عضل، والعضل لا يجوز، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة.
فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة، أو قبل عقد القران، فيتألم الأب أحياناً، أو يتألم الأخ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب، أو أن يؤدب هذا الطالب، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره، أو ليثبت شخصيته قال: هذا لا يجوز، إذا كان الخاطب جيداً، وكانت الفتاة ترضى به، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع، الآية الكريمة:
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾
( سورة البقرة: آية " 232 " )
الإمام الطبري، يفسر هذه الآية فيقول: " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء، مضارة من كان له أولياء من النساء، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح ".
أي بانت بينونة صغرى، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها، بإمكانها أن ترفض، وبإمكان وليها أن يرفض، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً، وبانت منه بينونة صغرى، ثم ندم على فعلته، وجاء يخطبها مرةً ثانية، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل.
بالمناسبة، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة، تبقى في بيته ثلاثة قروء، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد، ولا مهر، ولا ولي، ولا أي شيء، مراجعة قولية أو فعلية، لو وضع يده على يدها فقد راجعها، لو قال لها: لقد راجعتك، فقد رجعت إليه، لكن حُسبت طلقة، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر، هذه البينونة الصغرى.
يوجد عندنا حكم شرعي دقيق، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرَّ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم.
المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي، يرى في رأي الولي، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها، لعل هناك عقبة كؤود، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه، لا بدَّ من التشاور.
عندنا حالة يؤسف لها كثيراً، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً، فيعضل ابنته لعلّة الغنى، أي يتمنى خاطباً غنياً، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض، هذا عضل وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي.
شيء آخر، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها، يخشى أن يأتي زوج، فيأخذها منه، ويأخذ معها ما تملك، هذا أيضاً الدافع مادي، وعندنا قاعدة أساسية، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة، أما إذا أراد الدنيا، خسر الدنيا والآخر.
لدي كلمات أقرأُها لكم:
" إذا رضيت الفتاة رجلاً، وكان كُفئاً لها، وجب على وليها، كالأب أو الأخ أو العم، أن يزوجها به، فإن عضلّها أي امتنع، زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم أو نائب الحاكم، وأقصد به القاضي الشرعي، بغير إذنه، باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة، وإنما يجبرها، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك ".
وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال، أي كلام فيه استعطاف، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره، ويقول:
((يا بنيتي، إن فلانا قد ذكرك، لك الخيار))
[ورد في الأثر]
فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً، لكن لم يرق لابنتك، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض، لك أن تقول لها: فلان أخلاقه عالية، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ ))

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ))
[البخاري]
هذه هي المخالعة، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته، قد تكره هذا النموذج، قد تكره هذا الشخص، لا بدَّ من موافقة الولي، وموافقة الفتاة معاً، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً.
الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية، النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً، أو مفقوداً حكماً، أو كان حجر عثرةٍ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود، أو وليها يعضلّها عن الزواج، عندئذٍ يتولى الأبعد، أو نائب السلطان، وهو القاضي الشرعي، تزويج هذه الفتاة، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته.
إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية
ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج، فمن هذه التدابير: استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب
استحباب النظر إلى المخطوبة، الآن دققوا: فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته، إلا الحالات الشاذة، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً، أو لها وليٌ غائبٌ، فهو كالمفقود حكماً، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها، عندئذٍ هناك من يزوجها، إما وليٌ آخر أو القاضي.
لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع، هناك مشكلات، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها، أو أنه نظرَّ إليها، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير، ورضيها، وأحسن إليها، فلا يوجد مانع، فهي بطولة، أما إذا قبلها بادئ الأمر، ثم بالغ في إهانتها، لأنها لم تكن في طموحه، فقد أجرم بحقها، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ، وتعيش في أجواء أخرى، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء، لها أبٌ يحبها، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت: " أنا أختارها زوجة لي، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك، وهي بطولة منك، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها، وتمتهن كرامتها، لأنها ليست في طموحك، هذه جريمةٌ بحقها، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها.
النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام:
((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))
ومعنى أن يؤدم بينكما، أي أن تدوم المودة بينهما، فأحد أسباب المودة بين الزوجين، أنه نظر إليها، ولم يغرر بها، ولم يدلس له عليها ورضيها، وأعجبته، وخطبها عن قناعةٍ، وعن رغبةٍ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين.
بعض العلماء قال: " معنى أن يؤدم بينكما، يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ".
أي إذا نظرت، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده، انتهى موضوع الندامة، وموضوع اللوم، كأن تقول: " لولا أنت لما تزوجتها، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد.
فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام: استحباب النظر إلى المخطوبة، واستحباب النظر إلى الخاطب، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم، أربع أشياء، أن تنظر إليها، وأن تنظر إليك، وأن تستشار البنت في الزواج، وأن تستشار أمها، فإذا جاءت الموافقات بالأربع، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين.
لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه، ولكن الزواج صحيح، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح، أما لو الزواج تم، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام.
وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ))
( من سنن أبي داود: رقم " 1783 " )
المعنى واضح، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، أي أن تكون على الصفة الفلانية، هكذا طموحه، فإذا نظرت إليها، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها، هذا من علامات التوفيق، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين.
عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ ))
( مسند أحمد )
عندنا حكم فرعي، وحكم لطيف جداً، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود، والخاطب الثالث فلا يعود، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته، وعلى شأنها وعلى مكانتها، قد تكون فتاة مؤمنة، حافظة لكتاب الله، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة، بل مليون، فإذا كان أول خاطب لم يعد، والثاني لم يعد، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح، وعلى معنوياتها أن تهبط يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري، ومن الممكن ذلك، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري.
أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال: " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه، وهو مذهبنا، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ".
بعضهم علقَّ هذا التعليق: " يستدلُّ بالوجه على الجمال، أو جلده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال، قال: " ولا يباح النظر، إلى ما لا يظهر عادةً ".
في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً.
بعض العلماء قال: " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر "، ولكن الإمام النووي يقول: نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لسببين: أن الوجه مجمع المحاسن، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ".
ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط.
هنا تعليق لطيف، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح، يقول الإمام النووي: " إذا لم يمكنه النظر، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إليه وتخبره ".
وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة، ليست متديِّنة، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً، ورعةً، لا تكذب، لا تغير الصفات لا تبدِّل، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ، أو لمشكلةٍ، أو لعداوةٍ، أو لمنافسةٍ، فالابن أو الأخ بسيط فإن قيل له: الفتاة لا تناسبك، فبهذا القضية انتهت، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة، وقد تكون غير ذلك، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة.
الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين، وبالإيمان حد أدنى، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها، إلا الكذب والخيانة، أقول لكم هذا الكلام الدقيق: مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً، يجب أن تنقل الواقع بأمانة.
طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام.
والأولى عندنا قاعدة في الحديث، وهي أن الحديث المتواتر، يستحيل الكذب فيه، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم، له أن يرسل امرأةً أخرى، فإذا جاء التواتر موافقاً، فيرسل امرأة ثالثة، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة، معناها كلهنَّ صادقات، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق.
بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب، واستشارة الفتاة، واستشارة أمها، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين.
أسئلة متعلقة بالخِطبة
هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة:
السؤال الأول:
متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟
الجواب:
والله الأولى والأصوب، والأكمل والشيء الشرعي أكثر، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء، وتبقى الرؤية الحاسمة، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم، والخاطب مقيم بدولة خليجية، ويريد أن يراها، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل، ***اذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية، فلا داعي لذلك، فلك أنت ظروف ولهم شروط، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم، اطلب أن تنظر إليها، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها.
السؤال الثاني:
سألني أخ سؤالا: ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟
الجواب:
ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين، فالأصل زوجة واحدة، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا، هل الأولى أن نطلقها، وأن نلقيها في الطريق، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية.
امرأةٌ مريضة، الأولى أن نطلقها، ونلقيها في الطريق، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له: تزوج ثانية.
رجلٌ له حالةٌ خاصة، لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية.
عقب الحروب، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد.
إذاً التعدد مباح وليس واجباً، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف، كامرأةٌ لا تنجب، أو امرأة مريضة، أو امرأة لا تحصن زوجها، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أو عقب الحروب والنكبات، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق، فالمطلق يشمل، ميل القلب:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ:
(( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ ))
أما التام، السكنى، أي أن البيتين في مستوى واحد، الإنفاق اليومي، المبيت أو الوقت، فإذا كان هناك حاجة، وكان هناك قدرة، وكان هناك عدل تام، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع.
السؤال الثالث:
إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟
الجواب:
مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين، وهناك رأيٍ ضعيف، لم يجمع عليه العلماء، أن ينظر إلى أكثر من ذلك، أي للشعر، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة، أما إذا اكتشف فيها عيباً، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد، فليس كل عيب، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة، خير إن شاء الله، فأنت لك عشرة أسنان، لديك محشوة، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، أو سليماً مئة بالمئة، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله.والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 13  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:16 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس من دروس الزواج، وقد ترون معي أن هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعالج في هذا الوقت، وقد وصلنا في الدرس الماضي، إلى نظر المخطوبة إلى الخاطب، وتحدثنا أن هناك تصرفاتٍ يمكن أن تمتِّن العلاقة الزوجية، هناك تصرفاتٌ قبل الزواج، تمتن هذه العلاقة، وأخرى بعد الزواج تمتن هذه العلاقة، فأما التي قبل الزواج فنظر الخاطب إلى مخطوبته، وقد تحدثنا عن هذا في الدرس الماضي.

نظر المخطوبة إلى الخاطب
وأما الإجراء الثاني أو التصرف الثاني، نظر المخطوبة إلى الخاطب، فيسن للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا أرادت أن تتزوجه، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولها أن تستوصف الرجل أي أن تسأل عن بعض صفاته، هذا من حقها، كما مر في بحث أن الزوج له أن يستوصف زوجته.
يقول أحد العلماء يذكر قصةً وهي: " أن المغيرة بن شعبة وفتىً من العرب خطبا امرأةً، وكان الفتى جميلاً، فأرسلت إليهما المرأة وقالت: لا بد من أن أراكما، وأن أسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فقال للفتى: لقد أوتيت حسناً وجمالاً وبياناً، فهل عندك سوى ذلك، قال: نعم، فعدد عليه محاسنه ثم سكت، فقال المغيرة: فكيف حسابك، قال: لا يسقط علي منه شيء، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة، فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني، أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى من الخردلة، فتزوجت المغيرة ".
طبعاً هذه قصة، لكن قد يؤخذ منها أن المرأة من حقها أن ترى الخاطب، كما أنه من حقه أن يرى مخطوبته، ولها أن تستوصفه، أي أن تطلب أوصافه، كما له أن يطب أوصافها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، وأصل هذا الكلام.
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة البقرة: آية " 228 " )
إذاً المرأة مساويةٌ للرجل في هذا، لكن هذه الرؤية سواء كانت من قِبل الفتاة إلى خاطبها، أو إن كانت من قِبل الخاطب إلى مخطوبته، هذه الرؤية تتم مرةً أو مرتين، أما أن يفعل الخاطبان كما يفعلُ بعضهم من دون قيود، ومن دون حدود، أشهر، بضعة أشهر زيارات، سهرات، خروج خارج المنزل، هذه إباحيةٌ لا يقبلها الإسلام.
على كلٍ، إن كانت هذه الخطبة بهذه الطريقة التي لا يرضاها الإسلام، آتت أكلها، فلنصغِ قليلاً إلى الإحصاءات:
إنّ نسب الطلاق في ألمانيا خمسة وثلاثين بالمئة، أي أن من كل مئة زواج خمسة وثلاثين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، ونسبة الطلاق في أمريكا اثنان وستون بالمئة، أي أن من كل مئة زواج اثنين وستين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، أما عندنا في سوريا فالقاضي الشرعي الأول يقول: ثلاثة بالألف، ففي ألمانيا خمسة وثلاثون، واثنان وستون في أمريكا، وثلاثة بالألف في بلاد المسلمين، هذا هو الشرع الحكيم.
شيءٌ آخر، وهي دراسة لطيفة أسوقها لكم، وزير الهاتف الفرنسي أصدر قرارًا بالسماح لمن يطلب أن يراقب خطه الهاتفي، وأن يعطى مَن المتكلِّم، ويعطى تسجيلاً للمكالمات الطويلة التي تتم في غيبته، إلا أن رئيس الجمهورية جسكار ديستان ألغى هذا القرار حفاظاً على أسرار البيوت، لأن نصف نساء فرنسا يخُنَّ أزواجهن، لذلك الجمعيات النسائية أثنت على قرار إيقاف هذا الإجراء الذي يسمح للأزواج بطلب معرفة رقم هاتف من يتصل بزوجاتهن في غيبتهن، لأن الخيانة الزوجية في بعض الإحصاءات بلغتْ ثلاثين بالمئة، وفي بعض الإحصاءات بلغت خمسين بالمئة، وهذه الأرقام كلها قديمة قبل عشر سنوات، ويبدو الآن أنها تزيد على السبعين أو الثمانين بالمئة، فهذه الخطبة المطولة التي لا قيود فيها ولا فيها حدود لم تؤتِ ثمارها، بل بالعكس أدت إلى طلاقٍ مخيف، وأدت إلى خياناتٍ زوجية، فيما لو بقي الزوجان على عهدهما أو مع بعضهما بعضاً.
استئذان البنت في الزواج وعدم إكراهها
الذي يلفت النظر في الشرع الحكيم أن البنت ينبغي أن تُستأمر، فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لا ؟ فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ ))
أي أن سكوتها إذنها.
وقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ ))
لكن هناك شيء يلفت النظر في المذهب الظاهري، هذا المذهب يأخذ بظاهر النص، يقول أصحابه: " لو أنك استأمرت فتاةً في زواجها، أي استأذنتها وقالت: أنا أريد هذا الزوج وأنا أرحب به، وأنا موافقٌ عليه، فالزواج باطل، لماذا ؟ لأن أذنها صمتها، وهي تكلَّمت .
وهذا من باب الطرفة، فبعض المذاهب الظاهرية ترفض أن تتكلَّم الفتاة إذا استُئْمِرت، لأن إذنها صمتها، والكلام أبلغ من الصمت.
وقد روى الإمام الترمذي كما قلت قبل قليل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ ))
اختلف العلماء فيما إذا كان استئذانها مستحبٌ أو واجب، إلا أن الأغلب والصحيح أن استئمارها أو استئذانها واجب.
يقول بعض العلماء: " لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط، لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها ".
الآن هناك موضوع آخر في سياق هذا الموضوع، لا يجوز إجبار البنت على الزواج، فقد ثبت في الصحيح أنه قال:
(( لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ ))
( صحيح البخاري)
وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ))
الحكم إذاً: لا يجوز أن تجبر البكر على النكاح، ولا أن تزوج إلا برضاها.
وكلكم أيها الإخوة الكرام، لا شك أنكم حضرتم عقود قران، وحضرتم جانباً من هذه العقود، كيف أن الموظف الموكَّل بكتابة العقد، بعد أن يسمع الإجابة والقبول من الزوج ومن والد الفتاة، ينهض ليسمع بإذنه موافقة الفتاة من وراء الحجاب، هذا من شرعنا الحنيف.
يقول بعض العلماء: " تزويج الفتاة مع كراهتها للنكاح مخالفٌ للأصول والعقول، والله لم يسوِّغ لوليها أن يكرهها على بيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ إلا بإذنها، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعةً ومعاشرةً، والله قد جعل بين الزوجين مودةً ورحمة، فإذا كان هذا لا يحصل إلا مع بغضها له ونُفورها منه، فأية مودةٍ وأية رحمةٍ تكون بين الزوجين ؟! ".
إذاً أن يجبر الولي ابنته على الزواج من شخصٍ ما وهي رافضة ولا تريد، هذا مما نهى عنه الشرع الحنيف.
أما من تزوجت بغير رضاها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ
(( أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ ))
إذاً ردُّ النكاح إذا كانت ثيباً، ولم تكن راضيةً به، من الأحكام الشرعية التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وروى الإمام ابن ماجة عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:
(( إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))
إنه ما لم توافق الفتاة فالزواج ليس مشروعاً، لأنها هي الزوجة، وهي التي تعيش مع هذا الزوج طوال حياتها، فإن لم تكن راضية ففي الأعم الأغلب يكون الشقاق والخصام بين الزوجين.
الخلاصة.. ألاّ تزوج المرأة بكراً كانت أو ثيباً إلا بموافقتها، ولو تزوجت بالإجبار، كان لها طلب فسخ النكاح.
فالذي يرِد في هذا الدرس من أحكام شرعية فيها أحكام خلافية، هناك أحكام أُخرى، فهناك أحكام تُجيز، وهناك أحكام تمنع، القصد أن نعرف عظمة هذا الشرع الحنيف.
استشارة الأم في زواج ابنتها
وهناك تدبير آخر قبل الزواج، مما يمتِّن العلاقة الزوجية، هذا التدبير أن تُستأمر، أو أن تُستشار أُمّ الفتاة بزوج ابنتها، الولي يوافق، والفتاة توافق، وينبغي أن تُستأذن، أو تُستشار أُم الفتاة بذلك، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ ))
( سنن أبي داود )
يقول بعض العلماء في شرح هذا الحديث، وهذا الحكم: " يُستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ "، ولأنها تشاركه في النظر لابنتها، وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها، وفي استئذان الأم تطييبٌ لقلبها، وإرضاءٌ لها، فتكون أولى، وربما كان من مزايا استشارة الأم في تزويج ابنتها، أن البنت قد لا تفصح عما يدور في صدرها من التردد والاضطراب إلا لأمها، فاستشارة الأم إذاً هي الطريقة المفيدة لمعرفة رأي البنت، والله أعلم.
إذاً: استشارة الأم في تزويج ابنتها، لأن الأم إن استشرتها طيَّبت قلبها، وإن استشرتها جعلتها شريكة حياتك، وإن استشرتها فهي تشفق على ابنتها، وتريد لها الخير وإن استشرتها، ربما باحت البنت لأمها ما لم تبح لأبيها، فكأنك إذا استشرت الأم، عرفت رأي البنت الحقيقي في هذا الزواج، إذاً: الأم تُستأذن.
حكم إكراه البنت على الزواج
ومن تزوجت بغير رضاها، ثيباً كانت أو بكراً فلها أن تفسخ عقد الزواج، ولا يجوز إجبار الفتاة على التزوج ممن لا تريد، وإن رفضت فليست عاقةً لوالديها، ولا علاقة للعقوق بهذا الموضوع، ويجب استئمار البنت، كما قلت في أول الدرس، لأن البنت هي الزوجة، وإذنها صبها، وللبنت أن ترى خاطبها، وهذا من حقها، لقوله تعالى:
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
( سورة البقرة: آية " 228 " )
ولقد يُعجبها منه ما يُعجبه منها، ولها أن تستوصفه، أن تسأل عن بعض صفاته الخاصة، كل هذه التدابير، ينبغي أن تتم قبل الزواج، لأنها من شأنها أن تمتِّن الزواج.
الحقيقة أن للإنسان أن يتزوج، وله أن يطلق، لكن البطولة أن تتزوج، وأن لا تطلق، فكيف لا تطلق ؟ إذا اتبعت منهج الله في الزواج، إذا اخترت الفتاة المؤمنة، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، والمقصود بجمالها فقط، الجمال مطلوب، أما لجمالها فقط أذله الله، ومن تزوجه لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك.
إذاً: أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وأن تنظر المخطوبة إلى خاطبها، وأن تُستأمر البنت، في خاطبها، وأن تُستأذن أُمها، وألا تُكره على الزواج ممن لا تحب، وبيان حكم الشرع، في من أُكرهت على الزواج ممن لا تحب، هذه بعض التدابير التي ينبغي أن تكون قبل الزواج، من حيث أنها تمتِّن العلاقة بين الزوجين، وربما تعصم الزواج من أن ينفسخ بعد أمدٍ قريب.
التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج
الآن ننتقل إلى موضوعٍ آخر، وهو التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج والتي من شأنها أن تمكن العلاقة بين الزوجين، ولعلي أضع يدي على جراح يعانيها كثيرٌ من الأزواج، وهذا الكلام يجب أن يصل إلى الزوجات. 1 – ظهور المرأة بمظهر لائق أمام الزوج
من التدابير التي تمتِّن العلاقة بين الزوجين أن تظهر المرأة أمام زوجها، بمظهرٍ لائق، لأن المؤمن لا ينبغي أن يعرف غير زوجته إطلاقاً، فإذا أهملت مظهرها قوَّت في نفسه دافع التطلع إلى غيرها، هي التي تقوي دافع التطلع إلى غيرها إذا أهملت مظهرها، والأخطر من ذلك أن تعتني بمظهرها في الحفلات النسائية، وفي كل المناسبات، بينما الاعتناء بمظهرها ينبغي أن يكون في الدرجة الأولى لزوجها، لأن الزواج حِصنٌ للزوج.
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(( مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))
[متفق عليه]
إنه لا ينبغي أن يكون الزوج محروماً من أناقة زوجته، ومن مظهرها الحسن، هذا يعينه على العفاف، ويعينه على أن يقنع بها، ويعينه على عدم التطلع إلى غيرها، هذا كلام وإليكم الأدلة:
إن الإنسان أحياناً يعاني من مشكلة في البيت، ويظل ساكتاً، والزوجة بريئة، ولا تعلم، أحياناً يكاد هذا الزواج ينفصل، وينتهي بالطلاق، هو ساكت، وهي ساكتة، هو لا يدري ماذا يقول لها، وهي لا تعلم ماذا ينبغي أن يُقال لها، فالجهل أحياناً يكون سبباً لفصم هذه العلاقة الزوجية، فلذلك الزوج المؤمن يوضِّح، ويبين، ويذكر لزوجته ما قاله النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقد يقول الزوج: أنا والله أستحي أن أقول لزوجتي: عليك أن تتزيني أمامي، طيب يا أخي عليك أن تُسمعها هذا الشريط، هذا موضوع الدرس الماضي.
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ ))
(سنن النسائي )
تسره إذا نظر، فهل غابت عنه صلَّى الله عليه وسلم أن يقول: (( إليها ))
؟ فالنبي حكمته في إلغاء كلمة ( إليها ).
(( تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ ))
إليها وإلى أشياء في البيت، إذا نظر إليها تسره، وإذا نظر إلى أولادها تسره، وإذا نظر إلى غرفتها تسره، وإذا نظر إلى غرفة الجلوس تسره، وإذا نظر إلى المطبخ تسره، وإذا نظر إلى المائدة كلها صحون، وعليها أكل من يومين، خذ كل تفضل، لم يُسَرّ بهذا، فالطعام يجب أن يكون في صحون جديدة، والطعام جيد وساخن، تسره إذا نظر إلى المائدة، وإلى غرفة النوم، وإلى غرفة الاستقبال، وإلى غرفة الجلوس، وإلى نظافة الجدران، والبلور والنوافذ والستائر.
(( وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ ))
لأن أكثر شيء يدعو إلى العجب في ساعة غضب يحلف الزوج يمين طلاق على زوجته ألا تذهبي إلى بيت أختك، سبحان الله ! لا يحلو للمرأة إلا أن تكسر يمينه بحماقة، فلا تحلو لها إلا أن تخرج من بيتها إلى بيت أختها وعندئذٍ تقع المشكلة، وفي حيص بيص كما يقولون، ثم نقف على أبواب المشايخ نستفتيهم، فشيخ يقول لك: طلقت، يا بني أخرج، وشيخٌ آخر يعطيك فتوى قد لا تطمئن إليها، وقد كنت في غنىً عن كل هذا، لذلك المرأة الصالحة تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر، وكذلك إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع، فعدم حكمة الزوج أن يعطي أوامر غير معقولة، لما تحرمها من أمها ؟ هي عليها أن تطيع، وأنت أيها الزوج الكريم عليك أن تعطي أمراً معقولاً.
روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن جابرٍ قال:
(( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا يُعْجِلُكَ ؟ قُلْتُ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ))
أي انتظروا حتى تتهيَّأ زوجاتكم لكم، حيث إن المطلوب إذا كان الزوج مسافرًا أن تتهيأ الزوجة كما ينبغي في أعلى درجة لتستقبل زوجها.
يقول الإمام النووي رضي الله عنه: " هذا الحديث الشريف الذي فيه هذا التوجيه مما يمتِّن العلاقة بين الزوجين "، هذا هو الحق، لكن المشكلة أن كل الزينة، وكل العناية، وكل الأناقة، وكل الهندام الحسن، لغير الزوج، هذه من مشكلات بيوت المسلمين، أية امرأةٍ تهمل مظهرها أمام زوجها تقوي في نفس زوجها رغبة النظر إلى غيرها، فإذا نظر إلى غيرها فهي آثمة وربِّ الكعبة، وجزءٌ من عبادتها أن تحصِّن زوجها، جزءٌ من عبادتها أن تجعل زوجها قانعاً بها.
وروى الإمام البخاري عن جابرٍ رضي الله عنه أيضاً قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا ))
سأقرأ لكم ما جاء في فتح الباري في شرح أحاديث البخاري عن هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا ))
قال: " لأن طول الغيبة مظنة الأمن من القدوم، فيقع الذي يقدم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره "، فإذا غاب الإنسان طويلاً عن بيته، ودخل فجأةً، في الأعم الأغلب يقع على ما يكره، " فقد يجد أهله على غير أُهبةٍ من التنظُّف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبباً في النفور منها ".
وفي الحديث أيضاً إشارةٌ أخرى إلى أن المرأة كما قلت قبل قليل، عليها أن تكون مستعدة لاستقبال زوجها دائماً، أما إذا طالت غيبته فقد أمِنت أن يأتيها فجأةً، أما إذا جاء فعليه ألا يأتيها فجأةً، بل أن يعلمها قبل أن يأتي، والنبي الكريم كان يدخل المسجد، ويصلي، ويرسل لأهله خبراً أنه قَدِم، والآن بالهاتف، ونحن في المطار، وبعد ساعتين نكون في البيت، مثلاً.
وهناك قصة، روى الإمام البخاري والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( كانت امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنها تخضب وتطيِّب ـ أي تخضب شعرها وتعطِّر نفسها ـ فتركته ـ أي أهملت شعرها وتطييب بدنها ـ فدخلت علي، فقلت لها متعجِّبةً: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ ))
النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، وأصحابه طبقوا منهجه، فما فعله الصحابة الكرام فعلوه تنفيذاً لأمر النبيّ e، وهذا دليلٌ على وجوب ما سأقوله لكم، فقالت عائشة: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ قالت: بل هو شاهد، قالت: فما هذا ؟!! لماذا أنت تهملين نفسك، قالت: عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء، انصرف عنها إلى عبادته، وإلى قيامه، وصيامه فأهملت نفسها، والقصة لها تتمة، النبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان، وقال:
(( يا عثمان، أليس لك بي أُسوة ؟ ألست قدوةُ لك ؟ ))
أعطاه توجيهاً كي يهتم بزوجته، وكي يجلس معها، وكي يعطيها حقها، لأنها محبوسةٌ له في الشرع، بعد حين جاءت امرأة عثمان ابن مضعون، قالت عائشة: نضرةً عطرة، فسألتها عن حالها، فقالت: أصابنا ما أصاب الناس، يعني أصبحت زوجة كبقية الزوجات، رضي الله عنهم.
إن هذا كلام مهذب جداً، تحتار أين درسوا ؟ يعبرون عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ، يعبرون عن المعاني المحرجة بكلمات لطيفة جداً، أصابنا ما أصاب الناس، لماذا أنت هكذا ؟ إن زوجي صوامٌ قوام، قائم الليل، صائم النهار.
يقول الإمام الشوكاني: " استنكار عائشة رضي الله عنها بترك زينتها وزوجها شاهد حكمٌ شرعي "
السيدة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام استنكرت فعل امرأة عثمان بن مظعون من إهمال نفسها وزوجها شاهد، هذا حكم شرعي، والمعنى أنه يجب على الزوجة أن تعتني بهندامها ومظهرها لزوجها قبل كل شيء.
والله مرة سمعت من امرأةٍ قريبةٍ لي متقدمةٍ في السن، قالت لي: " حرام، حسب فهْمها، أن ترتدي المرأة الثوب أول مرة لغير زوجها حرام "، يعني إذا اشترت ثوباً جديداً لا يجوز أن ترتدي الثوب أول مرةٍ إلا لزوجها، والآن قد لا يرى الزوج إطلاقاً الثوب الجديد.
بعد الزواج ربما كان أحد أكبر ما يمتن العلاقة بين الزوجين، ويديم المحبة والمودة، أن تبدو الزوجة دائماً بالمظهر اللائق الحسن أمام زوجها، من أجل أن تعينه على غض بصره، من أجل أن تعينه على تحصين نفسه، من أجل ألا تقوي في نفسه الرغبة في غيرها، إذا فعلت المرأة هذا فهي عابدة لله.
والله قد تفهمون مني شيئاً لا أريده، لكن والله إن المرأة التي تسهم في إعفاف زوجها، وفي إحصانه، وتجعله يقنع بها وحدها، عن طريق ما تبذل من عنايةٍ فائقةٍ بمظهرها وهندامها، ربما كانت وهي تفعل هذا في أعلى درجات عبوديتها لله عزّ وجل، لأنها تقوم بالمهمة التي أناطها الله بها، طبعاً هي تصلي، وتصوم، وتقوم الليل، وتقرأ القرآن، ولكن من دون أن يشغلها ذلك عن وظيفتها الأساسية، لأن الصحابيات الجليليات رضوان الله تعالى عليهن كانت الواحدة منهن على أشد الشوق إلى قيام الليل، وعلى أشد الشوق إلى الصلاة، لا تقوم إلى الصلاة إلا بعد أن تسأل زوجها: ألك بي حاجة ؟ فإن قال: لا، ذهبت إلى مصلاها، هذه المرأة المؤمنة.
أما هذه التي تبالغ في العبادة، وزوجها يغلي غضباً، وضجراً، وتأففاً، هذه لا تعبد الله، هذه تعبد الله على مزاجها، لا وفق ما أراد الله عزّ وجل، هذا الحق، فكلما طبقنا هذه الناحية صار الوئام، والوفاق، والمحبة والمودة.

2 – اهتمام الرجل بمظهره أمام زوجته
البند الثاني، أو التدبير الثاني الذي يمتن العلاقة بين الزوجين بعد الزواج: أن يهتم الرجل بمظهره أمام زوجته، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة البقرة )
فأنت ترى، وهي لا ترى ؟ أنت تريد هنداماً حسناً، ومظهراً أنيقاً، ونظافةً أنيقة، وعطراً، وهي ليس لها نظر ؟ ليس لها شم ؟ هي عمياء، ولا تشم ؟ لا هي مثلك، لذلك قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: << إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزيَّن لي، لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
هنا حديث لطيف للإمام القرطبي، فأحياناً كل سن له زينة، وكل عمر من أعمار الرجال له زينة تناسبه، فإذا تجاهل أحد سنه، وتزين بزينة لا تليق به أصبح مبعثًا للضحك، امرأةً كانت أو رجلاً، المفروض أن تراعي الزوجة وضعها العام، ويراعي الزوج وضعه العام.
وبالمناسبة، هذه المرأة التي قدَّمت لأبنتها وصيةً يوم زفافها، قالت: " يا بنيتي خذي عني عشر خصال تكن لكي زخراً وأجراً، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتفقُّد لموضع عينه، والتعهُّد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحُسْن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود ".
ثبت أن للجلد البشري رائحةً عطرة، فإذا لم يكن مع الجل ثمن عطور أبداً، وكانت غالية، فقد يبلغ ثمنها خمسة آلاف ليرة، أو ثلاثة آلاف، فعندنا روائح رخيصة نستعملها، فإذا تنظف الإنسان، وجلده له رائحةٌ عطرة، والماء أطيب الطيب المفقود، والكحل أحسن الحسن الموجود، هذه وصية امرأةٍ توصي بها ابنتها ليلة زفافها، قال:

3 – إجابة المرأة زوجها إذا دعاها
وعلى المرأة أن تجيب زوجها إذا دعاها، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام الترمذي، قال: قال عليه الصلاة والسلام::
(( إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ ))
وقد أكدت الشريعة الإسلامية أن عدم إجابة المرأة لطلب زوجها معصيةٌ كبيرةٌ موجبةٌ لغضب الله تعالى، ولعنة الملائكة، ولا تقبل صلاتها حتى ترجع، وذلك لأنها تسدُّ على زوجها طريق الحلال، وتدفعه إن كان ضعيف الإيمان إلى اختيار السبل المحرمة، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا ))
وأما لعن الملائكة الزوجة بسبب عدم استجابتها فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
(( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
إذا كان الزمنُ شتاء كان الليل طويلا، وطول الليل تلعنها الملائكة، وفي رواية أخرى:
(( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ ))
الشيء الذي يلفت النظر حديث جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي :
(( ثلاثةٌ لا تقبل لهم صلاةٌ، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى ))
[الجامع الصغير بسند فيه ضعف]
وهل تصدقون أن المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، نصف دينها أن تحفظ نفسها عن غير زوجها، وأن ترضي زوجها، معنى ذلك أن نصف دينها زوجها، بالضبط، إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها أي كانت عفيفة وورعة، وأطاعت زوجها فيما يريد، دخلت جنة ربها.
دين الرجل فيه ألف بند، أو خمسة آلاف، أو مئة ألف بند، ففي البيوع أربعمئة حالة، فإذا كان الإنسان تاجرًا فعنده مزالق كثيرة جداً، دين الرجل يحتاج إلى دقة بالغة، في كسب المال، في إنفاق المال، أما هي في البيت.
4 – لا يجوز للمرأة الاشتغال بالعبادات عن زوجها في غير الفريضة
عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم هو أنه: " لا يجوز للمرأة أن تشتغل في العبادات بغير الفريضة، مهملةً حق زوجها عليها، فقد أمر النبيّ ، ألا تطيل صلاتها النافلة، إذا تضرر زوجها بها ".
قد يحضر الزوج إلى بيته جائعًا وغضبان، ويغلي من الداخل، وهي تصلي صلاة النفل عشرين ركعة، فيخرج من جلده، وتكرّهه في الصلاة، والنبي أمر ألا تصوم المرأة صوم النفل وزوجها شاهد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ … ))
[البخاري]
فقد تحب أن تصوم بعض الأيام غير الواجبة، أما إذا سافر زوجها وصامت فلا مانع، أما أن تصوم وزوجها شاهد فلا بد من إذن، فهي تحتاج إلى إذنه، وإلا تعتدي عليه بهذا الصيام، هكذا ورد عن النبي عليه .
روى الإمام أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال:
(( جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا... ))
أرأيتم إلى الشرع الحكيم ؟ من أجل أن يكون البيت جنة يتحمل الإنسان متاعب كثيرةً في الحياة، أما إذا كان في البيت منزعجًا فالقضية كبيرة جداً، فقد يتحمل كسب الرزق، ويتحمل تعقيد الحياة، ويتحمل مشقة العمل، ويتحمل المنافسة في كسب المال، أما إذا جاء إلى البيت أيضاً في البيت انزعاج ونفور ومشاكسة وإهمال، عندئذٍ يغدو البيت جحيماً لا يطاق.
روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ ))
أما في شهر رمضان فمستحيل، فالفرض لا تحتاج فيه إلى إذن، وكذا صلاة الفرض لا تحتاج لإذن، ولا استئذان، ولا لشيء، فالحديث عن النفل فقط.
وأيضاً هناك حق للزوجة، كما أن عليها ألا تتردد في تنفيذ طلبه وتلبية حاجته، ولو كانت على التنور، هو عليه أن يقوم بوظيفته الزوجية، أما أن يهملها، أما أن ينسى هذا الموضوع، أما أن ينشغل بشيء آخر، وهي محبوسةٌ له، وهي لها حقٌ عليه فلا يليق، لذلك قال بعض المفسرين، في قوله تعالى:
﴿ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾
( سورة النساء: آية " 129 " )
أي لا فارغة فتتزوج، ولا ذات زوج بالمعنى الحقيقي، لا هي متزوجة كغيرها من الزوجات، ولا هي غير متزوجة فتتزوج، فهذه المعلقة التي أهملها زوجها.
وهناك قصة تعرفونها فيما أذكر، أن امرأةً جاءت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالت: << يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله ـ ما هذا الأدب ؟ ـ فقال: نِعْمَ الزوج زوجك ـ سيدنا عمر يظهر أنه كان مشغولاً، فأجابها بهذا القول، وجعلت تكرر عليه القول، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، لأنه في طاعة ربه، فقال: نعم الزوج زوجك، وقد كان عنده صحابي اسمه كعب الأسدي، قال: يا أمير المؤمنين، هذه امرأةٌ تشكو زوجها، وليست تثني عليك، أديبة كثير، ومهذبة، رقيقة تشكو زوجها، إنها لا تثني عليه، وأنت تقول لها: بارك الله لك في زوجك، هي تشكو زوجها، فقال عمر: هكذا فهمت من كلامها ؟ إذاً فاقضِ بينهما، فقال كعبٌ: عليّ بزوجها، فأوتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، قال: أفي طعامٍ ؟ البراد مليء، هي لا تريد البراد، تريدك أنت، أفي طعامٍ ؟ أم في شرابٍ ؟ قال لا، قالت:
ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهَّده في مضجعي تعبده
فاقض القضا كعباً ولا تــردده نهاره وليله ما يــرقده

فلست في أمر النساء أحمده
فقال الزوج: أنا زهدني في فرشها وفي الحجل، أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل.
فقد دهش من القرآن الكريم، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، صلى فاتصل بالله عزَّ وجل، فأهمل زوجته.
وفي سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويفٌ جلل
فقال كعب:
إن لها عليك حقاً يا رجل نصيبها في أربعٍ لمن عقل
لو أن عندك أربع نساء لها حق في يوم، فأنت ليس عندك إلا واحدة، يوم لها وثلاثة لربك، فكان حكم هذا القاضي كعب الأسدي أنه حكم لها أن يتفرَّغ لها يوماً في الأربعة أيام، كما لو كان زوجاً لأربعة نساء، لها يوم، سيدنا عمر رضي الله عنه، قال:
" والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرها، أم في حكمك بينهما، اذهب فقد ولَّيتك قضاء البصرة ".
جعله قاضياً لفهمه الدقيق جداً، ولحكمه الدقيق جداً، فهم أنها تشكوه، وأما عذره *** يقبله، إذا كنت هائماً بربك، لها عليك حق، كما لو أنك على أربع نسوة، للواحدة عليك حق في يومٍ من هذه الأيام الأربعة.
أيها الإخوة الكرام، إن شاء الله نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الأحكام الشرعية إلى واقع، والله الذي لا إله إلا هو، إن مما يرضي الله عزَّ وجل، أن تكون بيوتات المسلمين جنة، ولا تكون بيوتات المسلمين جنة إلا إذا طبِّق فيها شرع الله عزَّ وجل، ولا تنسوا هذه الآية:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال: آية " 33 " )
معنى: ( وَأَنْتَ فِيهِم ) ، أي وسنتك مطبقةً في بيوتهم، وسنتك مطبقةً في أعمالهم، وفي تجارتهم، وفي وظائفهم، وفي مداخلهم، وفي مخارجهم، وفي نزهاتهم، وفي أفراحهم، وفي أتراحهم، وفي حلهم، وفي حضرهم، وفي سفرهم.
فنحن في درسنا اليوم عندنا أربعة تدابير قبل الزواج تمتن العلاقة، وأربع تدابير بعد الزواج تمتن العلاقة، والتي قبل الزواج:
أن تنظر إلى مخطوبتك، فذلك أحرى أن يؤدم بينكما.
وأن تنظر هي إليه، لها مثل الذي عليه، أو عليها مثل الذي له.
وأن تستأمر البنت في زواجها.
وألا تكره على رجلٍ لا تحبه.
وأن تستأمر أمها في ذلك.
هذه الإجراءات التي قبل الزواج.
بعد الزواج:
أن تظهر بمظهر لائق.

وأن يظهر هو كذلك.
وأن لا تمتنع عنه.
وأن يؤدي وظيفته تجاهها.
وأن يكون هذا وفق ما شرع الله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 14  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:17 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في دروس النكاح، ومع الدرس السادس، وموضوع الدرس اليوم، الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح.
نظراً لقدسية النكاح، ولأن عقد الزواج من أقدس العقود التي يبرمها البشر، لذلك في الإسلام آدابٌ كثيرة تفرق السِفاح عن النكاح، فأول هذه الآداب:
1 – إعلان النكاح
إن الفرق بين النكاح والسِفاح، أو من الفروقات الدقيقة بين السِفاح والنكاح أن النكاح معلن، وأن السِفاح غير معلن، لذلك روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ))
( مسند أحمد )
لو أن النكاح غير معلن لاشتبه بالسِفاح، ولاشتبه بالزنا، والإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن الإعلان من فرض النكاح، أحد فرائضه لا أحد فضائله، يقول ابن عبد البر القرطبي: " ومن فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب، ومن إعلان النكاح الولي، والصداق، أيضاً، ونكاح السر لا يجوز، ويفسخ قبل الدخول وبعده، إلا أن يُعلن قبل أن يُعثر عليه، وإن أسَّر النكاح ولم يُنشر ولم يُعلن به، ثم أُعلن في حالٍ ثانية وأُظهر صح، ولم يُفسخ ".
أرأيتم أيها الإخوة كيف أن عدم إعلان النكاح يوجب فسخه وإلغاءه، لأنه يشتبه بالسِفاح، يشتبه بالزنا، لذلك أنا أُرجِّح إذا زوج أحد ابنته، وقد لا تكون يده طليقةً في إنفاق المال، لكن لابد من حفل ولو كان متواضعاً، ولو كان في بيت، لابد من حفلٍ، وهذا الحفل أحد أسباب إعلان النكاح، " لقد زوجت ابنتي من فلان "، فالفرق الدقيق بين النكاح والسِفاح هو الإعلان، وقال الإمام ابن القيم: " وشرط الشارع الحكيم في النكاح شروطاً زائدةً عن مجرد العقد، من هذه الشروط: إعلانه، إما بالشهادة ـ شهود ـ أو بترك الكتمان، أو بهما، أو اشتراط الولي، ومنع المرأة أن تليه وحدها ـ أن تبرمه وحدها ـ والندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة، وأوجب فيه المهر، ومنع المرأة أن تهب نفسها لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم ".
هل لاحظتم أيها الإخوة الكرام أن كل هذه الآداب من أجل أن يكون هناك فرقٌ واضحٌ، وشاسعٌ، وبيّنٌ، وصادقٌ، بين النكاح والسِفاح ؟ النكاح معلن، النكاح معه موافقة الولي، النكاح فيه وليمة، النكاح فيه حفل، النكاح فيه شهود، هذا كله من إعلان النكاح.
يقول بعض العلماء: " وسر ذلك، أنه في ضد ذلك والإخلال به ذريعةٌ إلى وقوع السِفاح بصورة النكاح ".
يمكن أن يقع الزنا على شكل نكاح، وما أكثر الذين يحتالون على الشرع، فمثلاً يمكن لإنسان أن يضع أمامه في دكانه سجادة، وهو من أكبر المرابين، فيأتي المستقرض بالربا فيشتري هذه السجادة بألف ليرة، نسيئةً، ثم يبيعها ديناً نقداً بثمانمئة ليرة، بحسب الظاهر هذا عقد بيع، الأول نسيئة والثاني نقد، وفي العقدين إيجابٌ وقَبول، لكنه الربا بعينه، لكن بصورة بيع وشراء، فقد اشترى السجادة بألف ديناً، وكُتبت عليه في الدفتر، ثم باعها للتاجر بثمانمئة ليرةٍ نقداً، الذي حصل أنه استقرض ثمانمئة ليرة، وكُتبت عليه ألف ليرةٍ رباً، والشكل بيع، إذاً ممكن أن تجري علاقات سِفاحٍ على شكل عقود نكاح، لذلك وضع الشارع الحكيم شروطاً كثيرةً، ودقيقةً، وصارخةً، للتفريق بين النكاح والسِفاح، لذلك ورد في أن الزانية، هي التي تزوج نفسها "، فإذا أرادت امرأةً أن تزني، وأرادت أن تعطي هذه الجريمة المعصية الكبيرة في الشرع طابعاً شرعياً، تقول لمن يزني بها: زوجتك نفسي، وتسمي هذا الذي تأخذه بعد قليل هو المهر، فإذا انتهى، قال: طلقتك، وانتهى الأمر، فهو عملياً بيت دعارة يتم السفاح فيه على شكل عقود نكاح، لكن أين الولي ؟ أين إعلان هذا الزواج ؟ أين الوليمة، أين الشهود، وليمة، وشهود، وإعلان، هذا كله، يفرِّق بين النكاح والسِفاح.
تسجيل عقود الزواج في الدوائر الرسمية
فأنا لا أكتم إنسانا سألني قبل أشهر أنه تزوج امرأةً دون أن يُعلِم أباه، ولا أخاه، ولم يدري أهله، وجاء برجل عقد العقد، فكلما أصبح الشيء أقرب إلى السر أصبح أقرب إلى السِفاح، لِمَ لَمْ تُعلن ؟ لِمَ لَمْ تُسجل هذا العقد في الدوائر الرسمية ؟
وأحياناً أنا أُسأل عن موضوع كتاب شيخ، سبحان الله ! أُجيب عن هذا التساؤل: الآن أنت هل ترضى أن تشتري بيتك، وأن تدفع ثمنه سبعة ملايين ليرة مقابل أن تأخذ مفتاحه ؟ إذا كنت ترضى أن تفعل هذا فأجرِ كتاب شيخ، لمَ لا تدفع الثمن إلا بعد أن يُسجل في الدوائر الرسمية ؟ لأن عقود البيع الآن لا تكون ثابتةً إلا في الدوائر الرسمية، ( أي في الطابو )، أما من قبل خمسين عاما، أو قبل مئة عام كانت هناك علاقات أُخرى، يكفي أن تدفع الثمن، وأن تأخذ مفتاح البيت، فقد تملَّكته، الآن مفتاح البيت ليس له قيمة إطلاقاً.
كذلك حينما أُصغي إلى الأسباب لا أراها مقنعة، بدعوى الاستعجال، ولكن لا يوجد إجراء حكومي أسهل من عقد الزواج، ليس فيه روتين أبداً، في يوم واحد ينتهي الأمر، لا أقبل أبداً، ولا أرى سببا مبررا أو مسوغا بإجراء عقد خارج المحكمة، لماذا ؟

في الحقيقة حينما وافقوا على الزواج من هذا الشاب توقعوا أن يُطلقها، فلئلا تسجَّل عليها طلقة أو تطليقة فقد أُجري العقد خارج المحكمة، يا سبحان الله ! أتوقعت الطلاق قبل أن تُزوج ؟ هذا شرع الله عزّ وجل.
طبعاً أنا لا أقول ـ دققوا ـ: إن العقد خارج المحكمة باطل، لا بل إنه ضعيف، فهو غير موثق، والقوانين تُحرم ذلك، والذي يُجري العقد يُحاسب، والعقد طبعاً مثبَّت، لكن يُحاسب الذي يجري عقداً خارج المحكمة، أنا أنصح إخواننا الكرام أن يتقيدوا بالأُصول الشرعية والقانونية في تثبيت عقود تزويج بناتهم.
لا أنسى مرةً كنت عند أحد أصدقائي القضاة، قضاة التحقيق، وكنت جالساً عنده، وكان يُحقق في جريمة، والجريمة خطيرة، وأنا مستمتع بأسلوب الاستجواب، فجأةً فُتح الباب، وأطل شاب، فقال له: تعالَ، استقدمه القاضي، وترك ما هو فيه من عمل في التحقيق في الجريمة، وقال له: متى تزوجتها ؟ قال له: قبل كذا وكذا، فقال له: ما اسمك يا بني ؟ وما اسمها ؟ ثم أخذ منه تصريح أملاه للكاتب، ثم صرفه مودعاً له، هذا القاضي خاف أن أنتقده في نفسي على هذا التصرف، فأنت الآن تحقق في جريمة، فما الذي جعلك تبتعد عن هذا الموضوع الخطير لترى شاباً أطل برأسه من الباب فاستقدمته، وسألته عن اسمه وعن اسم زوجته، وعن موضوع العقد، وعن تاريخه ؟ فقال لي وحده مبادراً: هذا متزوج بامرأةٍ بطريقةٍ غير مشروعة، خارج المحكمة، فخفت أن يُهمس في أذنه أن أنكر العقد، فاستقدمته بتلطُّف، وأخذت منه إقراراً، بزواجه وبتاريخ زواجه، وباسمه وباسم زوجته، لئلا ينكر، لأنه إذا كان العقد خارج المحكمة فالإنكار سهل جداً، ويمكن أن يقول: ليست زوجتي، ولا أعرفها، وبهذا دخلنا في متاهات القضاء ثلاث سنوات لإثبات هذا العقد، إذا دُعي لحلف اليمين، فقد جاء الفرج، إذا كان الشخص غير متديِّن يقول: جاء الفرج، أحياناً لا يكون معك إلا اليمين، كانعدام الوثائق، وهذه يسمونها اليمين الحاسمة، فإذا لم تكن هناك وثائق، وليس هناك إلا اليمين الحاسمة، ودعي هذا الخصم ضعيف الإيمان الذي لا تحكمه قيم إلى حلف اليمين يحلف، وانتهى الأمر.
فلذلك أيها الإخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى في موضوع الزواج، وهو موضوع دقيق جداً، وقد سمعت عشرات الحوادث، أنه هكذا طلب العريس، يريد كتابا خارجيا، خافوا أن يطالبوه بكتاب رسمي، فيذهب ولا يرجع، فوافقوا على إجراء كتاب خارجي، ثم مضى على العقد عدة سنوات، ثم اختفى، وبذلك دخلنا في متاهة، فقد حدث حمل، والشاب اختفى، والعقد غير رسمي، وإثباته يحتاج إلى محامٍ، وإذا كان بين من كتب هذا الكتاب صلة أو مودة معهم يدخل السجن، فالذي يكتب كتابا خارج النظام يُحاسب، وقد يُسجن، فهو خاضع للأحكام الجزائية لا المدنية، فيقع في حرج، إن أرادوا أن يُثبتوا هذا العقد يُقال لهم: من كتب هذا العقد ؟ أصبح القريب مسئولا.
لذلك أنا أنصح إخوتنا الكرام بالبعد عن هذه الأساليب الملتوية، التي لا تثبت الحق، لئلا يُظن أنني أقول: إن هذا العقد غير صحيح، لا، لكنه ضعيف، ووسائل تثبيته ضعيفة، كما لو أنك اشتريت بيتا من غير طابو، قال لك: خذ هذا المفتاح، واسكن فيه، أنت وحظك، يمكن بعد حين يقول لك: هذا البيت بيتي، وليس لك شيء عندي، أنت مغتصبه.
الحقيقة أنّ موضوع الشرع ـ لآن دخلنا في موضوع آخر ـ هذه الأحكام التفصيلية في الشرع هدفها أن تكون متفرغاً لعبادة الله، لأن خبرا واحدا قد يزعج، فإذا الإنسان أقرض قرضا، ولم يأخذ الوصل، وهذا الإنسان توفى فجأةً في حادث، فهو وحظه، إما أن يعترف الورثة له، أو لا يعترفوا، وإذا لم يعترفوا فليسوا مؤاخذين، فالآن يمكن لإنسان يتوفى والده وكل من قال له: لي مع أبيك مليون، فهل يعطي المليون ؟ هذا كلام غير صحيح، فمن الممكن أن لا يعترف الوريث له بكل هذا الذي يقوله، فلذلك القرض أسجله، وعقد الشراكة أسجله.
شارك أحدهم آخر في موضوع تجاري، ورأس المال كان ثلاثين ألفا، دفع النصف، قال لي: في السنة الأولى أعطاني خمسة آلاف، فقلت: نعمة فقد ربح، وأنا دافع عشرة آلاف أعطاني خمسة، وفي السنة الثانية أعطاني كذلك خمسة، وفي السنة الثالثة قال له: أين الربح ؟ فقال له: أي ربح فقد أقرضْتَنا عشرة وأخذتها، ثم أصبح قيمة المشروع ستة ملايين، فقد كان هذا في أيام الركود الاقتصادي، وخلال أربع أو خمس سنوات، الأسعار اختلفت اختلاف كبيرا، وذلك لعدم وجود عقد.
أقول لكم كلمة أبلغ من ذلك: إذا اتفق الإنسان مع إنسان بلا عقود موثقة، وقد أغراه الشيطان أن يغتصب هذا المشروع له، من الذي أعانه على ذلك ؟ الطرف الآخر، ليس الطرف الآخر الذي خسر حقه في هذا المشروع بأقلَّ إثماً من الذي اغتصبه، لماذا ؟ لأنك لو وثَّقتَ له العقود لما فكَّر أن يغتصب هذا المشروع منك.
لذلك أنا أرجو إخواننا الكرام في كل شيء تجاري، الذي اتفقتم عليه سجلوه في عقد، وسجلوه في محكمةٍ البداية، هذا العقد حصن، لك ولشريكك، فلا تفكر أبداً، وتقول: لماذا محكمة البداية ؟ لأنه إذا لم يوجد توثيق في محكمة البداية كان بإمكانه أن يُنكر التوقيع، فإذا أنكر التوقيع دخل المتنازعان في قضايا ثماني سنوات في المحاكم لإثبات التوقيع ورأي الخبرة، ثم خبرة ثنائية، وثلاثية، ورباعية، وخماسية، ثم تصبح القضية شائكة، أما إذا سُجل العقد أمام قاضي محكمة البداية فقد انتهى الأمر، ولا يمكن إنكار التوقيع لوجود نسخة منه محفوظة في المحكمة.
أنا أتمنى عليكم في عقودكم، في شرائكم، في بيعكم، في شراكاتكم، أن توثقوا هذه الاتفاقات بعقود، وأن توثقوها في السجلات الرسمية، لأن هذا حصنٌ لك ولأخيك، فأنت تنام مطمئن البال، ولا تسمح للشيطان أن يغري أخاك باغتصاب حقك، أما إذا أهملت تسجيل العقود، وخطر على بال شريكك أن يغتصب حقك كنتَ أنت الذي أغريته بهذا، والعوام لهم كلمات لطيفة، يقولون لك: " المال الداشر، يعلم الحرامي السرقة "، فدائماً وثِّق القرض بوصلٍ.
قال لي شخص قد أخذ من إنسان ـ والقصة قديمة من اثنتي عشرة سنة ـ ستمئة ألف، وقال له: اكتبْ لي وصلاً، أحب أن يصرف المال، ولم تكن الصرافة ممنوعة يومئذ، فقال له: الآن بعد الظهر تعال وخذ المبلغ، قال لي: وأنا قادم بعد الظهر رأيت نعوته على الجدران، قال لي انخلع قلبي، وفقدت المال، احضروا لي إنسانا يملك أن يعيش بعد ساعة، لا أحد يملك ذلك، لذلك توقيع الإيصال، أو توقيع السند، وكتابة العقد لا يعني أنك لا تثق بهذا الإنسان، لكن هذا من أجل ألا يأتيه ملك الموت فجأةً، عندئذٍ تصبح المشكلة مع الورثة، والورثة قد لا يصدقون.
يقول بعض العلماء: " لو أن امرأةً قالت لرجل: أنكحتك نفسي، أو زوجتك نفسي، أو أبحتك مني كذا وكذا، فلو انتفت بهذا جريمة الزنا لكان هذا من أيسر الأمور ".
فالقضية خطيرة، زواج، وأولاد، وحقوق، وميراث، فهذا عقد زواج وبكلمتين، أعوذ بالله، فهو يحتاج إلى قاضٍ، إلى مأذون، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى شهود، وإلى مهر، وإلى إعلان، وإلى دخل أحياناً، وإلى خطبة، وإلى وليمة، هذا كله من أجل أن يفترق السِفاح عن النكاح.
فضل عقود القران في المساجد
ثمة شيءٌ يلفت النظر، هو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرشد أُمته إلى أن يُعقد النكاح في المساجد، فقد روى الإمام الترمذي عن عائشة رضي الله قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ ))
لماذا ؟ لأن الناس يجتمعون جميعاً يوم الجمعة في المسجد، ما الذي يمنع أن نقول: زوجنا فلان من فلانة ؟ وسمعت أن بعض المساجد تفعل هذا، وهذا الشيء وفق السنة في المسجد، إعلان تزوج فلان بفلانة، ولو كان العقد أُجري بعد حين، أما ما الذي يمنع أن يُنشر هذا في المسجد ؟ والآن هذه البطاقات تشبه ذلك، ودعوة الناس إلى حفل في قاعة عامة يشبه ذلك، أو في قاعة ملحقة بالمسجد، والله هذا شيء جميل جداً، على كلٍ لابد من الإعلان.
بعض العلماء يقول: " معنى قول النبي :
(( وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ ))
إما لأنه أدعى إلى الإعلان، أو لحصول بركة المكان، وينبغي أن يُراعى فيه فضيلة الزمان ".
أدعى للإعلان، وحصول بركة المكان، وبركة الزمان، لأن الناس يجتمعون يوم الجمعة، وهو يوم فضيل، فيه ساعة مباركة، والمساجد خير بقاع الأرض، فالمساجد أدعى للإعلان، وأشد تحصيلاً لفضيلة المكان، ولفضيلة الزمان.
وقال بعضهم: " يُستحبُ مباشرة عقد النكاح في المسجد، لكونه عبادة، وكونه في يوم الجمعة، وهو إما تفاؤلاً بالاجتماع، أو توقعاً لزيادة الثواب، أو لأنه يحصل به كمال الإعلان ".
روى الحافظ أبو بكر عبد الرزاق عن صالح مولى التوأمة قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جماعةً في المسجد فقال:
((ما هذا ؟ قالوا: نكاح، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا النكاح ليس بالسفاح ))
لأنه في مسجد، ولأنه معلن، وسبحان الله ! الذي يلفت النظر أنّ الإنسان إذا كان شارداً، وأراد أن يمشي مع فتاة، لو أنك سِرْتَ خلفه لاضطرب، لو أن طفلاً صاح بكلمةٍ لارتعدت فرائصه، أما حينما يخطب شاب ابنتك، ويُعقد العقد، ويأتي ليزوركم في البيت، يجلس الشاب وابنتك إلى الساعة الثانية عشرة، وأنت مطمئن، لأنها زوجته، فالعمل الشرعي مريح، وفيه فخر، وليس فيه خجل، أو فيه شعور بالذنب، وأقول لكم: إنّ أية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان لها قناة مشروعة، قال لي واحد: أجلس معها في الحديقة، قلت له: اخطبْها، واعقد العقد، وأحضرها إلى بيتك ولا تحتاج إلى حديقة.
وإذا لم يكن هناك مسجدٌ في مدينةٍ أو قرية، وإن كان المفروض أن يكون في كل تجمعٍ إسلاميٍ مسجدٌ.
كيف أن الناس بحاجة ماسة إلى الماء، فلا يوجد قرية راقية ليس فيها مشروع ماء، تجد مستودعًا عاليًّا، وبئرًا ومستودعًا، والمياه تصل إلى البيوت، الماء حاجة أساسية، والطعام حاجة أساسية، أحياناً مهما كانت القرية صغيرة ففيها سمان يبيع حاجات أساسية، فحاجة الناس إلى المسجد ليصلوا فيه، ليتلقوا العلم فيه، ليتعارف بعضهم على بعضٍ فيه، ليتعاونوا فيه حاجة أساسية، فالآن الحمد لله أصبح المسجد مركزًا إسلاميًّا، ففيه تؤدَّى الصلوات، وتعقد فيه مجالس الذكر، ومجالس العلم، ويعلم فيه الصغار قراءة القرآن، ويعلم فيه الكبار أُصول الدعوة، وفيه مكتبة يرتادها روَّاد المسجد، قد تُحل بعض المشكلات الحيوية في المسجد، قد يُطبب الإنسان في المسجد، قد يعقد الزواج في المسجد، قد تحقق مصالحه في المسجد، هذا المسجد مكان أساسي في حياة المسلمين، لذلك النبيّ الكريم حينما هاجر إلى المدينة المنورة أول شيءٍ فعله فيها أنه بنى المسجد مكانًا للاجتماع فيه.
قرأتُ في كتب الفقه في بعض المذاهب، لا في كل المذاهب: أنه إن لم يكن في القرية مسجد، يجوز أن يُبنَى المسجد من أموال الزكاة.
وهذه حالة نادرة جداً، لأنه ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء )، لكن للضرورة الماسة لوجود مسجدٍ في القرية، إن لم يكن هناك مسجد، هناك رأيٌ لا أقول: إنه قوي، لكنه ضعيف، لكن له معنى، أن يُبنى المسجد في القرية بشكلٍ حتمي، لأنه بالتعبير الحضاري هو مرفق حيوي لسلامة النفس البشرية، لا يوجد إنسان له مسجد يؤُمه ويرتاده، لا يوجد إنسان له منهل ينهل منه إلا وله أخلاق خاصة، أخلاق عالية، وفهم، وانضباط، وأدب، هذه كلها من بركات المسجد، والآن الحمد لله توجد قاعات منضبطة يعقد فيها عقود النكاح، وهذه القاعات واسعة، والأمور فيها مُيسَّرة، وهذا الشيء لم يكن من قبل، فقد كانت البيوت صغيرة ولا تسع.
2 – وجود الشهود في النكاح
الشيء الثاني في عقد النكاح: وجود الشهود في النكاح، فقد روى الإمام الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا نكاح إلا بوليٍ وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ))
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( الْبَغَايَا اللاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ))
هذا كلام دقيق، فالتي تُنكح نفسها من غير بينة، ومن غير شهود، من غير ولي هي ليست بغيًّا، لكن كأنها بغي، تشديداً سماهن النبيّ عليه الصلاة والسلام بغايا تشديداً على الولي وشاهدي العدل.
ويقول أحد العلماء في شرح هذا الحديث: " المراد بالبينة، إما الشاهد، فبدونه زنا عند الشافعي ".
فالإمام الشافعي يرى أن عقد النكاح من دون الشاهد زنا، وكذلك عند الإمام أبو حنيفة، نكاحٌ بلا شهود يعدُّ زناً.
و يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: " لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ".
كل هذا الدرس من أجل أن نفرِّق بشكلٍ بينٍ صارخٍ بين السفاح والنكاح.
ويقول صاحب الهداية: " اعلم أن الشهادة شرطٌ في باب النكاح، لقوله صلى الله ليه وسلم:
((.... لا نِكَاحَ إِلا بِشُهُودٍ... ))
3 – خُطبة النكاح
الآن هناك شيءٌ آخر من شروط إعلان النكاح، خُطبة النكاح، الخِطبة غير الخُطبة، الخِطبة أن تخطب الفتاة، أما الخُطبة أن تلقي خطبةً، فمن شروط إعلان النكاح خُطبة النكاح، لماذا ؟ هل من المعقول أن يقف إنسان في غرفة وحيداً ويخطب ؟ ليس هذا معقولا، من لوازم الخطبة وجود جمهور، وإلا يكون مجنونًا، فالخطبة تقتضي وجود جمهور يحضر هذا العقد، لذلك روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون[، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[ ))

ففي كلّ عقد قران لا بدَّ من خطبة، والآن الحمد لله الشيء متوافر، فلا يوجد عقد قران الآن إلا وفيه كلمة يلقيها أحد العلماء، وهذا شيء جميل جداً، بل إنَّ عقود القران أصبحت مجالاً للدعوة إلى الله.
هناك علماء كثيرون وأنا أحمد لهم ذلك توسعوا في موضوع الخطبة، فجعلُّوها تعريفاً بالله عزَّ وجل، لأن أناساً كثيرين ممن يحضرون هذه العقود قد لا يرتادون المساجد، فصارت عقود القران مناسبة للدعوة إلى الله، فعقد قران يحضره تقريباً خمسمئة شخص، وفيه مديح لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وفيه خطبة تلقى على مسامع الناس، فيها تعليم، وتوجيه، وفيها إشارة إلى العقد الذي تم في هذا المكان.
يستحب في هذه الخطبة أن تكون قبل عقد القران، وتلاحظون أن الذي يأتي إلى مكان العقد ليسجِّل العقد، أولاً يبدأ بخطبة، ثم يستمع إلى إيجاب الولي، وقبول الزوج، ويُشهد الشاهدين، ثم يذهب لسماع إقرار الفتاة.
وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد النكاح *** يُخطَب فيه بخطبة رسول الله قام وتركهم.
فمن لوازم عقد النكاح الخطبة، وقال بعض العلماء في بيان حكمة هذا التوجيه النبوي الكريم: " إن الخطبة مبناها على التشهير، وجعل الشيء بمسمع ومرأى الجمهور ".
ففي بعض الأيام يقول لك: أبارك للعروسين زواجهما، أو يقول لك: بارك الله لهما وعليهما وفيهما، بارك اللهم بهما، وأنجب منهم الكثير الطيب، وجعل كلاً منهما قرة عينٍ للآخر، واللهم ألهمهما السداد والرشاد، اللهم بارك لهما، وعليهما، وفيهما، اللهم ارزقهما الذرية الطيبة، اللهم وفق بينهما كما وفقت بين سيدنا محمدٍ وزوجاته الطاهرات.
كلام طيب، وكل الناس سمعوا أنه هنا عقد قران، وفلان تزوج من فلانة، هذا الذي يبعد الموضوع عن السفاح.
شيء آخر، إذا أحبَّ أحد أن يشتري كأسًا من العصير فهل من اللازم أن يخطب ؟ لا، ليس من المعقول، فهل من اللازم أن نقول له: إيجاب وقبول، وأحضر الشهود، كذلك هذا ليس من المعقول، طبعاً الأئمة قالوا: " عقود الشراء إن كانت في الخسيس لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، تحتاج إلى المناولة، وهي العقد، المعاملة، أو المناولة، أما العقود الغالية، كبيت بثمانية ملايين فهو يحتاج إلى عقد، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى عقد مكتوب وإلى شاهدين، فمعنى خطبة، أي شيء مهم، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام قد أرشدنا إلى خطبة النكاح، معنى ذلك أن النكاح شيء مهم.
4 – الوليمة
ومن الأشياء التي أرشد النبي عليه صلى الله عليه وسلم إليها ليفترق النكاح عن السفاح، هي الوليمة، وليمة العرس، الآن هذا التوجيه النبوي ضعف شأنه، واستبدل بهذه الضيافة، أما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[متفق عليه عن أنس]
وأحياناً في بعض الأعراس وفي بعض عقود القران يعقَد على وليمة، وهذا أقرب إلى السنة.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَهْيَمْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة ))
[متفق عليه]
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه، بقوله: " الوليمة حقّ "، وذكر قول النبي لعبد الرحمن بن عوف: (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
حينما استخدم أو استنبط الحكم أن الوليمة حق في العرس كان الاحتجاج بهذا الحديث: " (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
وذكر الإمام أحمد عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَقَالَ فُلَانٌ: عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذُرَةٍ ))
أي إنه لا بد من وليمة، ويبدو أنه سيدنا علي كان فقيراً جداً، فعجيب كيف زوّج النبي ابنته لعليّ وهو فقير !! دققوا في هذا الكلام، ما كان يملك ثمن وليمة، تزوج بنت رسول الله، وقد قال عنها النبي : (( فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ))
[ متفق عليه عن المسور بن مخرمة]
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:
(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا … ))
[الترمذي]
ومع ذلك زوّجها من ابن عمها الفقير الذي لا يملك ثمن وليمةٍ يولم بها، لذلك قال سيدنا سعد: عليَّ كبشٌ، وقال آخر: عليَّ كذا وكذا من الذرة، حتى اجتمعت لوازم الوليمة.
يقول الإمام النووي: " اختلف العلماء في وليمة العرس، أهي واجبةٌ أم مستحبة، والأصح عند أصحابنا ـ في المذهب الشافعي ـ أنها سنةٌ مستحبة، والأمر بها أمر ندبٍ لا أمر وجوب ".
قد لا يملك الإنسان ثمن الوليمة، فالأمر للندب، أي مستحبة، لكن إخواننا في الريف جزاهم الله خيرًا، هكذا لاحظت، ما دعيت إلى عرس في ريف دمشق إلا وقالوا لي: الطعام من الظهر وحتى العاشرة ليلاً، كل من جاء يحضر هذا العرس له طعام يأكله، فهم أقرب إلى السنة من أبناء المدينة.
فقال بعضهم في حكمة الوليمة في العرس، قال: " التلطف بإشاعة النكاح ".
عندما تقول: تعالَ احضر العقد ولا يوجد شيء، فيجيبك: والله يا أخي أنا مشغول، ولو قلت له: تعال للأكل، واحضر عقد النكاح، يجيبك بنعم، سآتي، وأين يقع البيت يا أخي، فقد اختلف الوضع، إذا كان الموضوع نصف دعوة فقط اعتذر، أما للأكل فيجيب الدعوة، فمن أجل أن تجلب الناس، وأن تغريهم بحضور هذا العقد أولمْ.
إن التلطف بإشاعة النكاح، والحض على حضور عقد النكاح، وأنَّ هذا العقد مشرَّف، بدأ بوليمة، لئلا يبقى هذا العقد محلَّ وهم، يا ترى فلانة أخذها فلان ؟ والله لا نعرف، قالوا: إنه أخذها، وهذا شيء يحير، بعض الناس قالوا: أخذها، والبعض قال: لم يأخذها، فأنت لو أقمـَ عرسًا، وأولمت، ودعوتَ الناس صار كل من كان في شك ووهم وتردد على ي قين في هذا الزواج، فالإعلان، والوليمة من آداب النكاح.
ودرسنا كلُّه حول محور واحد، الفرق الكبير، بين النكاح والسفاح: الإعلان، الوليمة، والشهود، والولي، والدف.
عَنْ عبدا لله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا ))
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))
[أبو داود]
هناك نقطة أيها الإخوة الكرام، أحياناً هناك أشياء تتكرر كالجلسات الأسبوعية مع الأصدقاء، يمكن أن ينشغل عنها الإنسان أسبوعاً فلا يحضر، أما عقد القران فهو مرة في العمر، لا يوجد غيره، لذلك عندما تدعى إلى عقد قران ولا تلبي فقد فوَّت على نفسك فضيلة تلبية الدعوة التي لا تكرر، بعد ذلك فيها جبر خاطر، من دعاك وجب حقه عليك، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[البخاري عن ابن عمر]
أحيانا تكون الدعوة بجوار بيتك، فالأمر سهل عليك، أما لو دعيت إلى منطقة بعيدة فأجبتَ فلا مانع في ذلك، والدعوة على كأس من الشاي، فكأس من الشاي يكفي (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ))
والكراع من الدابة ما دون الكعب، انظر إلى الأدب النبوي (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ))
إذا دعاك أخ، وسألته: أين البيت ؟ في المكان الفلاني، فيقول لك: إن شاء الله سآتي، لا يوجد مانع، والمكان بعيد خارج دمشق، أخوك دعاك، وإن لم يكن هناك شيء فأنت عليك أن تلبي، (( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))
سبحان الله ! الذي يلبي دعوة أخيه يشعره بالود، وبالحب، ويفتخر، ويقول: والله دعوت إخواننا، وكلهم جاؤوا.
والله مرة دعيت إلى عقد قران، أنا متأخر ساعة، لا يوجد إلا صف من الكراسي فقط مليء، والباقي كله فارغ، شيء صعب، شيء مخزٍ، لأنه لم يأتِ أحد، هذه مخالفة شرعية كبيرة، فيجب أن تهيئ نفسك، توطنها على تلبية دعوة عقود القران، لأنها من السنّة، وأنت بهذا تحييّ سنة رسول الله.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ))
[مسلم]
قد يكون لأحدنا غذاء نظامي معيَّن، كأن لا يناسبه الأرز، اذهب، ولبّ الدعوة، ولا تأكل من الأرز، كُل لقمة واحدة واعتذر، ولكن لبّ الدعوة، ولا تربط الدعوة بالأكل.. قال: ((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ))
لذلك لما أمر النبي أصحابه الكرام أن يولموا، أمر المؤمنين أن يحضروا، فالأمر متكامل، هناك أمر أن تولم ولو بشاة، وهناك أمر أن تحضر الوليمة ولو كنت صائماً، أنا صائم اليوم، لكن سأحضر، الأساس مجيئك، ولو كان دقيقة، وليس الأساس الأكل، فالأساس أن تلبي هذه الدعوة، وإذا كان أحد صائماً صوم نفل فهو أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
وجب على هؤلاء المدعوين أن يجيبوا إلى طعام الوليمة، فإن كان صائماً ولم يطعم، فلا بأس بذلك، لأنها حصلت إشاعة المودة، ولو كنت صائما، عليك أن تلبي، والأكمل أن تفطر إذا كان صيامك نفلا.
5– ضربُ الدّفّ
ومن شروط إعلان النكاح ضرب الدف، فعَنْ أَبِي حَسَنٍ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ، وَيُقَالَ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ ))
[أحمد]
الآن يزمرون في هذه الليالي، فلا مانع، لأنه إعلام، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم أصحابه، أن ينشدوا هذا النشيد:
أتيناكم.. أتيناكم فحيونا نحييّكم
ولولا الحبة السودا جئنا لواديكم

أي نشيد ديني مع تلبية العقد، هذا شيء مطلوب.
روى الإمام الترمذي، عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ ))
طبعاً ليس الفرق الوحيد الدف والصوت، لكن الذي يفرق بين النكاح والسفاح الدف والصوت.
أنا أسمع من حين إلى آخر عن عقود قران، أو عن أعراس، ماذا حصل ؟ يقولون: والله ألقيت كلمة من قِبل داعية، وسمعنا نشيداً دينياً، والله أبقى شهرً وأنا في نشوةٍ من هذا العرس، شيء جميل، هذا عرس إسلامي، لماذا الغناء الفاضح والغناء الماجن ؟ لماذا هذه المسجلة تصدح بالأغنية الفاسقة ؟ وأنت مسلم، وبيتك مسلم، والمدعون مسلمون كلّهم ؟ ليس من الصعب أن تدعو امرأة لها لسان تدعو إلى الله، فهل من الصعب تدعو أناس من النساء لهن اختصاصٌ بمديح رسول الله، صوت منخفض، أم هل يجب في العرس أن نخرج من جلودنا لكي نعلن فرحتنا ؟ نحن ما عندنا فرح مع الفسق أبداً، الفرح يكون مع الطاعة.
خطورة تصوير عرس النساء بالفيديو
لذلك إخواننا الكرام، أتمنى عليكم في أعراس النساء، احرصوا حرصاً بالغاً على إلغاء الغناء، إذا بحثتم عمن ينشد نشيداً دينياً تجدون، وما أكثر من ينشد ابتغاء وجه الله بلا مقابل، ابحثوا عن امرأة ٍ تقول كلمة، تعظ هؤلاء النسوة، كلمة حق تقال في العرس، الخطبة ضرورية، فكما أن عقود القران ـ والحمد لله شرعية مئة بالمئة ـ فأنا لا أعتقد بالألف عرس إلا مِن هؤلاء المترفين، بالألف عرس من عامة الناس إلا وكلها أعراس شرعية، بها منشدون، وكلمة، أو كلمات تلقى في هذا الحفل، ودعاء، ومديح رسول الله فقط، عقود الرجال رائعة، أما عقود النساء ففيها الغناء، وأما المخالفة التي لا تغتفر والتي تعد من أكبر الكبائر فهي تصوير ( الفيديو )، كل النساء كاسياتٌ شبه عاريات، نصورهن، ونأخذ ال****، هذه من ؟ هذه زوجة فلان، هذا شيء محرَّم، ومن أكبر الكبائر أن تطور الأعراس بهذه الأفلام، فهي وثائق كلّها، فكأن الإنسان يرى المرأة بأبهى زينة.
فلذلك أنا أنصح إخواننا، إذا دعي زوجته إلى عرس فيه تصوير يجب ألا تلبي، ومن يسمح لامرأته بالذهاب إلى عرس فيه تصوير فقد ارتكب أكبر معصية، لأن هذا الشيء قد يتداول، وينسخ منه نسخ كثيرة، ويعرض في بيوت كثيرة، قد يكون في العرس رجال فسقة غير منضبتين كشفوا عورات المسلمات، فمن أكبر الكبائر التصوير في أعراس النساء.
فهذا ضرب الدف، أو النشيد الإسلامي كما قلت، والوليمة، وخطبة النكاح، والشهود في النكاح، وإعلان النكاح، وانعقاده في المسجد، هذه هي الآداب التي ينبغي أن تراعى في عقد الزواج، من أجل أن نفرِّق بين النكاح وبين السفاح.
والحمد لله رب العالمين


 
ابو عبدالملك
الاعضاء

رقم العضوية : 31965
الإنتساب : Feb 2012
الدولة : تعز اليمن
العمر : 31
المشاركات : 2,249
بمعدل : 2.88 يوميا
النقاط : 5
المستوى : ابو عبدالملك is on a distinguished road

ابو عبدالملك غير متصل عرض البوم صور ابو عبدالملك


  مشاركة رقم : 15  
كاتب الموضوع : ابو عبدالملك المنتدى : في حضن الاسرة
افتراضي رد: حقوق وواجبات الزوج والزوجة
قديم بتاريخ : 07-04-2012 الساعة : 11:19 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من دروس الزواج الإسلامي، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الآداب التي على المرأة أن تتأدب بها، وأن تلتزم بها كي تكون سبباً في ديمومة الزواج.

مقدمات إرشادية مهمة
المقدمة الأولى: البطولة في الحفاظ على مكسب الزواج
المعنى الدقيق هو أن الوصول إلى الشيء ليس بطولةً، لكن الحفاظ عليه هو البطولة، فكم من زواجٍ عقد عقده، وبعد حينٍ فسخ، كم من زواجٍ انتهى إلى طلاق، أو إلى عداوةٍ شديدة، فالعبرة بالحفاظ على الشيء.
وذكرت لكم في درسٍ سابق أن الحق من صفاته الديمومة، وأن الباطل من صفاته الزوال، فإذا كنت مع الحق عقيدةً ومنهجاً، إذا طبقت في زواجك أوامر الحق جلَّ جلاله فإنّ هذا الزواج سيستمر، إذا طبقت في تجارتك أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة فإنّ هذه التجارة ستزدهر، إذا طبقت في علاقاتك الاجتماعية أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة، فإنّ فهذه العلاقات سوف تنمو وتزداد، لأنك مع تعليمات الصانع، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
فنحن مع الآداب التي إذا تأدبت بها المرأة، والتزمت بها كان التزامها بهذه الآداب سبباً في ديمومة الزواج، هل هناك أجمل من أن يقول الزوج: لي مع زوجتي أربعون عاماً أو خمسون عاماً، ونحن على أتمِّ وفاق، نتعاون على تربية الأولاد، نقطف ثمار هذا التفاهم أولاداً صالحين، وهل من شيءٍ يجرح الفؤاد كأن يقول الإنسان: لم أكن مرتاحاً مع زوجتي ولا يوماً واحداً ؟
فيا أيها الإخوة، الآداب التي أمر بها الشرع المرأة المسلمة إذا التزمت بها كان التزامها بها عوناً على ديمومة الزواج، فما من زوجةٍ على وجه الأرض تودُّ أن تطلق، ولا أن ينصرف عنها زوجها، ولا أن تصبح مهملةً، لا هي زوجة، ولا هي مطلقة، لعل أكثر الأسباب تقع من طرف الزوج أو من طرف الزوجة، أي إذا عصى الزوج، أو عصت الزوجة، أو عصيا معاً، فالزواج يصبح جحيماً لا يطاق، الله جلَّ جلاله يقول مخاطباً سيدنا آدم والسيدة حواء:
﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
( سورة طه )
*** يقل فتشقيا على حسب قواعد اللُغة، قال علماء التفسير: " إن شقاء الرجل شقاءٌ حكميٌ للمرأة، وإن شقاء المرأة شقاءٌ حكميٌ للرجل، وإن شقاء الأولاد شقاءٌ حكميٌ للوالدين ".
هذه النقطة الأولى.
المقدمة الثانية: قبول الحكم الشرعي وإن خالفه الهوى والواقع
النقطة الثانية التي أضعها بين يدي هذه الدرس، هو أن الإنسان إذا سمع حكماً شرعياً صحيحاً اتفق عليه العلماء فلا ينبغي أن يحكِّم عقله به، كل واحد له وضع في بيته، هذا زوجته محجبة حجابًا كاملا، هذا حجاب غير كامل، هذا حجاب غير مقبول، هذه الزوجة غير محجبة، فلا تجعل وضعك حكم على ما سأقوله الآن، المؤمن يتفهم الحق أولاً، الحكم الشرعي الصحيح، ويحاول أن يقترب منه، إما بالتدريج، وإما طُفرةً واحدة بحسب الحكمة والحال، لكن لا ينبغي أن تقول: هذا غير صحيح، وليس معك حجة ولا دليل، إلا لأنك تفعل هذا الشيء، وتكره أن تكون مكشوفاً أمام الله عزَّ وجل، الآن يوجد أمامنا مزلق، إذا كان لأحدكم وضع خاص في بيته، أنا ما تدخلت في أوضاعكم الخاصة، ولكن أذكر لكم الحكم الشرعي، وما ينبغي أن نكون عليه، أما لو كان الإنسان أقلّ تطبيقًا لما سيسمع فلا ينبغي أن يقول: ليس هذا هو الشرع، فأنا آتيك بالدليل من الكتاب والسنة، ولا أملك غير هذا.
فالمؤمن دائماً خاضع للحق، أما الذي يحاول أن يُخضع الحق لمزاجه، أو لما هو عليه فهذا إنسان يغيِّر ويبدّل، ولأصل أن تخضع للحق، فإن لم تستطع أن تخضع فوراً فلك أن تقنع زوجتك بالحسنى، باللَّطف، بالإحسان، بالهدية، بالحجة، بالزجر، بالإعراض، هذا شأنك، وهذا تابعٌ لحكمتك، ولطبيعة زوجتك، أما أن تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك فهذا غلط كبير، يجب أن تحكم على واقعك من خلال الحكم الشرعي، الحكم الشرعي هو الأصل، أنا أسير نحوه، ولا أطلب من هذا الحكم الشرعي أن يأتي إلي ليغطي ما أنا عليه، فالقضية أيها الإخوة دقيقة جداً.
الآداب التي تجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية
1– خروج المرأة بالحجاب الشرعي الكامل
هناك أفكار شائعة عند المسلمين أن الوضع هكذا، والحجاب هكذا، وهذا ليس عليه من سبيل، وهذا ليس عليه مأخذ، هذا كلام عام، وليس كلاما علميا، فالكلام العلمي هو الحكم الشرعي المؤيد بدليلٍ قطعي من الكتاب والسنَّة الصحيحة، هذا حكم الشرع، ولا يستطيع إنسان في الأرض كائناً من كان أن يأتي في الدين بشيءٍ من عنده، فمن أنت ؟ ومن أنا ؟ ومن فلان وفلان، وفلان و فلان ؟ من قال برأيه في هذا الدين فقد أخطأ ولو أصاب، لا رأي في الدين، في الدين حكم شرعي:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 36 " )
إخواننا الكرام، أحياناً يعكس الإنسان المقولة، فيقترح شيئا ليس من الدين، ويحاول أن يأتي بالنصوص التي تدعمه، قوية كانت أو ضعيفة، واهية، مقولة أو غير مقولة، الأصل أن هذا هو رأيه في هذا الموضوع، فهو بهذا يحدث ديناً جديداً، هؤلاء سموا في علم العقيدة: أهل الرأي، أهل الرأي أحدثوا دينا جديدا، بعد أن يقرر هذا الرأي هو الآن يبحث عن الأدلة القوية أو الضعيفة والنصوص.
فنحن بالعكس، لا تنظر إلى واقعك، ولا إلى ما أنت عليه، ولا إلى ما هي عليه زوجتك، بل انظر إلى الحكم الشرعي، واحكم على وضعك من خلال الحكم الشرعي، ولا تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك، فكل إنسان له قناعاته، وله ظروفه، لكن هذا هو الحكم الشرعي، فأنت حاول بحسب حكمتك، إما تدريجاً، أو طفرةً، إما إقناعاً، أو إجباراً، بحسب الحكمة التي تراها مناسبة، لكن قبل أن أبدأ ينبغي أن تعلم أن الأصل هو الحكم الشرعي، وأنك تابعٌ له.
والخطأ في المنهج خطير جداً، فلو كان عندنا ميزان، فمن الممكن أن تزن كيلوين، وتقول: ثلاثة بالخطأ، تصورت أنها ثلاثة كيلو، قلت: ثلاثة، ويمكن أن تزن اثني كيلو، وتقول: كيلو، هذا شيء يحدث، لكن هذا الخطأ في المفردات بسيط جداً، أما أكبر خطأ أن يكون في الميزان، أوقية تحت كفة الميزان، فتصبح كل الموازين غلطا، فالخطأ في الميزان أخطر مليار مرة من الخطأ في الوزن، فالخطأ في الوزن لا قيمة له، غلطة واحدة أو غلطتان أو ثلاث، ولا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ، لكن ما هو الخطأ الخطير ؟ هو الخطأ في المنهج ؟ هو الخطأ في الميزان لا في الوزن، الخطأ في الوزن سهل جداً، إذا حصل خطأً صواب كثير، أما إذا كان الميزان كله خطأ، أو ملعوبا فيه، لو تزن فيه مليون حالة فكلها غلط.
يجب عليك دوماً أن ترتعد فرائصك، ليس من الخطأ في المفردات، ولكن من الخطأ في المنهج، الخطأ في التصور، الخطأ في الموازين، الخطأ في العقيدة، الخطأ في الأحكام، هذا هو الخطأ القاتل، أما الخطأ في المفردات فليس قاتلا، وأوضح مثل الخطأ في الميزان شيء، والخطأ في الوزن شيء آخر، بالوزن أخطأت، يمكن أن تكون الوزنة اثني كيلو، وقلت، كيلو، ويمكن أن تكون متسرعاً، أو في عجلة من أمرك، فالخطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان يشقى صاحبه، فهو مستمر.
أردت من هذه المقدمة، أنه إذا سمعنا الآن أحكام الشرع في حجاب المرأة، وفي خروجها، وفي اختلاطها، وفي عملها، لا يمكنك أن تحكم على الموضوع من خلال واقعك، فتظن أنك على حق، وأنت على صواب، وهذه الأحكام غير صحيحة، هذا تفكير ساذج، تفكير غير علمي، تفكير جهلي، هذا هو الحكم الصحيح، ولكن حاول أن تقرب إما تدريجاً أو طفرةً من الحكم الشرعي الصحيح.
عندما قال ربنا عزَّ وجل:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
نهى الله سبحانه وتعالى عن خروج المرأة متبرجةً، طبعاً حينما أمرها أن تقرَّ في البيت ما منعها أن تخرج، لكن سمح لها أن تخرج لحاجة، أما إذا خرجت لحاجة فالخروج لا للخروج، كأن تقول: أصابني الملل، أريد الخروج، هذه عند المرأة ليست واردةً إطلاقاً، فهذا كلام ليس له معنى.
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
ما هو التبرُّج ؟
أما إذا أردتن الخروج من البيت فلا تبرجن، ما هو التبرج ؟ يقول أحد العلماء: " التبرج أن تلقي المرأة الخمار على رأسها، ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك منها ".
هناك غطاءٌ على رأسها، لكن غير مشدود سائب، هذا الغطاء السائب بدا منه قلائدها وقرطها وعنقها، هذا هو التبرج، صحيح أنّ على رأسها غطاء، لكنه غير محكم، وغير مشدود، يظهر من المرأة الزينة التي ينبغي أن تختفي، قال تعالى:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
يقول أحد العلماء: " حرم الله تعالى على المرأة المسلمة أن تخرج وخمارها غير مشدودٍ على رأسها، وسُمي هذا الخروج في مثل هذه الصورة تبرج الجاهلية الأولى ".
هذا هو التبرج، أن يبدو من المرأة بعض مفاتنها.
وأمر الله سبحانه وتعالى أن تخرج النساء متحجبات، عندنا نهي عن التبرج، هذا الحكم السلبي، الحكم الإيجابي أمر الله سبحانه وتعالى النساء أن يخرجن متحجباتٍ، لقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
2 – وجوب تغطية وجه المرأة وأدلة ذلك
ينقل الإمام الطبري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قوله: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجةٍ أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ".
ويقول محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزّ وجل: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى.
يقول عالمٌ آخر، وهو القاضي أبو السعود في قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور: آية " 31 " )
" في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغة في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ".
هذا كلام دقيق جداً، كأن يكون في الأرجل خلخال، السوار في المعصم، والخلخال في الرجل، فإذا ضربت المرأة برجلها في المشي سمع صوت خلخالها، إذا كان هناك نهيٌ عن صوت الخلخال فما قولك في النهي عن الخلخال ذاته ؟ وإذا كان هناك نهيٌ عن الخلخال ذاته فما قولك بموضع الخلخال بموضع الزينة ؟ هذا ما يقوله القاضي أبو السعود: " في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغ في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ".
الصوت منهي عنه، فعين الحلي الخلخال من باب أولى، فموضع الخلخال من باب أولى، فأنت منهي عن الثالثة، أي عن الصوت.
لا أحد يقول: الأستاذ شدد كثيرًا، ليس هذا تشديدا، والمؤمن لا يشد حتى، ولا يحل، هذا هو الحكم الشرعي.
الآن حكمٌ آخر، وهو أن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس يرى: " أن تغطي المرأة وجهها ورأسها ".
وهكذا قال عامة المفسرين، يقول أبو بكر الجصاص:" في هذه الآية دلالةٌ على أن المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن ".
هذا معنى قول الله تعالى: ( وَلاَ يُبْدِنَ زِينَتَهُنَّ ).
ويقول العلامة النيسابوري. " كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية، فأمرن بلبس الأردية والملاحف، وستر الرأس والوجوه ".
ويقول القاضي البيضاوي: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ )، أي يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة ".
روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ))
[أحمد]
وأخرج الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: <<كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام >>.
يُخْلص من هذا أن ستر الوجه من صلب الدين، وهو الحكم الشرعي الذي هو عليه علماء المسلمين، وإذا كان هناك خلافٌ في هذا، فهناك اتفاقٌ على أن المرأة الشابة فتنتها في وجهها، وينبغي أن تستر وجهها باتفاق العلماء قاطبةً.
هناك من يقول: المرأة تصلي ووجهها مكشوف، ويداها مكشوفتان، إذاً هذه عورة المرأة، الوجه ليس بعورةٍ، وكذلك اليدان، لأنهما تكشفهما في الصلاة، يقول ابن القيم في رد هذه الشبه: " هذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان، عورةٌ في النظر، وعورةٌ في الصلاة، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم".
[ كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين ]
شبهة والجواب عنها
الآن هناك شبهةً مفادها أن هذا الأمر موجه إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام، والقاعدة الأصولية في فهم النصوص أن أي أمرٍ خوطب به النبي ينسحب بشكلٍ حكميٍ على كل المؤمنين، لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة، فالأمر الموجه إليه ينسحب على أتباعه المؤمنين بشكل قطعي، ولا بد مِن دليل فرعي واضح على أن هذا الشيء خاصٌ بالنبي عليه الصلاة والسلام، فأي أمر عام موجه للنبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه دليل على أن هذا الأمر خاصٌ به فالأمر عام، وعلى كل المؤمنين أن يأتمروا به.
يقول أبو بكر الجصاص في تفسير هذه الآية:
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾
" هذا الحكم وإن نزل خاصاً في النبي صلى الله عليه وسلَّم وأزواجه، فالمعنى عامٌ فيه، وفي غيره، إذا كنا مأمورين بإتباعه والاقتداء به، إلا ما خص الله به نبيه دون أمته ".
فالشيء الخاص بالنبي معه دليل واضح، دليل خصوصيته، لكن إذا لم يوجد دليل خصوصية فالأمر موجه للنبي عليه الصلاة والسلام وموجهٌ حكماً لكل المؤمنين، لذلك الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 59 " )
لقد روى ابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
<<خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسيةٌ سودٌ يلبسنها >>، هذا نقل عن تفسير ابن كثير.
الآن.

﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
قال: يقول القاضي أبو السعود في تفسير هذه الآية: " أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذنٍ، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول، وسؤال المتاع من وراء حجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية، فإذا كان سؤال المتاع من وراء الحجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية فما السبب في استثناء بقية النساء ".
إذا الصحابية الجليلة أم المؤمنين إذا سألتها حاجةً فاسألها من وراء حجاب، لأن ذلك أطهر لقلبك وقلبها، فما القول في امرأةً ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، ولم تلتقِ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، المرأة التي هي زوجة رسول الله، وهي حكماً أم المؤمنين، وهي الطاهرة العفيفة الحصان قال الله عزوجل لها:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
فما القول في امرأةٍ ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، وليست في طهارة وعفة وإيمان الصحابيات الجليلات ؟ هذا كلام كالشمس واضح.
3 – عدم خروج المرأة متعطرة
الأدب التالي لأدب الحجاب: ألا تخرج المرأة متعطرةً، فقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن طيب النساء ينبغي أن يظهر لونه، وأن يختفي ريحه، وأن طيب الرجال ينبغي أن يظهر ريحه، ويختفي لونه.
أكمل طيب للرجل ليس له لون، لكن له رائحة، أما طيب النساء ليس له رائحة، لكن له لون، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

(( طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ ))
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تخرج المرأة وهي مستعطرة، فقد روى الإمام أبو داود في سننه عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال ـ دققوا، لا تظنوا أن موضوع العطر في الطريق شيء وهو بلوى عامة، فهذا من الكبائر، أي أن المرأة إذا خرجت مستعطرة خرجت زانية، انتبهوا، بناتكم نسائكم، يقول عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا ))
وفي روايةٍ عند النسائي: (( فهي زانية ))
ويقول شارح هذا الحديث: " سماها النبي زانية مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سبباً لرؤيتها ".
فإذا شعر الرجل أن هناك رائحة عطرة يلتفت، ويتساءل: من صاحب هذا الريح العطر ؟ فأقل شيء بالمرأة المتعطرة أنها تلفت النظر إليها، الرائحة تسوق الوجه إلى النظر إلى صاحبة هذا العطر، سماها النبي زانية، طبعاً زانيةً مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقلّ ما يكون هذا سبباً لرؤيتها، وهي زنا العين، العين تزني وزناها النظر.
يبدو أن امرأة وقعت في خطأ في عهد النبي كان لها ريح طيِّب، فسألها أبو هريرة فَقَالَ:
يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لا تُقْبَلُ صَلاةٌ لامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ ))
فتتطيب، وأن تأتي للمسجد هذا سوء فهم منها، ولو أنها أتت بيت الله عزَّ وجل غسلت موضع العطر خارج البيت، ممنوع في نظام الإسلام، لأن العطر يلفت النظر، والنظر يوقع في زنا العين، وهي السبب، لأنها هي التي رغَّبت في نفسها.
والنقطة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما نهى الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، معنى ذلك أنّ المرأة من حقها أن تأتي إلى المسجد، وبعد قليل ترون أنه يُطلَب أن يكون مكان النساء بعيدا عن الرجال، وأن يكون النساء لهم مدخل خاص، ومكان خاص فيه كل وسائل الراحة، فإذا نهى النبي الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن ابن عمر الذي رواه الإمام مسلم:
((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ))
فقد نهى كذلك المرأة إذا استعطرت عن الذهاب إلى المسجد، بالمقابل هذه التي تأتي بيت الله بأكمل ثياب، أو بأكمل حركات، دون أن يكون هناك أي شيء يلفت النظر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ))
[مسلم]
هنا تعليق لطيف: إذا منعت المرأة من الذهاب ِإلى المسجد لأنها متعطرة فكيف بالمرأة التي تذهب إلى الأسواق، وتشتري حاجاتها من الرجال الأجانب، وهي في أبهى زينة، وهي مستعطرة ؟!
4 – عدم إظهار الزينة بالصوت
ومن الآداب التي ينبغي على المرأة أن تتأدب بها حفاظاً على زواجها، وعلى سعادتها الزوجية، ألا تظهر زينتها بالصوت، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور آية " 31 " )
أحد المفسرين الأفاضل يعلِّق على هذه الآية يقول: " إنها لمعرفةٌ عميقةٌ بتركيب النفس البشرية، وانفعالاتها، واستجاباتها، فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها أو حليها ".
أحياناً يكون الإنسان في غرفة النوم، إذا دخل إنسان أجنبي فلا ينبغي أن يرى في هذه الغرفة ثياب امرأة، وهذا هو الأكمل، حاجات المرأة تثير الخيال إلى مواضعها.
" فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم حاجات المرأة، أكثر مما تثيرها المرأة نفسها، وسماع وسوسة الحلي، أو شم شذا العطر من بعيد، قد يثير حواس الرجال أكثر مما يثيرهم منظر المرأة نفسها ".
أحياناً يكون الواقع أقل من الخيال، فالخيال يضفي على الواقع أحياناً مبالغات هو بعيدٌ عنها كثيراً.
" وهذه الآية فيها دلالةٌ على أنَّ المرأة منهيةٌ عن رفع صوتها بالكلام، بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها".
إذا كان صوت الخلخال ممنوعا أن يسمع، فما قولك بصوتها هي، وقد يكون صوتاً فاتناً ؟!! لذلك صوت المرأة عورة ولو أذَّنت.
والآن انتبهوا إلى الأحكام الفقهية، المرأة إذا اقتدت بزوجها أو برجل، قد يكون هذا الرجل أباها أو أخاها، هذا شيء مشروع، وسها الإمام عن القعود، أو سها بترك واجب، يقول الرجل المقتدي: سبحان الله ! يذكِّر الإمام، أما أن تقول المرأة في الصلاة: سبحان الله ! فصوتها عورة، قال: لها التصفيق، إذا فعلت هذا، أي نبهت الرجل إلى أن هناك خلل في الصلاة.
روى الإمام ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال:
((التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ))
وهذا مبالغةً في عدم إظهار صوت المرأة، وقد سمعت في بلاد المغرب أن قديماً كان إذا طرق الباب الرجل لا تقول المرأة: مَن الطارق ؟ بل تضرب على الباب ضربات تشير إلى أن نحن وراء الباب، من تريد ؟ لئلا يسمع صوتها.
ويقول ابن قدامة: قال ابن عبد البر: " ليس على النساء أن ترفع صوتها بالتلبية ".
في أثناء الحج أو العمرة كان النساء الجاهلات يرددن الدعاء الذي يدعو به من يقودهن بصوتٍ أعلى من صوت الداعي، وأعلى من كل الرجال، وهذا جهلٌ فاضحٌ بأحكام الحج، ليس على المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية، عليها أن تلبي بصوتٍ تسمعها هي فقط، أما رفع الصوت فإن صوتها عورة، أيضاً هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.
" أجمع العلماء على أن السنة في المرأة ألا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وبهذا قال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة، لذلك لا يسنُّ لها آذانٌ ولا إقامة ".
إنّ المرأة في البيت لا تؤذن ولا تقيم، لأن صوتها عورة، " وإذا سها الإمام عن واجبٍ من واجبات الصلاة، لها التصفيق وله التسبيح "، هذا كلّه ينسجم مع أن صوت المرأة عورة.
5 – عدمُ اختلاط المرأة بالرجال
ومن الآداب التي ينبغي أن ترعاها المرأة حفاظاً على سعادتها الزوجية، عدم الاختلاط بالرجال، فتمكين النساء من الاختلاط بالرجال أصل كلُّ بليةٍ وشر، لو تتبعت أكثر المشكلات الكبيرة التي سببها المرأة لوجدتَ أن هذه المشكلة بدأت من خلوةٍ أو من اختلاط.
هناك أسرتان ذهبتا إلى الساحل ليقضوا أسبوعًا أو أسبوعين، الأسرتان رجعتا إلى الشام، وحصل طلاق بين الأسرتين، فيهما سبعة أولاد فيها، فقد أصبح بينهم اختلاط، الزوج الأول أعجبته زوجة الثاني، والثاني بالعكس، فحينما يختلط الرجال بالنساء تقع المفاسد والشرور، وكما يقول ضباط الأمن الجنائي: في كلِّ جريمةٍ أو مشكلةٍ فتش عن المرأة، وراء كل مشكلّة طبعاً، كما أن وراء كل إنسان موفق في حياته امرأةٌ تعينه على هذا التوفيق، أيضاً وراء كلّ إنسان وقع في مأساة في حياته امرأة أغرته بالانحراف.
وقد وجه النبي عليه الصلاة والسلام النساء أن يمشين في جزءٍ من الطريق مخصوص، أي إذا كان الطريق مزدحماً بالرجال فعلى المرأة أن تمشي في مكان بعيد عن الرجال،

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
بنتا سيدنا شعيب ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص]
بنتا سيدنا شعيب ما اختلطتا بالرجال، بقيتا في جانبٍ، والرجال في جانب، قال عليه الصلاة والسلام للنساء:
(( اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ... ))
( من سنن أبي داود)
فإذا هناك مجتمع من الرجال، وكان فيه ازدحام فالمرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة تجتنب هذا الازدحام قال:
(( فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ ))
من شدة اتباعها لسنة النبي ، والنبي عليه الصلاة والسلام خصص باباً لدخول المسجد، والآن يوجد باب النساء في الحرم المدني.
وفي سنن ابن داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ ))
*** يدخل سيدنا عبد الله بن عمر من هذا الباب حتى مات، فصارت سنة، لأن النبي قال: هذا الباب للنساء، وفي أكثر المساجد والحمد لله هناك جناح للنساء بباب مستقل، ومرافق مستقلة، بغير اختلاط أبداً، أيضاً من أجل عدم الاختلاط بالرجال، ينبغي أن تكون صفوف النساء منفصلّة عن صفوف الرجال، حتى لو أنها امرأةٌ واحدة.
وروى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ قَالَ:
(( فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ وَرَاءَنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ))
[أحمد]
وقفت زوجته في صف مستقل، فالمرأة إذا حاذت الرجال في الصف فسدت الصلاة، فانظر إلى دقة عدم الاختلاط حتى في الصلاة، ولو أنها قريبة، المرأة لها صف خاص، وكما ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سنن ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا ))
في الرجال بالعكس، خيرها أولها، وشرها أخرها، في النساء خيرها أولها، وشرها أخرها، أي خيرها ما كان بعيداً عن الرجال.
وكانت النساء المؤمنات يحرصن على ألا يختلطن بالرجال وقت الطواف، هذا الطواف صدر بظهر، وكتف بكتف، رجال ونساء، هذا بعيداً عن روح الشريعة الإسلامية، فهناك دراسات لكنها لم تنجح حتى الآن، ولكنها نجحت في المسجد النبوي، الآن في المسجد النبوي ليس هناك اختلاط أبداً، بابٌ خاص للنساء، وحيِّزٌ خاص للنساء، وجدر مانعة للنساء، وموقفٌ أمام رسول الله للنساء خاص، فالقضية حُلّت حلاً جذرياً في الحرم النبوي الشريف، لكن نرجو الله سبحانه وتعالى أن تحلَّ حلاً جذرياً في الحرم المكي حيث لا يزال هناك اختلاط.
وقد روت كتب الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت:
(( تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لا تُخَالِطُهُمْ ))
( من صحيح البخاري)
أي في زاوية بعيدة عن الرجال لا تخالطهم.
الآن هناك نقطة دقيقة جداً، إذا صلّت النساء وراء النبي ، متى كنَّ يقمن من المسجد ؟ بعد أن يسلّم، ويذهبن إلى البيت، ففي سنّة العشاء والوتر فالنساء بشكلٍ خاص أعطاهن النبي توجيهاً أن يقمن من الصلاة بعد التسليم فقط، حتى يذهبن إلى بيوتهن، دون أن يختلط الرجال بالنساء.
روى الإمام البخاري عن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا
(( أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ ))
الرجال متى يقومون ؟ إذا قام رسول الله، أما النساء فكن يقمن من الصلاة فور التسليم، ويذهبن إلى بيوتهن لئلا يختلطنَّ بالرجال.
6 – عدم سفر المرأة إلا مع ذي مَحْرَم
الموضوع الأخير في آداب المرأة، ألاّ تسافر إلا ومعها ذو محرم، روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي:

(( أَنْ لا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ))
ويروي الإمام مالك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا ))
وروى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ))
يقول الإمام النووي في شرح هذه الأحاديث، قال البيهقي: "كأنه سئل عن المرأة أن تسافر ثلاثاً بغير محرم ؟ فقال: لا، وسئل عن سفرهما يومين بغير محرم ؟ قال: لا، وسؤل عن سفرها يوماً ؟ قال: لا "، أي لا تسافر مطلقاً إلا مع زوجها، أو مع ذي محرم.
والحديث الآخر:
(( لا تحجنّ امرأةٌ إلا ومعها ذو محرم ))
وروي الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ))
أمره بترك الجهاد، وأن يحج مع امرأته.
والعلماء يقولون: المرأة التي لا تجد محرماً تحج معه ليست مستطيعة للحج، والحج على من استطاع إليه سبيلاً.
أيها الإخوة، عدم الاختلاط بالرجال، وعدم رفع الصوت، وعدم التعطر، وعدم الخروج بغير الزي الإسلامي الذي أمر به الإسلام، هذه كلُّها تدابير احترازية، لو فعلّتها المرأة لضمنت زواجاً سعيداً، وضمنت استقراراً نفسياً، وهي طاعةً لله عزَّ وجل.
والحمد لله رب العالمين

إضافة رد

 
مواقع النشر (المفضلة)

 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المُعلِّمة.. المهنة المرغوبة والزوجة المطلوبة! ابو الخطاب حااااااارتنا 6 01-19-2012 11:24 AM
ما اجمل ان يتقاسم الزوج والزوجة الاعمال المنزلية بنت غزة الصابرة الاستراحة العامة 7 12-25-2011 08:31 AM
حقوق الزوجين كبرياء فلسطين في حضن الاسرة 8 12-24-2011 01:49 AM
احتفالنا بالمولد النبوي الشريف \ بين البدعية والسنية الشذا الفواح خُطٌوآتٌ نَحْوَ السَّمآءِ 2 10-24-2011 10:36 PM
ماهي أقصر الطرق لقلب الزوج والزوجة؟ الشذا الفواح في حضن الاسرة 6 03-19-2009 12:23 PM

 
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:26 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas